أخر تحديث : الخميس 26 نوفمبر 2015 - 6:49 مساءً

ليلة بكى فيها القمر

سعيد نعام | بتاريخ 26 نوفمبر, 2015 | قراءة

FB_IMG_1448550936573

توارت الشمس في خجل نحو المغيب ، وكانت أشعتها ماتزال دافئة ، تودِّع عاشقين ذابا في رحيق الحب ، يتبادلان أسرار الشفاه ، تحوَّّلا جسدا واحدا عانق سكون اللحظات البهية ، على ضفة نهر مبتهج ، يحتضن زرقة السماء وصفائها .
كان الفصل ربيعيا في ذلك المساء المنتشي ، تَخَّلل عبيره كلَّ الأمكنة المحاطة بهما ، وسيَّجها بنسيم الرومانسية .
فوق أغصانها الميَّادة ، غنَّت الطيور أجمل الألحان ، طيور كانت شاهدة عِيان ، على قصة حب بدأت الحبْو ، لكنها لم تقْوَ على المشي .
مدت يدها فأزاحت خصلة من شعرعها الكستنائي ، كادت تٌخفي جزءا من وجهها ، ففاضت وجنتها بهاءً .
قالت له :
– الحب عذاب ، وأنا لا أقوى على تحمل الصعاب ! .
انتشل مشاعرها من العمق كعادته ، بكلمات رقيقة وقال :
– إنه بلسم القلوب ! .
تسللت أناملها الموشومة بالحناء إلى أنامله المرتجفة فتشابكت ، وحول معصمها لاج سِوارُُ كسراج الليل الوضاء .
قالت والحزن يداهم عينيها العسليتين :
– آه من خوفي أن يتحول حبي لك ، إلى سهاد وأرق ودموع ! .
لامس خذها الوردي براحة كفه ، وهوى عليها بصدره . ضمها بكل حرارة وطبع على جبينها قبلة ، شاطرته حلاوتها ، وشعرا بدفئها يسري في عروقهما .
– حبي لك أفراح وشموع
ماهو بسهاد ولا أرق
أو دموع
بل وسام تزيَّى به
عرش قلبي في خشوع
ودونه أنا أمير مخلوع
أطربها سماع كلماتة العذبة بصوته الخافت ، رمقتها تنطلق زاحفة من أعماق قلبه ، قبل أن تقع على لسانه ، وقَرت بفؤادها وصدَّقتها جوارحها .
لم تتمالك نفسها من فرط السعادة ، وانزلقت على لسانها معاني الحب والإعجاب .
– صرت أحبك أكثر من أي وقت مضى ، صرت أعشق نبرات صوتك ، بل من أجلك صرت أعشق الحياة ، وأتمنى أن أظل دائماً بالقرب منك ! .
كانت تلك أمنيتها ، وكان ذاك أجمل حلم أحبت أن تعيش لأجله ، ولم تكن على علم بوجود غول رهيب ، يقبع بين أضلع هذا الجسد النحيل ، تسلل دون استئذان ، حتى الطبيب لم يعلم متى وكيف زارها ؟.
تباًّ له من ضيف خبيث ! .
جثم بكل قسوة ووحشية ، على قلب خمدت شعلته عند أول نبضة حب !.
شهور معدودة أو أسابيع ، أو ربما أيام فقط ، ويعود الخريف من جديد ، يطرد أوراق الأشجار من مسكنها ، فتتساقط تباعا ، وتَكنِسٌها الرياح ، وتغادرالطيور أوكارها الموحشة نادبة حظها التعس ، ويرحل الطِّيب من ورده ، وتبقى أشواكه عالقة يابسة ، ويحل الظلام ليعانق ذكريات جميلة ، لم تٌشرق شمسها إلا قليلا .
انتصب أمامها مشهد رهيب لفصل من فصول حياتها ، كما تنتصب الأشباح في الليل البهيم ، وهي تشْخَص ببصرها في نتائج التحليلات، وتنظرإلى الطبيب في ذهول !.
في نفس الموعد وفي نفس المكان ، رمى بجسمه المتعب تحت ظلال تلك الشجرة الوارفة ، التي نبثت بجانبها بذرة لعشق سرمدي ، استلقى بظهره على جذعها ، وتوسد راحتيه خلف رأسه ، ينتظر مجيء حبيبته .
داعبته نسمات خفيفة بعطر السمسق ، تختال من الضفة المحادية للنهر، أغمض جفنيه وركب سحابة من أحلام اليقظة ، أقلَّته من محطة أول لقاء بمعشوقته .
طالت غفوته وطال معها تفكيره فيها ، وشعر كأنه لبث شهرا أو بعضا منه ، في انتظارها بهذا المكان ، الذي أصبح مقفرا موحشا بدونها .
– يا إلاهي ! لماذا تأخرت يا زينب هكذا ؟ ليس من عادتك ذلك . ترى هل أصابك مكروه ؟ هل اعترض سبيلك أحد ؟ هل أغضبتك في شيء ؟ آه ، سٌحقا لهذه الأفكارالسيئة ! .
ظل يخاطبها وكأنها ماثلة أمامه ، لم تبرح مكانها منذ الموعد الأول .
أيها النهر ، أيتها الشجرة ، أيتها الطيور ، أيتها السماء ، هل تسمعونني ؟ من منكم رأى حبيبتي ؟ لماذا تأخرت ؟ لماذا لم تأت ؟ أين غابت ؟ هل ضلَّت الطريق إلى قلبي ؟ .
بدا كالمجنون يدور في مكانه يمنة ويسرة ، مرددا اسمها كل حين ، يجلس تارة ويقف أخرى ، ويحملق في كل ما يحيط به ، لعله يعثر على من يرشده إلى مكانها .
لا مجيب للدعوات سوى صدى صوته ، يناطح الكائنات من حوله .
ساد جلال الصمت ، وحاصر الهدوء المكان من كل ناحية ، فأحس بمخالب الوحشة تمتد إليه لتخنقه .
وفجأة .. دوى صوت كالرعد ينادي عليه ، وصعق حين امتدت عيناه على مسافة غير بعيدة ، فعاد الصوت يجلجل أذنه ، إنها وفاء أخت حبيبته ، تركض في اتجاهه كسهم لم يخطأ هدفه .
شعر بهول شديد ، وتوقع أن يكون هناك خطب ما . تسمَّرت على خطوة منه ، حدجته بنظرة حزينة وانهارت باكية ، كما تنهار الكثبان الثلجية من أعلى القمم .
عند فم الحي العتيق ، حيث يقبع بيت زينب ، تجمهر العديد من الناس ، رجال اصطفوا بحائط المنزل ، وكأنهم في وقفة احتجاجية ، وآخرون امتطوا صهوة بضع كراسي ، بجانبهم تابوث خشبي طويل ، مٌد على طرف الباب ، أطفال ينتظرون فرصة لينقضٌّوا على كسرة خبز، محشوة بشطائر التين المجفف ، يتدافعون غير مبالين ، وآخرون يستفزهم الفضول ، فتشرئب أعناقهم مطلة على نافذة صغيرة ، ظهرت منها حجرة تفوح منها رائحة عطر القرنفل ، بداخلها نساء يبكين ، يتوسطهن جسد مسجى فوق قطعة خشبية ، ينتظر الرحيل إلى مثواه الأخير.

سعيد نعام

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع