أخر تحديث : الأربعاء 9 ديسمبر 2015 - 9:14 مساءً

زهر الأقحوان

عبد الواحد الزفري ـ جمال عتو | بتاريخ 9 ديسمبر, 2015 | قراءة

zefri_jamal

في خلوتي الفايسبوكية وفي وقت متأخر من الليل رقنت لصديقي جمال”ميساجا ” على الخاص، قلت فيه:
– ” يا أخي صرت أشعر وكأني ذات في ذوات عديدة وقد تشظت في حلكة دواخلي؛ التي لن يغشاها بصيص نور سكينة أبدا، لقد تأكد لي أني مصاب بالوسواس الخناس ؛ بل صرت نخاس الوساويس، وبياع الهم والغم في سوق البسطاء المعذبين على بساط هذه الأرض المجحفة؛ فكلما أشرقت الشمس رأيت بأم عين خيالي أن العالم يحترق من حولي كما احترقت من قبله روما، وأن جثث الفقراء تفر من قبر البر إلى بحر الحياة لتغرق في منتصف العبور!؟ وأصاب بفزع مرضي خطير حينما تسقط حبة ندى على أصغر برعم بغصن سنديانة شامخة؛ ترتعد فرائصي وتزلزل الأرض زلازالها وتخرج حمم همومها من جوفها وتتقيأها على رأسي حتى قدمي، وأصاب بالغثيان لما أرى كل الحكومات شاهرة هراواتها تهدي المعطلين عاهات تعفيهم شر العمل، وتختلط علي فصول السنة ولا أعرف في أي فصل سيسقط المطر، ولا متى يهيج البحر، ولم أعد أفرق بين فصل الربيع والدم العربي! بل ليس باستطاعتي أن أميز حتى بين ملتحٍ وملتحِ؛ فكلما رأيت واحدا وسط زحمة عمومية بسرعة كبيرة أتذكر لعبة ” ناجح، ساقط ” التي كنا نلعبها ونحن صغارا؛ إذ كنا في آخر السنة الدراسية نتجمع عند ناصية الدرب ونطير كالحساسين إلى مروج ” الوادي الجديد ” نطارد الفراشات، نقطف الأقاحي ونتناوب على نتف وريقاتها الناصعة البياض الواحدة تلو الأخرى ونحن نردد ” ناجح، ساقط… ” على أن تكون الورقة الأخيرة على تاج الأقحوانة هي المحددة لمصير مستقبل سنتنا الدراسية، وكأنها عرافة من زهر لا تخطئ نبؤتها أبدا.
أما عندما كبرت صرت أوظف هذه اللعبة المسلية دون وعي مني عند رؤيتي لملتح، فأتلو شهادتي وأردد:
– ” سينفجر، لن ينفجر، سينفجر ، لن ينفجر… ”
إلى أن يمر الأمر بسلام ولا ينفجر وفي أماكن أخرى ملتح آخر ينفجر.
وعندما أستفيق من خيالي أحسب أن ما خلته لَمُؤشر قوي على حدوث أمر جلل، وما علي إلا أن أترقب حدوثه بكل خوف ووجل.
أحببت الوحدة لأنها الوحي
دة التي تضمن لي نسبيا أمني وسلامة جسدي، وليس لي أصدقاء في هذا الفضاء الأزرق، لأني لن أصبح شاعرا جميلا أبدا، فأنا لا أجيد نطق الكلمات الرخوة، التافهة، الهجينة، المخنثة، في عز أزمة العربِ من قبيل:
– ” من هسيس أحاسيسي، أقول لك يا سيدتي المبدعة أنك شفيفة، رهيفة، بهية، شهية الجسد”.
ولن أبدع تعليقات تجمل ما لا يجمل، وتحمل ما لا يحمل ولا أنا بمنفقِ ل” جيمات ” على صفحات جميلات ” الفايس بوك “. كما أني لا أحب نميمة الجهال ودسائس بعض المثقفين، لأنها تزيد حياتي وسواسا على خناس. وبالمقابل أحب الفلسفة لأنها تجعلني أخضع كل الأشياء التي قد تحدث أو لا تحدث ولو صدفة إلى وجود سبب ومسبب له وما علي إلا طرح الأسئلة، لأن الحقيقة كما تراها الفلسفة ويؤيدها اليومي دائما تخضع لسلسلة من العلاقات العائلية المتشابكة المفعمة بالمحسوبية، لكنها تخذلني في كونها لا تستطيع أن تقيني شر هلوساتي ولا أن تجيب عن أبسط أسئلتي عن وجودي واللا وجودي؛ فهي ذاتها لا تنتهي إلا بسؤال يفضي بدوره إلى أسئلة أخرى تتناسل في ما بينها لتجر وراءها أسئلة لا تعد ولا ( تُخْصَى ) فتلد أسئلة جديدة كبرى. فأكتفي بوساويسي أصارعها وتصرعني، وأترك للفلسفة أسئلتها تتدبر هم أمرها.
رقن لي الصديق:
– أما أنا فأراني هناك في أعلى قمة بجبال الحزن؛ أستودع روحي في حضن غيمة كي تنفث رمادي فوق عالم المثل الذي تشربته حتى البلل؛ سلكت طرق الفلاسفة وأنخت بجبتي وتنسكت في محارب الحكماء والفقهاء ، ولكم جلست القرفصاء في حلقات ابن رشد والفرابي و…، حتى وجدتني عالقا بين المدينة الفاضلة وجمهور الكادحين.
كنت مثلك تماما أتسلى بلعبة نتف وريقات الرياحين عندما يشح الرغيف فأردد بنفس مكلومة :” حرب ، سلم، حرب، سلم… ” لتبقى الحرب جاثمة على تاج الأقحوانة الأخيرة تتربص بالدم العربي ترشفه، أما ما يحيرني في الفلسقة يا أخي أنك لا تقول شيئا بعدما تقول كل شيء.
تجنبت التبسم لما تأكد لي أني إن تبسمت تشقق وجهي، وفي خلوتي أتحسس ذاتي فأجدها هي الأخرى ذواتا تسائل نفسها ويَردُّ لها الصدى نفس أسئلتها ، يصيبني الفزع فأتسلل محبطا إلى مرقدي، وبسرعة أدس رأسي في مخدتي الطويلة العمر لأَحضرَ مراسيم حلمي من مهده إلى لحده، فيأتيني كما العادة مرعبا مجلجلا يهز أركاني، وببشاعته يصبغ وجه العالم، فأستيقظ مفزوعا أدور كالناعورة في أرجاء البيت، أتكلف قليلا من التبسم لأقص شاربي ولا أعفو عن لحيتي لأني أدرك جيدا أن أصحاب العيون الزرق يسخرون ويخشون أصحاب الوجوه العابسة واللحى الطويلة.
لقد ودعت عالمي ذات ليلة باردة على طيور الظلام وهي تبني في كل مكان أعشاشها وتضع فيها أرواح أطفال الشام، والعراق وفلسطين وتستبيح سبي نساء لجهاد واهم، ورأيت بدوري نيرون يترك زمانه ويعود؛ يبتسم في وجهي ويغني أشعار ” هوميروس “ويتابع احراق كل البلدان على أنغام قيتارته اللامعة ومن وراءه نار تتأجج كأنها ألسنة الشياطين، سألته عن أمه ” أغربينيا ” قهقه وقال:
– أنا لا أعرف إن كانت لي أمُّ أمْ أني انبلجت من شعلة نار.
وسألته عن القديس بطرس فجزم:
– قتلته لأنه أنجس مني وأعظم من كل العظماء.
أحسست برغبة شديدة في النوم فرقنت للصديق:
– عدنا للعبة الأقحوانة ” تنام، لا تنام… ؟”
رقن:
– سأنام، كوابيسي تناديني.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع