أخر تحديث : السبت 12 ديسمبر 2015 - 11:58 صباحًا

لحظات ذاكرة الزمن الجميل بالقصر الكبير

محمد الشاوي | بتاريخ 12 ديسمبر, 2015 | قراءة

chaoui

” في بيتنا تلفاز ..!! لقد إشتريناه بالألوان يامعشر أبناء وبنات حي سْكْرِينْيَا ..!”
هكذا نطقت  بهاته الجملة بطريقة هستيرية ولاشعورية تنم عن فرحة الطفولة البريئة بكل حب وتطلع لمعانقة الشاشة الملونة .
تبدأ أحداث هذه القصة بقدوم  رجل شديد صفورة الشعر مع أبي يحمل تلفازاً على ناقلته الخشبية التي يستخدمها لنقل البضائع للزبناء . 
تزغرد  أمي بينما أختي  تُطِّلُ عليهما من نافذة بيتنا بلهفة الطفولة :
 وتقول لجارتنا ” خْتِي رْحْمَهْ ” : 
” شْرَانَا  بَا  طِيرِبْزْيُونْ ..! أْوِي ..!
خْتِي رْحْمَة  وْ بْلْكُولُورْ..”
كل من  يعرفنا من قريب أو بعيد جاء لكي يهنئنا على هذه اللحظة التاريخية ، فالحي بأكمله كان يتوفر على شاشات بالأبيض والأسود ونحن وجارتنا ” الحاجة ” من سبقهم لشراء تلفاز بالألوان من عند بائع لا يشق له غبار في مجال الإلكترونيات  بمدينة القصر الكبير إسمه : “طْرُومْبَاطِي ” .
ركب والدي التلفاز رفقة الرجل مجهول الإسم الذي جاء معه يقال له ” الرُوبْيُو” ، والجميل في الأمر أنه يشاركنا فرحتنا إذ يظهر على محياه فرح كبير وإبتسامة يصعب وصفها…
إشتغل التلفاز على قناة ” إتم ” وظهرت سيدةٌ
رغم كِبَرِ سنها تبدو لنا بعيون ألوان التلفاز جميلةً، إذ  تغني وتقول : 
” (..) شَالِيلِي يَابَابَا أَ لْهْوَا يَا لْهْوَا (…) ” 
وعلمت من أمي أنها ” الحمداوية ” ،
 إذ لم تكن آنذاك قد ذهبت إلى الحج ..!
تحلقنا على الأرض وجلست أنا وأختي وأطفال الحي جلسة القرفصاء وبدأنا نشاهد القناة وكأنا على رؤوسنا الطَّيْرُ ..!
قدمت أمي براداً من الشاي المنعنع لجميع الحاضرين من الجيران الذين جاءوا لكي يقدموا التهاني لأفراد أسرتنا…
مر شهر على هذا الحدث وجاءت عمتي في العطلة الصيفية من خارج الوطن بالديار الألمانية، فأحضرت لنا جهاز ” الفيديو ” فدخل هذا الأخير إلى بيتنا بالصلاة والسلام وكأنه عريس في ليلة الزفاف.
كان الرجل الذي يحمل الجهاز مع أبي يملك عضلات مفتولة وقوي البنية إذ يضعه على ساعديه وكأنه كيس من  الدقيق ..!
قرر والدي دعوة الجيران لكي يشاهدوا معنا كاسيط الفيديو الهندي الذي إكتراه من عند
” الزَيْتُونِي “،  شريط يحمل عنوان :
” مَنْغَلَهْ البدوية ” الذي ترجمه  إبراهيم السايح إلى الدارجة المغربية هو ومجموعة من الأفلام الهندية .
بدأ الفلم . الكل يجلس بأدب وإحترام ،فهناك من دخل من باب منزلنا وهناك أيضاً من دخل من السطح . فجل منازل الحي ملتسقة فإذا أردت شيئا من عند الجيران لا حاجة لك للذهاب إلى الباب ، إذ يمكنك النزول عندهم من السطح ، فالمسألة سهلة ومتعارف عليهابيننا  ومتعاقد عليها في الآن نفسه.
على إيقاع نغمات الهنود كانت إنطلاقة الفلم،
تغني ” مَنْغَلَهْ ” بصوت جهير وترقص رقصة دائرية بشعرها الآخذ والفتان والشامة الحمراء على جبينها،  في منظر رومانسي وسط الزهور والأشجار بطريقة تستهوي جل الناظرين . 
نسمع الأغنية ونرددها في أنفسنا لكي نحفظها حتى نتباها بها مع من يجايلنا من الأطفال..!
لقد قاموا باحتجاز الملك ، وفاز البطل “كْرِيشْنَا” في مبارزة بالسيف ضد الوزير…
كانت أحداث الفلم غريبة بالنسبة لفهمنا نحن الصغار ،فرغم ذلك فنحن مندمجون مع الفلم لدرجة الإنصهار…
 لكن الأغرب قول الأميرة ل “كْرِيشْنَا” الذي يعشقها في إحدى لقطات الفلم  وهو قول ترجم بلغة دارجة جد متقنة :
 ” إِذَا خَالِيتْكْ عَايْشْ هَا تْقْضِي عْلَى لْعَيْلاتْ
كَامْلِينْ..!” ربما جاءت هذه العبارة عن قصد ووعي حقيقي ، فجمال  ” كْرِيشْنَا “
 في الفلم مثل جمال الحسنوات  .
وفجأة بدأت لقطة رومانسية وشاعرية  ، إنها لقطة حب وهيام تخللتها قُبَلُ ُ وإحتكاك بالأجسام ، فنظر إلينا والدي وهو يضع كل من سَبَابِهِ و إِبْهَامَهُ على شواربه التي يكاد أن يقف عليها الطير وقال لنا بصوت رخيم :
 ” أَ لْعْيَالْ غَمْضُو عَيْنْكُومْ
وْضْوْرُوا وْجَهْكُومْ ..! اللهْ يْعْمِيهَا نْشِي وَاحْدْ يْشوفْ هَادْ اللقطة ..!”
تقول النسوة : ” أَ وِيلِي وِيلِي .. شْهَادْ لْهَمْ..! كِي بُوسَا وْ كَتْبُوشُو..!”
فهن أيضاً يضعن أياديهن على أعينهم إمتثالاً 
لأوامر والدي فهو رجل المنزل، ومن يجرؤ على عصيان أوامره ..!
قد يصعب علي وصف هذا المشهد البانورامي
الذي يعبر عن قمة الحياء -” لْحْشُومَة ”  –
الذي  كنا نتمتع به  آنذاك .
والجدير بالذكر أن والدي  – حسب علمي-
لم يكن يعرف أن هناك زِّراً يُسهل مرور هاته اللقطة التي لم تكن لتعبر عن قلة أدب أو مشهد خليع، بل عن أصدق مشاعر الحب، ليس أقل أو أكثر.
لكن لست أدري هل فعلاً كان والدي على 
علم بوظيفة ذاك الزِّرِ أم لا ؟
كنا نتابع أحداث ومجريات الفلم ونحن نطقطق
” الزْرِيعَة ” التي إشترتها لنا جارتنا “فتيحة”
من عند ” الشْنْكِيطِي ” المعروف بمدينة القصر الكبير ببيعه لأجود الفواكه الجافة…
كان فرحنا وإبتهاجنا رهين بلقطات الفلم ومشاهده ، وكذلك بكاؤنا وحزننا مرتبط بالأسى الذي تعيشه البطلة ” مَنْغَلَهْ البدوية”
التي وقعت لقمة صائغة للذئاب الذين قاموا بأخذ الحكم من ” المَهْرَاجَا “- الملك-.
إنتهى الفلم بعودة الملك لعرشه وإسترجاعه لصولجانه والفضل طبعا يعود إلى
 ” كْرِيشْنَا ” البطل  و رفاقه الشجعان .
غمرتنا موجة من الفرح والسرورعند هذه النهاية السعيدة  وذهب جل المتفرجين من الجيران إلى منازلهم وقام أبي بضرب موعد لهم مع فلم جديد قررت جارتنا” هند”
إكتراءه من المحل المتخصص لشرائط الفيديو.
أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع