أخر تحديث : الأربعاء 16 ديسمبر 2015 - 7:40 مساءً

انتظارات

عادل البدوي | بتاريخ 16 ديسمبر, 2015 | قراءة

badaoui

عاد “السي عبد الكريم” فرحا إلى بيته، كان سعيدا لدرجة أنه لم يتعب من الأكياس التي يحملها و التي تركت في راحتين أخاديد غائرة، عرج مباشرة على المطبخ حيث وضع أحماله متعمدا إحداث ضجة، ذهلت “خديجة” من الكميات الكبيرة من السمك “الفاخر” و الفواكه المتنوعة، و نظرت إلى زوجها محاولة استكشاف سر هذا “الكرم الحاتمي” الذي نزل عليه فجأة، لم يكن بحاجة إلى سؤالها، فقد كان الكلام كجمرة في فمه سارع إلى التخلص منه:
– جا الرابيل!
تهلل وجه المسكينة و سألته بصوت مرتعش:
-شحال؟
أجاب بفخر:
-سبعة ملايين!
أخرست المفاجأة لسان الزوجة، بينما قال الأب الذي تحول إلى طفل مرح:
– حيدي علينا هاد الزمر ديال العدس..
قبل أن يتدارك:
-حاشا واش نسب نعمة الله.. لكن اليوم ماشي نهار العدس.
بدأت الزوجة في تنظيف السمك، و عندما حاول عبد الكريم مساعدتها قالت مبتسمة:
-أنت راك عريس اليوما، غير حط من يدك و سير ترتاح يا حبيبي يا مولا داري.
و عندما غادر همست:
-غادي غير يبرزطني بالفهامة و البلانات.
جلبت رائحة السمك و الأخبار السعيدة الأبناء الأربعة إلى المطبخ، حتى سميحة تركت هاتفها و انخرطت في مساعدة أمها بحماس، أما الذكور فسارعوا إلى “سلطان الهند” المتكئ في الصالون منتشيا بملايينه السبعة، “يتبركون” به و يبتسمون في وجهه ابتسامات بلهاء.
و بعد أن فرغت الأسرة السعيدة من غذائها الاستثنائي، استدعى الأب جيشه الصغير لاجتماع طارئ في صالون الضيوف، و على عكس المتوقع رحبت الأم بالفكرة رغم أنها كانت تعتبر الجلوس على “أضلعها” أرحم من انتهاك حرمة الصالون “المقدس”، افتتح الأب الجلسة:
تعرفون لماذا نحن مجتمعون، فقلد من الله علي بعد طول انتظار بمبلغ مالي ما كنا نحلم به، و لأنني أب ديموقراطي، سنتشاور في كيفية صرف هذا المبلغ.
تهللت وجوه الحاضرين و اشرأبت الأعناق متتبعة باهتمام بقية مداخلة الأب:
-نحن يا أبنائي صحراء قاحلة لم تمطر فيها منذ آلاف السنين، لهذا فكل مبلغ لن يكون كافيا، لهذا ركزوا على المهم، كل يعطي اقتراحه حتى نصل لصيغة توافقية، و سأكون أول المبادرين، سأخصص مليونين لكم، أما الخمسة ملايين فسأحج بيها بيت الله حتى ” أغسل عظيماتي” و أزور ذلك المقام الطاهر، و قد تعمد أن يقول المقطع الأخير على مقام حزين، بل و أنزل دمعة من عينيه.
غير أنه لم يجد استجابة من “قلوب الحجر” الجالسين معه، فقادت الزوجة هجوما مضادا:
-بدل حج واحد، لنجعلها عمرتين! أنا أيضا متشوقة لذلك المقام، و إن لم ترد فأعطني نصيبي أشتري به ذهبا أعوض به ذلك الذي بعته و أعطيتك ثمنه عندما كنا نبني المنزل.
تدخل الابن الأكبر بنرفزة:
-آش خاصك ألعريان… حج و عمرة يا مولاي! الحج لمن استطاع إليه سبيلا، و ليس لمن قضي حياته فقيرا معدما، لماذا لا تبني بالسبعة ملايين طابقا ثانيا يأوينا عند زواجنا؟
قاطعه الأخ الثاني:
-قل يأويك عند زواجك أنت!
كادت المعركة تنشب بينهما حتى تدخل الأب مخاطبا المحتج:
-و ما هو اقتراحك أنت؟
-أرى أن آخذ أنا السبعة ملايين أدفعها لشخص و أصبح عميد شرطة، حينها ستصبح سبعة ملايين مجرد دريهمات بالنسبة لعائلتنا، و سأرسلكما معا للحج و سأبني طابقا لأخي يتزوج فيه!
قاطعه الأخ الثالث:
-و لماذا لا أذهب بالسبعة ملايين إلى الطاليان، فهناك عقد عمل يباع، و من حسن الطالع و مباركة الأقدار أن قيمته سبعة ملايين،و بمجرد وصولي سأبعث ما يحقق أحلامكم جميعا، ثقوا بي!
تدخلت الفتاة أخيرا:
حق المرأة مهضوم دائما، نسيتم أن زفافي بعد أشهر، و أن سبعة ملايين تكفي بالكاد لإقامة عرس متوسط في قاعة أفراح متوسطة!
اشتد النقاش، و لم ينتبه الأولاد لأبيهم و قد سقط مغمى عليه بسبب نوبة سكر حادة، و عندما كان الأب بين الحياة و الموت في غرفة العناية المركزة، قالت الأم لأبنائها:
-عاجبكم الحال دابا؟ سيكلف علاجه أكثر من سبعة ملايين، هذا إن لم يمت!
همس أحدهم:
– إن مات فالأعمار بيد الله، لكن مسطرة استرجاع أموال الميت معقدة جدا في البنك.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع