أخر تحديث : الأربعاء 30 ديسمبر 2015 - 12:25 صباحًا

الأحياء الأموات

عادل البدوي | بتاريخ 30 ديسمبر, 2015 | قراءة

badaoui

تحت حائط متداع في الحي المهجور جلس اثنان من “الأحياء الأموات” يتابعان الرقصة الجماعية التي يؤديها رفاقهم، أحدهما في حالة سكر متقدم، بينما الأخر ملتح، و علامات التدين ظاهرة عليه .
الملتحي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ألم يجد هؤلاء العصاة الملاعين من وسيلة للاحتفال غير الرقص؟
ينظر إليه السكير باحتقار و يقول:
-ألا يكفيك ما نغصت علينا من حياتنا و أنت حي؟ حتى و أنت نصف ميت لا تزال واعضا مقرفا؟ نحن في الوقت الضائع يا شقي، عداد الحسنات و السيئات قد توقف، فانعم ببقية متع حياة نحن مغادروها.
الملتحي: و بماذا يحتفلون؟
السكير: ألا ترى؟ كلموا قصدوا المدينة عادوا أوفر عددا و أكثر شبعا! الطرائد كثيرة و الخير عميم، فلماذا لا يحتفلون؟
الملتحي: سبحان الله، أستغرب كيف تتغلب جثث متثاقلة على أحياء أصحاء.
السكير: إنه الخوف يا صديقي.. إنه الخوف! عندما يستولي عليك يتسلل الوهن إلى مفاصلك، حتى حواسك تتعطل، فلا تفكر إلا في الفرار!
يتوقف الراقصون ثم يقول زعيمهم: ألا تحسون ببعض الضجر؟ نقضي أيامنا و ليالينا في هذا الحي الخرب المهجور، لا تسلية لنا سوى مطاردة الأحياء و النيل منهم و ضمهم إلى صفوفنا، هل لأحدكم اقتراح يبهج حياتنا و يجعل أوقاتنا أحلى و أجمل؟
يجيب أصغرهم:
-كرة القدم! معشوقة الجميع و معبودة الملايين، ما رأيكم أن ننظم دوريا في كرة القدم؟
ينظر إليه رفاقه باشمئزاز، ثم يقول الزعيم: ألم تكتف بتمضية حياتك على مدرجات الملاعب و على كراسي المقاهي تتابع اللعبة التافهة؟ هل نهدر قوانا الضعيفة أصلا في الجري على كرة؟ تبا لك و لاقتراحك! هل من آخر؟
يجيب الفيلسوف:
– ما رأيكم أن تنظيم أمسياء شعرية، و ندوات فكرية و فلسفية، تتخللها معارض فنية و مسابقات في جمع الطوابع البريدية؟
يضحك الجمع، فيقول السكير:
-إذا كان الأحياء قد هجروا الثقافة، فكيف لجيف سائرة أن تتعلق بها. كم أنا واهم يا صديقي!
يقول “المتملق”:
-ما رأيكم في أن ننظم انتخابات؟
يجيب الزعيم:
-اقتراح رائع! الانتخابات لعبة مسلية لدرجة أن البعض يمضي حياته في لعبها دون حتى أن ينجح! الانتخابات هي من تجعل النكرات أعلاما، و سفلة القوم مسؤولين، فلننظم انتخابات!
الفسلسوف: انتخابات جماعية أم برلمانية؟
الزعيم: بل رئاسية و أنا أعلن ترشحي إليها من الآن، صحيح أنني رئيس فعلي و أبدي لكم، لكن لا بأس ببعض الشرعية!
المتملق: و نعم الإختيار أيها الكبير، أنت لها و هي لك!
تنطق الأنثى : و أنا أعلن ترشيحي في إطار المناصفة و المساواة بين الجنسين!
السكير: عشت حياتك مستكينة راضية بالتبعية، و تريدين أن تكوني ثورية هنا؟
الزعيم: الدستور الذي لم نكتبه بعد يسمح لها بالمشاركة، لا بأس ببعض المنافسة الناعمة، فالنساء هن ملح الانتخابات و عطر الصناديق!
ينظر إلى الجمع ثم يواصل:
هل فيكم من يرى نفسه جديرا بمنافسة الزعيم و هذه الحلوة؟
ينظر الحاضرون إلى بعضهم في خوف، فيسارع المتملق ليقول: حاشاك يا سيد القوم حاشاك! هل ترتفع العين عن الحاجب؟
يسكت الجمع في استسلام، فيقول السكير: حتى الموت لم يحرركم من خنوعكم! تبا لكم أيها الحقراء! هل تجري العبودية في دمائكم؟ هل تخيفكم هذه الفزاعة المسماة “زعيم”؟
المتملق:كيف تتجرأ على سيدك أيها المجنون ؟
السكير: أنا لا أكلمك! من أنت لأكلمك؟ أنت غير موجود أصلا أيها الدون!
الزعيم ضاحكا: عجبا! العربيد تحول لمصلح و واعض!
السكير: أن أكون سكيرا أشرف لي من أن أكون فاسدا متسلطا، حين أسكر أنا لا أوذي إلا نفسي، أما أنت فلا أحد يفلت من أذاك، حتى أنت لا تفلت من أذى نفسك!
الزعيم: لم لا تتقدم للانتخابات حتى تعرف حجمك الحقيقي يا دودة الشراب!
السكير: قمت بأشياء مريعة في حياتي، و مستعد للقيام بأخرى، لكن ليس إلى درجة الغوص في مسننقع الانتخابات الموبوء!
الزعيم: قل إنك خائف!
السكير: ابحث عن غيري، فلعبكم لا يتهويني!
الملتحي: أنا أعلن ترشحي، فالتيار الإسلامي هو بركة الانتخابات!
الفيلسوف:لا يمكن للمثقف إلا أن يتحد مع القضايا الكبرى لمجتمعه، و عليه أعلن ترشيحي!
المتملق: أما أنا فأعلن مبايعتي للزعيم!
يضحك الزعيم، يقول:
-جميل هذا السيرك الانتخابي، حسنا! ليتقدم كل منكم بعرض رمزه الانتخابي، على أن يكون عضوا بشريا، و بالبداية طبعا بزهرتنا!
الأنثى: لا يليق بأنثى رمز غير القلب، موطن الاحساس و مركز المشاعر! غير أنني لن أختار القلب التافه الذي يرسمه المراهقون الأحياء على رسائلهم و يشكلونه بأصابعهم! بل قلب حقيقي مضجر بالدماء بارز الشرايين!
الفيلسوف: أما أنا فسأختار رمز الحقيقة!
ألمتملق:لكن الحقيقة ليست عضوا بشريا!
الفيلسوف: الحقيقة تختص بالعقل، و العقل يستوطن الدماغ، و الدماغ بشري. إذن الحقيقة بشرية!
الملتحي: أما أنا فأختار رمز الفؤاد، و لا أريد أن أسمع أن الفؤاد ليس بشريا! طبعا أيها الجهلة لا تعرفون كم ذكر الفؤاد في الكتاب و السنة!
الزعيم: أخذتم كل شيء! تبا لكم كم تستغلون كرمي. حسنا، سأختار القوة! قوة العضلات و قوة النفوذ و قوة السطوة، هي وحدها تليق بي.
يصمت قليلا ثم يقول:
أما الآن فليتقدم كل مترشح لعرض برنامجه الانتخابي، و بالبداية هذه المرة بي، أعدكم إن اخترتموني -و هذا ما ستفعلونه- أن أكون كما عهدتموني، سأكون سيدكم الذي تتشرفون أن يكون سيدكم، ستدورون في فلكي، و لكم الحظوة في افتراس الجيف التي أعيفها، و سأمنحكم شرف الانتماء لي و طاعتي! و تذكروا ماذا وقع نتيجة تنحية العظماء أمثالي عن الحكم، تذكروا روما المحروقة، تذكروا ليبيا القذافي..
الأنثى: إن نجحت، سأشكل مندوبية سامية للياسمين، و وزارة للعطور!
الصغير ساخرا: لا تنسي المكتب الشريف “للعكر و الكحل”!
تواصل الأنثى: لا بد من لمسة أنوثة! أنتم الرجال لا تستطيعون إدارة بيت إن غابت الزوجة، فكيف تسيرون بلدا؟
الملتحي: أما أنا فسأخلصكم من أنفسكم، لا حاكمية لكم! من أنتم لتحكموا أنفسك؟ سنعيش عيش السلف، فالديمقراطية كفر و الحرية تلف! ستكونون كما أريد لكم أن تكونوا!
الفيلسوف: الحتمية تقول أن كل ما حدث و يحدث في الكون بما في ذلك ادراك الانسان و تصرفاته خاضع لتسلسل منطقي سببي و معد سلفا ضمن سلسلة غير منقطعة من الحوادث التي يؤدي بعضها إلى بعض وفق قوانين محددة، و عليه انتخبوني!
الصغير:
-هاد الشي مجهد الرفيق!
يحتدم الجدال بين المترشحين،
يقول السكير:
-جربنا في حياتنا السابقة الجميع، الليبيراليون و الاشتراكيون، تجار المخدرات و تجار الدين! المثقفون و الجهلة! الطغاة و الحالمون! لا يمكن أن نغادر حياة الآدميين دون التخلص من حماقاتهم!
يخرج دمية رثة من جيبه و يقول:
-ما رأيكم في أن نرشح دميتي؟
الزعيم:
-هل تسخر منا؟
السكير:
-أبدا! أنظر.. دميتي تضحك.. إنها تبستم.. و ماذا يفعل السياسيون غير الابتسام في وجوهكم الضحك عليكم؟
الانثى: كيف لدمية جماد أن تحكم…
السكير: أكمليها.. أن تحكم جيفا بدون روح! نحن أقل شأنا من الجماد.
المتملق: لكننا نحتفظ ببعض صفات الإنسان
السكير: لم يبق منا من صفات الإنسان غير الوحشية، طبعا أنت تحتفظ بصفات الخنوع و التملق و التحسريف!
الملتحي: تحكمنا دمية صنم؟ تبا لك أيها المارق الملعون.
السكير: أنت بعدا سكوت! نسيتي ملي كنتي كتجي تسلف من عندي الأشرطة ديال.. نقول أولا؟
الفيلسوف: صحيح أن السريالية، أو الفوق واقعية تهدف إلى التعبير بالعقل الباطن بصورة يعوزها النظام و المنطق، و لكن ليس إلى درجة انتخاب دمية!
السكير: و بدل غير تقاشرك عاد بدل النظام و المنطق!
الزعيم: يمكن أن أتنازل عن الحكم لدمية إن فازت في الانتخابات، فالحكم من خلف ستار أكثر أمانا و أقل جلبا للمصاعب من الحكم المباشر، لكن قبل الانتخابات، نحتاج إلى مصوتين، من أين لنا بالناخبين؟
ينظر لجمهور القاعة و يبسم، و يقول:
-ألا تشعرون ببعض الجوع؟
ينظر الجميع إلى الجمهور!
الفيلسوف: أرى وجوها نيرة صقلتها الثقافة، و أشتم لحما معطرا بالشعر و الموسيقى!
السكير: و ضروري نلقا شي صاحبي هنا! السكايرية عطاهم الله!
الأنثى: عطر أنثوي في القاعة يسحرني، و أود تذوق صاحبته!
المتدين: أشتم رائحة دم مبارك بالحبة السوداء و بول البعير!
الزعيم: هم لكم ! شهية طيبة!

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع