أخر تحديث : الأربعاء 13 يناير 2016 - 8:30 مساءً

يوم في الرباط

جمال عتو | بتاريخ 13 يناير, 2016 | قراءة

jamal_atto

الساعة تشير الى الثانية عشرة والنصف زوالا،الجو ساخن لكن يوحى اليك من ألبسة الناس أن الصبح كان باردا، الرباط العاصمة الادارية للمملكة كعادتها تموج بالراكبين والراجلين ، أخذنا مجلسنا في مقهى مقابلة للبرلمان، لننال قسطا من الراحة بعد سفر على متن سيارة من مدينة القصر الكبير، جاءتنا نادلة بابتسامة وقد بدا “مكياجها” في الاندثار من فرط خدماتها للزبائن،ناديت على معشوقتي السمراء القهوة السوداء،سرت النشوة السحرية في أحشائي بعد ارتشافي لجرعات متفرقة،استأذن رجل معاق بالجلوس على كرسي بجانبنا في أدب جم،كان يعتمر قبعة الفنانين ويرتدي معطفا طويلا، نادى على الشاي وأشعل سيجارة بمصفاة من النوع الرفيع ومن خلال نظارته الطبية أخذ ينظر الينا ويسترق السمع، وقف أمامنا شاب معاق من يده يبيع مناديل النظافة، نهره الرجل وبلهجة قاسية حفزه على العمل،عقب عليه الشاب أنه لا يستطبع وختم كلامه بسب والدي الرجل وأصله وجذره وثقافته،في الجهة الأخرى كان رجلان أمازيغيان يتحدثان في موضوع سياسي محض، فهمت ذلك من خلال كلمات متفرقة :….أساتذة..بن كيران .. البرلمان.. الوزارة.. الداخلية.. العصا…، وقفت سيارة فمد السائق لعاملين ملصقا كبيرا مكتوب عليه “الرباط العاصمة الثقافية” وأمرهما بوضعه في مكان موسوم،التفت الى صديقي مخاطبا: ” الرباط سيزف اليه ضرة أخرى بعد السياسة والادارة”.
كانت الجموع تخرج من كل فج لتلتقي أمام البرلمان، فاليوم ثاني عشر يناير موعد الوقفة الوطنية لمركزيات نقابية تنديدا ورفضا لاجرءات حكومية.
الثالثة مساء بدأت التظاهرة،قيادات نقابية وكوادر ومسؤولون وأعضاء ومتعاطفون يرفعون أصواتهم بشعارات تهز محيط المكان الشاسع،حمام المتنزه المقابل للبرلمان هاجر لوجهة مجهولة احتراما للضيوف، على شرفة البناية المحادية لمؤسسة التشريع المغربي تراص صحفيون لالتقاط صور المتظاهرين، سمعت صراخا عاليا ورائي فجأة، استدرت لأجد رجلا ستينيا أمام كاميرا محمول يرغد ويزبد وينال من الحكومة واجراءاتها وسياساتها ومن الأيادي التي تمس الصندوق الوطني للتقاعد، يضرب على رأسه لعنف ويدك برجليه الأرض كأن جذبة أخذته كل مأخذ، ختم الرجل بعد طول كلام بقوله : “…اما أن يتركونا نعيش بكرامة أو نموت واقفين “، انتهى الرجل وسط تصفيقات المتحلقين، بعدما أخذ نفسا عميقا ومسح على جبينه المتصبب عرقا خاطب صاحب المحمول:” انشر تصريحي في حائطك على الفايسبوك وسأنقله الى حائطي”.
صارت الشعارات تشتد وحجم الوقفة يزداد الى حدود الساعة الخامسة والنصف لتختم ببيان مركزي واحد.
غادرنا المكان ولا حديث الا على رئيس الحكومة والأساتذة المتدربين والتقاعد والحكومة المقبلة والبرلمان والنقابات.
قادنا الجوع للبحث عما يسد رمقنا، مؤونة المطاعم المحيطة نفذت،توجهت مع صديق الى “باب الأحد”، الناس في عالم آخر يكدون جريا وراء لقمة العيش،استوينا على كرسيي أول مطعم لمحناه، لم يكن همنا ما سنأكل، كان رجل أسمر منشغلا بطلبات الرواد الواقفين وأمامه رؤوس الخرفان “مبخرين”،ازدردنا وجبتينا بانتشاء بالغ، في طريقنا الى مقهى لنلتقي أصدقاء آخرين خاطبني مرافقي :” لحم لذيذ أكثر من العادة، هل تمعنت أنه رأس خروف أم مخلوق آخر ؟ “،أجبته وقد تعالت ضحكاتنا:” ولو كان رأس حمار فالجوع سيجعله لذيذا “.
امتلأت المقاهي مجددا، فالرباط مدينة الجديد والمتجدد، كانت جرائد ليوم الغد تملأ جنبات الأرصفة، استرحنا في مقهى بالكاد، أخذنا قهواتنا لننطلق على متن سيارتنا الى مدينة القنيطرة لتناول وجبة العشاء ثم الى حاضرتنا الوديعة القصر الكبير، تاركين وراءنا عاصمة تتنفس السياسة.

أوسمة : ,

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع