أخر تحديث : الأحد 17 يناير 2016 - 8:03 مساءً

يوميات مدرس في الأرياف

منعم المودن | بتاريخ 17 يناير, 2016 | قراءة

MOUNAIM

لم يكن من ذلك بُد….نعم لقد قتلته بدم بارد…لم يطْرف لي جفن، غرزت البُرْغِي في عنقه و بقوة قد تُعْتَبَرُ غير متناسبة….
كانت عداوته لي مُسْتَحْكِمَةً لا لذنب اجْتَرَحْتُهُ أو جريرة ارتكبتها في حقه…عداوة مجانية، اعتاد وعُصْبته التنَمرَ على كل أستاذ يقيم هنا، لم يسبق لي أن واجهت كل هاته الوقاحة عندما كنت أقيم في (أغرسيف) في أعلى قمة في جبال الريف، أظن أن الثلج هو من عصمني من كل هذا…
كان الهالك ذو الشارب الرمادي الخفيف، ذا جسم رياضي مرن، باستطاعته اقتحام مأواي دونما عناء، عند عودتي بعد انصرام عطلات نهاية الأسبوع كنت أعثر على قشور فواكه جافة، و شظايا كؤوسي مكسورةً، كانوا يعربدون فوق مائدتي، كان بإمكاني أيضا أن أشم بقايا رائحة الرذيلة المرتكبة على فراشي….
هل يُعقل أن يقتحم أحد مسكنك لقضاء حاجته في صحونك؟ كان باب المرحاض مُنْقَادًا…بلا قفل ولا رِتَاج مع ذلك كان يَلِذ لَهُ نَثْرُ مُرَكبَات بوْلِهِ النيتروجينية لتدمير حاجياتي، حِمْض البوليك لإخراج جهاز التحكم في التلفاز من الخدمة، الكرياتينين للإجهاز على برنامج عملي…فتحتُ يوما مذكرتي اليومية فاشتكى لي “ألف” من “همزة” كانت ملقاة على السطر فأضحت تُثْقِلُ كاهله بحملها بعدما وقعت من عنوان درس، “ضاد” ركل حين انزلاقه نقطة “فاء” كانت زميلة له في كلمة فانضافت إلى “باء” فمُسخت “ياء” أضحت تفاخر “طاء” وتنعتها بوحيدة القرن، اِسْتَعَرَتْ نار الحقد بين الشكل و الإملاء، أخذ الصرف ِبتَلَابِيبِ التحويل…
ما الذي كان في يدي؟ انقطع الإرسال الرقمي عن شاشة تلفازي، جهِدتُ كثيرا قبل أن أكتشف السبب…لقد قام ذو الشارب الرمادي بقطع الكابل بأداة حادة، لابد أنه كان مختبئا في الخندق الذي يحيط المدرسة من جهة الشرق يستمتع بإغاظتي..
لم يترك لي خيارا… كان داهية ألمعيا أكبر من أن يُنْصب له شَرَك، حتى في المرات القليلة التي رمقته فيها كان يهرع إلى شجيرات الدفل المصطفة على جانبي الخندق ليتوارى خلفها وفي أثره رهْط من عصابته.
في ليلة المواجهة، أطفأت النور، تركت الباب موارِباً، وتظاهرت بالنوم…لم يمر كثير وقت حتى بدأت أسمع وقع خطوات تقترب، دخل المُتَنَمرُ وتبعَتْهُ زمرته، اختبأوا في الغرفة الصغيرة حيث أضع ملابسي وأحذيتي، بقفزة كنغر أغلقت الباب وشغلت مصباح هاتفي…صِحت في المُعْتَدِين بصوت مجلجل: أيها الأوغاد إن العين التي شاهَدَتْ وجه الموت لا تذعرها وجوه اللصوص…
كانت خطتي تقضي بالتركيز على الزعيم أولا…طاردته عبر مرافق البيت من الغرفة الصغيرة مرورا بالمطبخ إلى تحت السرير…هناك وَجَدَ ثُقْبا ظنه سالكا…دخله لكنه اصطدم بجدار الخيبة…بضربة واحدة من البُرْغِي الذي كنت أحتفظ به تحت وسادتي أخرجته من معادلة الوجود، انبريت بعدها لِلقضاء على فُلُولِ النظام المُطاح به…تناولت المكنسة ووقفت عند الباب، تعمدت إحداث جلبة عالية بالضرب على الباب والصياح بأصوات مختلفة…كنت أعلم يقينا أنهم في حمأة الرعب سيقصدون المخرج/المقصلة …
أنا القاتل أعلاه المُوَقعُ بالدم أَدْناه….أُعْلِنُ خُلُو مَسْكَني الوظيفي من الجرذان.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع