أخر تحديث : الثلاثاء 9 فبراير 2016 - 9:16 مساءً

با الشتواني

جمال عتو | بتاريخ 9 فبراير, 2016 | قراءة

jamal_atto

ما أن تتوفر في جيبي بعض الدراهم حتى أطلق ساقي للريح صوب المعلم “با الشتواني” لكراء دراجة هوائية، أقف منتظرا دوري كالعادة، فقلما أجد واحدة على الحائط في انتظاري وقد شدت عجلتها بمخطف مثبت، كنت آخذ مكاني في طابور وأنا أستحضر في ذهني طرق المدينة ومنعرجات دروبها التي سأجوبها باستمتاع، وأختار الصديق الذي سينال عطفي فأركبه على الكرسي الخلفي في رحلة مشوقة وكأني ربان طيارة.
في مساء مختلف، بعد أن جادت أريحية ضيف نزل ببيتنا بدرهمين جزاء اجتيازي لامتحان الشهادة بنجاح، تراءت لي مباشرة سينما السويقة ودراجة ” الشتواني “، خبأت درهما تحت وسادة واحتفظت بالآخر، لبست سروالا قصيرا وانتعلت حذاء رياضيا “الباهية”، عرجت على صديقي الجيلالي الذي صاحبني دون تردد وانطلقنا معا الى صاحب الدراجات الهوائية.
كان يوم جمعة، الدراجات كلها خارج المحل،طلبات الزبائن في ازدياد، و”الشتواني” يرغد ويزبد وقد شمر على ساعديه ،ينظر الى الساعة الحائطية المتسخة ويتصفح الجدول الزمني على سبورة كئيبة مخاطبا نفسه: – ” ولد عبد الرحمان، تأخر المسخوط كعادته،لن أعطيه الدراجة بعد اليوم ..المعيليكة والدراز أيضا صارا يقلدان المتأخرين…”. مر الزمن بطيئا، الدراجات الهوائية تتقاطر متثاقلة وعلى مثنها أشخاص قد نالهم التعب الممزوج بالحبور،ناولني “السيكليست” أخيرا واحدة وحدد لي وقت ارجاعها بصرامة، غمزت صديقي، فتنحى مسرعا الى الشارع العام.
من ضريح مولاي علي بوغالب كانت الانطلاقة،سقت الدراجة وصديقي الجيلالي لم يحل له في ذلك اليوم السعيد الا أن يركب ورائي واقفا، فتح ذراعيه للريح وشرع في ترديد أغاني من الفيلم الهندي الأثير ” الصداقة” لأميتاب باتشان،كان جسده بالقصر الكبير ومهجته بالهند، جبنا بعض الشوارع العريضة وصديقي لا يمل من رفع صوته عاليا، أخذته جذبة فصار يرقص بشدة وبينما التويت لألج “زنقة الدبان” اختل توازننا فاصطدمت الدراجة بجدار وسقطنا معا كبضاعة من على ظهر بعير، استفقت من صدمتي على واقع كئيب: عجلة الدراجة الأمامية اعوجت ومصباحها تكسر، ظهري يؤلمني بشدة ونزيف دم من رأس الجيلالي الأصلع، انتصب طيف “الشتواني ” أمامي بوجهه الصارم وغضبه الحانق ، تمتمت : – ” وا مصيبة هادي ألمسخوط ” ، وهرعت إلى بقال لأجلب بضعا من “الفلفل الأحمر”، وضعتها على جرح الجيلالي الغائر، فلم يتوقف النزيف وكأنه متدفق من صنبور، استعنت بإحدى جواربي المزكومة برائحة “الباهية” واستعملتها ضمادة تفي بالغرض، نسي الجيلالي الأغاني وشرع يئن من ألم الضربة الموجعة. اتجهنا ونحن نجر الدراجة بخطوات محتشمة الى “المعلم با الرباطي” ليعالج الوضع ما أمكن ، تعاطف معنا الرجل النبيل، أوصيت صديقي ألا يرتكب حماقة أخرى وأسرعت الى بيتنا لجلب الدرهم الآخر مقابل اصلاح العجلة، تجاهلنا موضوع المصباح المكسر لكيلا يفسد ما بقي لنا من وقت متعتنا، امتطينا الدراجة، كانت من حين لآخر تحملنا كحمار أعرج، أذعن الصديق للوضع الجديد، جلس ورائي وطوقني من الخلف بذراعين كادا أن يحبسا أنفاسي، طلبت منه ترديد احدى أغانيه الهندية الفريدة فسرع يردد : – ” راسي يا راسي وماداز عليك وباقي ، آش ها تعمل أصحايبي مع با الشتواني”.
لم تسعفنا الدراجة لنزور الواد الجديد، اكتفينا بجولة بطيئة في سيدي بلعباس ليستقبلنا أبناء الحي استقبال الكرماء: حجارة مسنونة، وطماطم فاسدة. وكأن السماء فتحت علينا أبوابا جهنم في ذلك المساء الأغر، وفي الأخير قفلنا عائدين إلى قدرنا المحتوم. ما أن اقتربنا من ” السيكليست ” حتى قفز الجيلالي من ورائي كالقط وفر بعدما رأى “المعلم الشتواني” يتمعننا من بعيد، نزلت وترجلت وقد استجمعت همتي وغطيت مقدمة الدراجة بمعطفي، ناولتها لرجل كان ينتظر دوره، وأطلقت ساقي للريح من غير وجهة.
اعتكفنا أياما بحينا لا نبرحه هربا من حنق “المعلم الشتواني”، ولم ندر حينها هل تخلى عن ملاحقتنا وأصلح المصباح، أم أن مكتري الدراجة ـ ضحيتي ـ قد وقع في الفخ.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع