أخر تحديث : الخميس 25 فبراير 2016 - 11:10 مساءً

“تشيباطو”

عبد الواحد الزفري | بتاريخ 25 فبراير, 2016 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_zefri_abdoo

على رائحة “الكسكس” المنبعثة من منازل حي “سوق الصغير” يخرج المصلون يوم الجمعة من بوابة “الجامع الكبير” وقد اصطف على جنباته حشد من فقراء وقفوا يستعرضون عاهاتهم: هذا مبتور اليد وآخر مقطوع الرجل… كل يحصل على ما كتبه الله له حسب مؤهلاته وطريقته في الاستجداء والاستعطاف، ضرير يذكر المؤمنين بنعمة البصر، وأبكم يصرخ رافعا يديه إلى السماء، لا ندري إن كان يدعو لهم أو يدعو عليهم، كل واحد منهم كان يعرض سلعة لا يرغب أحد في شرائها.
يخرج المصلون كطيور بيضاء تحمل فوق رؤوسها “خفي حنين” دخلوا كما خرجوا يتثاءبون ويتمايلون بعد أن نسوا كل مواعظ الخطيب وملوا من تغيير أوضاع جلساتهم على حصير لم تألفها دبورهم خارج المسجد.
ـ- ما كان الإمام مقنعا هذه الجمعة.
هذا ما قاله أحدهم لصاحبه فرد عليه:
– ما حدثنا عن عذاب القبر ولا هول لنا نار جهنم ولا حثنا على الصدقة!
مبررات استنجدوا بها لاعتقال قطع نقدية وضعوها في جيوب سراويلهم العربية قبل مجيئهم إلى “الجامع الكبير”، محج كل الأعيان والفقراء.
فيقول أحد العميان لمرافقه بعد أن استظهر كل تواشيح الاستجداء حتى بح صوته:
– هذه حال الدنيا، جمعة تصيب وأخرى تخيب.
لكن ما مر مصلون يوم جمعة صراط المتسولين إلا ووجدوا أمامهم” تشيباطو” ينتظرهم فوق عتبة المدرسة “الأهلية” كأنه يقف على منبر المسجد الأعظم يعد الجميع بعذاب القبر، يسب وينتقد كل المصلين بلا استثناء مستهلا هجومه بلازمته المعروفة:
ـ أيها المنافقون، كلكم خونة.
كان يسرد بلا توقف كل الخيانات التي عرفها تاريخ الإنسانية، شفاعته في ذلك أنه كان يملك حقائق لم يدونها المؤرخون خوفا أو طمعا، جملة بالعربية وأخرى بالإسبانية التي تعلمها أثناء مشاركته في الحرب “الفرنكاوية” التي سيق إليها قسرا.
كان “تشيباطو” هجاء بامتياز ما مدح أحدا طمعا في مكافأة ولا مد يده طلبا لصدقة، بل كان يمسك في خناق أحد الأغنياء ليكشف عن سر ثروته غير المشروعة لا يعرف المجاملة ولا تعرفه.
ـ” بطون الحرام لا يشفع فيها إمام “.
وقد يضرب أحدا بريئا لا ناقة له ولا جمل فيما حدث:
ـ يا كلب أيها المخبر.
اختلط على “تشيباطو” الحابل بالنابل لم يميز بين الخونة والشرفاء، فلم يكن كل الناس خونة ولم يكونوا كلهم شرفاء، لكنه كان يضع الكل في سلة واحدة ويطلق العنان لثورته التي لا تنتهي إلا بخلوده للنوم، تجرأت على اقتحام عالمه، بعد أن أبدى “تشيباطو” هدوء لم أعهده فيه من قبل فتلعثمت وأنا أسأله:
ـ لما أنت دائم الغضب؟!
كشف لي عن صدره وظهره، مشيرا إلى ندوب طال امتدادها من رأسه حتى خصره، آثار سوط جلاد ما عرف الرحمة أبدا، وأجابني باعتزاز:
ـ لأني لم أصرخ وأنا أتسلم هذه الأوسمة التي تميزني عن الخونة.
“تشيباطو” لم يستفد من نجاحات “فرانكو” ولا حتى من انتصارات المقاومة.
ظل يجري في دروب المدينة، يحارب خيالات جنود مروا من هنا أو هناك، يشارك في معاركه التي ابتدأت بعد انتهاء كل المعارك.
لا أحد من سكان مدينة” القصر الكبير” يعرف مكان الخندق الذي سقط فيه “تشيباطو” شهيدا أو عنوان المقبرة التي دفن فيها.
إن كنت يا بطلي العزيز حيا فهاتفني على الرقم التالي 06 10 44 24 40 أو راسلني على البريد الإلكتروني

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع