أخر تحديث : الأحد 25 سبتمبر 2011 - 1:38 مساءً

“المعلــــــــــــــــــــــــــــــم”

ذ. عبد الواحد الزفري | بتاريخ 25 سبتمبر, 2011 | قراءة

    وضع مرفقيه على حافة “بالكو أطلنتيكو” المطل على شاطئ “رأس الرمل” (بمدينة العرائش)، يتأمل هدوء بحر تخلص من مضايقات مصطافين طالما ركبوا أمواجه وأزعجوا أسماكه ولوثوا مياهه بأزبال (لا تسر الناظرين)، ظلت تسبح على سحنته على امتداد العطلة الصيفية. لحظتها كان البحر ينعم بعطلته الشتوية، وكان عبد السلام يتأمل موجا يحمل زبد حياة: ابتدأت بوفاة والديه في حادثة سير مروعة وهو ابن العاشرة، فكفله أخوه الأكبر الذي كان يتحول إلى طفل صغير أمام جبروت زوجته، التي عانى بدوره (طوال سنوات دراسته) الكثير من تعاليقها النابية:

 

ـ “مرعى وقلة صنعة” “السلعة الناقصة” “ركب الجمل وما عليها حمل”…

    نقمة حملت في طيها نعمة: كانت بمثابة شحنات جعلته يتقدم في دراسته بتفوق يستحيل معه الرسوب في أي مادة مهما كبر أو قل معاملها، حتى جاء اسمه على رأس قائمة الناجحين في شهادة الباكالوريا. وضع نسخة منها في مركز تكوين المعلمين رغبة منه في الحصول على مورد رزق يضمن له استقلاليته ويخلصه من مناخ كتم أنفاسه لسنوات طويلة ببيت أخيه. بعد سنتين تخرج منها وعين في منطقة نائية بجبال الريف.  دخل أستاذنا عبد السلام معترك حياة لم يعشها من قبل: قسم آيل للسقوط تحولت نوافذه وبابه الخشبي وطاولاته وكذا سبورته بقدرة قادر إلى حطب للتدفئة والتخبيز (كأنه الخشب المتبقي بالمنطقة وما جاورها)، قرية على الهامش يعيش أهلها على الكفاف:  

 لا ماء ولا كهرباء، لا شغل ولا مشغلة، خالية على عروشها، وجوه قوم شاحبة جلست فوق الصخر تنتظر الذي يأتي ولا يأتي تنتظر عودة المهدي، نساء تلحن من بعيد تحملن أكوام من الصخر عجزت دوابهن عن حملها.

    حط عبد السلام حقيبته الوحيدة التي تضم ممتلكاته: قميصان وسروالين وبعض الكتب، ألقى بها في حجرته الدراسية في انتظار الحصول على مسكن لا تصدح فيه تهاليل زوجة أخيه التي لا تتقن شيئا إلاها. توجه نحو مسجد القرية، فوجد به فقيها تدلت لحيته (كأن لا وجود لشفرة الحلاقة بهذا المدشر) تتحلق حوله صبية لا تملك من الأدوات المدرسية سوى صلصالا وقطعة خشبية يكتب عليها ما سيمحى فيما بعد، وقبل أن يسأله عن مسكن يأويه قال الفقيه متثائبا:

ـ “اعمل ما عمل جارك أو غير باب دارك”.

    لم يعرف مخاطب الفقيه سبب إعفائه من سؤال كرره على مسامع السكان حتى كاد يغمى عليه:

ـ ماذا تقصد بهذه “الفزورة”؟!

    فأخبره الفقيه المتنور العالم بخبايا الأمور بأن لا فائدة من البحث عن مسكن والاكتفاء بالقسم للتدريس والمبيت، سنة دأب على نهجها من سبقوه للتدريس في هذا القسم اليتيم بالمنطقة.

    تكيف عبد السلام مع هذا الوضع الشاذ، وضع حجابا اشتراه سلفا من السوق الأسبوعي وتأقلم سريعا: شطر القسم شطرين واحدا لحميميته والآخر لطبشورته وسبورته.

    لطيبوبته وأخلاقه العالية أحبه الجميع، تلاميذه يحضرون له ما لا يجعله يحن لخبز زوجة أخيه وقهوتها  كما أنه أصبح ضيفا مرحبا به في جميع الحفلات والمناسبات السارة والحزينة، التي يقيمها سكان المدشر لأنه أصبح  شخصية يتباهى بحضورها الجميع.

    عائلة “أبا أحمد” كانت الأقرب إليه تعامله وكأنه واحد من أفرادها، تحضر له أطباقا متنوعة من الأطعمة الشهية وغير الشهية، على طول فترات اليوم وتغسل ملابسه باستمرار، إلى أن خاطبته ذات يوم زوجة “ابا أحمد” (خالتي حليمة):

ـ متى ستتقدم لخطبة ابنتي الغالية “رحمة”؟

    فأجابها عبد السلام بعد أن احمر وجهه خجلا:

ـ رحمة لازالت صغيرة يا خالتي حليمة!!

ـ ستكبر في حضنك إن شاء الله.

    هكذا أجابته، ولما أخبرها بأنه لا يفكر في الزواج وأن رحمة لازالت تلعب بدميتها القصبية، كان هذا آخر خيط يربطه بهذه العائلة، لأن كرمها كان لغاية في…

    لم تكن هذه القطيعة لتهز شعرة من رأسه، وهو الذي خلق من أجل الصدمات، فانزوى في قسمه وكأنه ناسك متعبد، أوقف جميع أنشطته الاجتماعية وقنن معاملاته مع الناس وانغمس في عزلة أبدية، لا يحدث أحدا واكتفى بالاستماع لمذياعه الصغير (الذي لا يلتقط إلا إذاعة مشوشة البث) خوفا من الدخول في علاقات قد تصدمه من جديد.

    قضى سنوات عجاف على هذه الحال، إلى أن انتقل للعمل في إحدى المدارس القريبة من عمران مدينة “الناضور”، هذه المدينة التي لم يجد صعوبة في التنقل على إسفلتها الناعم وهو الذي تعود تخطي  الصخور والمسالك الوعرة بمهارة قل نظيرها.

    فرح عبد السلام بهذا التحول وخرج من اعتكافه ومعتقله، بعد أن صدر في حقه عفو ما انتظره إطلاقا.

    صار يتنقل بين شوارع وأسواق المدينة، يخاطب من يعرفه ومن لا يعرفه، ثارة بالعربية وأخرى بلهجته الريفية المتقطعة.

     التقى بزميل له أيام مدرسة تكوين المعلمين “عبد الصبور”، فجلسا معا في تلك المقهى التي اخترقت عرض البحر كأنها عاشقة للسباحة، أوكأنها فارة من حرارة الشط.طلبا مشارب لم يكن لها دور سوى تلطيف أجواء الحديث، استعرضا معا ذكريات ولت ووجوها أفلت، و إكراهات التدريس، ابتسامة منه وقهقهة من صديقه، وعند نهاية اللقاء عرض عليه

 عبد الصبور السكن معه في البيت الذي اكتراه، أنسا و مؤانسة، فوافق عبد السلام على الاقتراح الذي تأخر كثيرا.

    حمل رحاله من غرفة فندق “طنجة” المجاور لمحطة الحافلات واستقر مع صديقه في مسكن يقع على هامش المدينة، غرفة واحدة ، مطبخ لا يسعهما معا ومرحاض مشترك مع تلاميذ اكتروا الغرفة المجاورة، أتوا من البادية لمتابعة دراستهم الإعدادية والثانوية (إن شاء الله).

    ترك عبد السلام العنان للحيته التي تدلت حتى غطت تقاسيم وجهه الجميل، خوفا من شباك مدتها بنت مالك البيت (فاطمة) التي كانت تعاكسه على عتبة الباب في الغدو والرواح وهو الذي لم يكن يرغب في أي ارتباط قد يمنعه من الرجوع إلى مدينة “العرائش” ليثبت لزوجة أخيه أنه وإن انهزم في معاركها كلها لم يخسر الحرب بعد، وأنه سيرد لأخيه الأكبر جزاء  جميل ظل يطوق عنقه لسنوات طوال، لكن هذا لم يمنع فاطمة من الإستمرار في محاولاتها للإيقاع به كلما رأته:

ـ خلتك غولا، لقد أفزعتني!

    لم يكن عبد السلام  مستعدا لأي تجربة عاطفية لم يخطط لها سلفا، ففضل الصمت بدل الرد على غواية قد تخرجه من هذا الاطمئنان الذي دخل حياته، لكن عدوى تعاليقها انتقلت إلى أخواتها اللواتي يصغرنها سنا: زهرة، سلوى ومريم، بل حتى صديقه عبد الصبور:

ـ قص هذه اللحية وانسجم مع بنات “سيمحمد” ما بك؟.

    وكأن عبد السلام يعاني من عقد نفسية تحول دونه والتواصل مع الجنس الآخر، الشيء الذي جعله يصرخ في وجه صديقه مثبتا سويته:

ـ أنا لست مريضا كما أنك لا تعرف مرادهن! سأضع الآن حدا لهذه التعاليق.

    فتح النافذة الوحيدة المطلة على ساحة لا توجد فيها لا شجرة ولا بقرة، سوى فاطمة التي كانت تسترق السمع بجوار نافذة المنزل فناداها بلهجة ريفية:

ـ “أراحد أكش سيور”  (تعالى أريد التحدث إليك)

    اقتربت مسرعة، وعلامات الفرح بادية على محياها، كأنها مصارع ثيران أسقط للتو ثورا  عنيدا صمد كثيرا أمام سيوفه الطويلة.

ـ وأخيرا نطقت النافذة، لابد أن نحتفل معا بهذه المناسبة.

    ثم أسرعت نحو البيت وأحضرت شايا وحلويات، وزغردت أختها زهرة وخيل لعبد السلام أنه عريس يزف ليلة دخلته، هكذا فتحت نافذة كانت مغلقة بإحكام.

    صارت فاطمة تتسلل ليلا من بوابة المرآب الخلفي لتطفئ نور مسكن عبد السلام ونار رغبة متقدة ،فكان بدوره يخرج إلى المرآب لتفقد العطب، ليجدها وقد ارتدت منامة حريرية لا غير. تقترب منه وتضع نهديها على صدر لم يحضن أنثى أبدا. فتبدأ لعبة المداعبة والقبل الحارة وممارسات جنسية تستمر حتى وقت متأخر من الليل.

    أصبح إطفاء النور على مرقد عبد السلام، إشارة لتعطشها للقاء ساخن. ما همدت نارها بل ازداد تعطشها أكثر فأكثر للتلذذ بطعم العناق على الهوى حتى يترفق ساعده فيطويها…

     في ليلة لم تكن كباقي الليالي، وبينما هما معا في ذروة النشوة:عيناه في عينيها شفتاه في شفتيها رجلاه بين رجليها وأشياء في أشياء أخرى ، فوجئا بأختها زهرة تتأوه وهي تتابع تفاصيل شريط محظور، مما دفعهما للارتباك والتظاهر بمحاولة إصلاح عطب كهربائي لم يكن له وجود، لكن زهرة تلك المارد لم تكن لتنطلي عليها حيل حتى ولو حبكها إبليس بنفسه، وقالت وهي تغادر مكانا فاحت منه رائحة العشق كرائحة اللحم المشوي:

ـ لقد تابعت الشريط منذ بدايته.

    كان عبد السلام ينشر ملابسه على السطح لما دنت منه زهرة، بعد أن تجملت وارتدت ملابس خفيفة تغوي الزهاد وتسبي العقول: نهدان كالأهرامات انتصبا وخصر كخصر عروس البحر قد تموج…

    جذبته إليها بعنف وصفعته بقوة كجلاد تريد  نزع  اعتراف منه بأنوثتها التي لا تساوم، ورغبتها الشبقية التي لا تقاوم.

    كذئبة اقتربت منه وهي تشتمم جسدا تفوح منه رائحة الفحولة الشهية، وانطلق تحوم حول جسده المفتول و تتلذذ بتمرير لسانها الناعم على مناطق حساسة من جسده وبآهاتها وعطرها الزكي أشعلت كل شرارات العشق في خلاياه. تدفق الدم غزيرا في كل عروقه الدقيقة وانفجر البركان النائم في أعماقه، فتحول رفضه إلى قبول بلا قيد أو شرط، وإدباره إلى هجوم كاسح، وبدأ يقلدها بكل ما تقوم به على جسده على جسدها، كتلميذ يكرر ما تقوم به هذه الأستاذة الماهرة في تلقين دروس العشق والهوى، إلى أن أصبح التلميذ أستاذا يعلمها أحدث الطرق في “بيداغوجية” العشق والهوى، فأعطاها دروسا في الفحولة جعلتها تعترف بكفاءته، وتصدر أنينا كاد أن يصل إلى مسامع جيران الجيران ، لولا أنه كان يسكتها بقبلات كاتمة للصوت.

    أصبح عبد السلام كثيرا الغسيل واستهلك مئات العلب من مسحوق الصابون، يغسل بها أثوابه و أثواب من وقفت تنتظره بلهفة على باب السطح بلباس سيتسخ لا محالة حتى أصبح “دون جوانا” مدمنا على امتصاص رحيق هذه الوردة التي أشبعت شهيته وسلبته لبه وأفرغته من كل محتواه .

    كانت تلك اللعوب تأتي كل يوم بفنون جديدة وبوضعيات فريدة لا توجد في الكتب الصفراء التي تزعم الإلمام بكل حالات الوصال ووضعياته بالتمام والكمال: فقد كانت تتسلل ليلا خفية من أهلها للاستفادة من دروس الجنس التي تنقلها إحدى الفضائيات الماجنة المتخصصة في آخر فنون المداعبة وصيحات الوصال .

    لم تكن أختها فاطمة لتطور من أسلوبها ونمطها الروتيني في المضاجعة فصار لقاؤهما كواجب روتيني يذهب إليه متثائبا، بعد أن أعيته انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي، الذي صار يزعجه كثيرا وهو يحضر درس الغد، فكم من مرة ترك درس الغد إلى الغد وترك إصلاح عطب الكهرباء للكهربائي، ونام ليستيقظ صباحا قبل الطير الصداح، يلملم ملابسه وملابس صديقه، لا يهم إن كانت متسخة أم لم تلبس بعد، وينطلق بها صاعدا كالصاروخ نحو السطح للتمتع والتلذذ بأطباق من الجنس الرفيع .

    لم يكن ليكفيه فطور الصباح الدسم، بل تطوع أمام والديها لإعطائها دروسا في الإنجليزية، وهو الذي لم يعد يعرف عن هذه اللغة إلا الشيء القليل، حتى أختها لم تعارض  هذا الاقتراح خوفا من إفشاء سرها المكنون أمام والديها، اللذان لن يرحما أحدا إذا مس شرفهما، هكذا كان اقتناعها وهكذا كان الأمر.

    عاش عبد السلام مغامرات وإشباعا جنسيا لم يكن بحاجة للبحث عنه خارج أسوار المنزل الذي لا يدفع سوى نصف استئجاره، حتى أنه لم يعد يقوى على الاثنتين، فخص زهرة باهتمام مفرط وأخل بواجباته ككهربائي، ولم يعد يصلح أعطاب أسلاك فاطمة، فكادت له كيدا وقضت قميصه من الخلف،نصبت له شرك فأخرجته مدلولا مكسر الكرامة، ردا لاعتبار جسدها المكتنز الذي تعتز بخيرات غاباته و جمال هضابه ، كيف لا تنجح في مهمتها؟ وهي من سلالة من أخرجت آدم من الجنة.

    أوحت لوالدها بطريقتها الخاصة بسر أختها، ففضل هو الآخر كتمانه، بعد أن أطال النظر في وجوه بناته اللواتي قد تلوك سمعتهن الألسن، المستعدة للتشهير به في أي وقت وأي مكان و لن يصاهره أحد، فتبقى سلعته بائرة في عنقه إلى الأبد.

    ضغط بقوة على ذراع عبد السلام وقذفه خارج البيت، ألقى كل ملابسه وحاجياته خارج منزله الذي أسكنه فيه طمعا في تحسين دخله، فصار الخسارة أكثر من الأرباح. بأية حال من الأحوال لن يتقبل الأب ولا الأم هذه الصدمة، التي ستغير لا محالة كل تقاليد الأسرة وطبائعها.

    وقف عبد السلام يجمع شتات ملابس ألقيت كما تلقى فضلات لم يتكلف ملقيها عناء وضعها في أكياس من “البلاستيك”، على باب المنزل ودع صديقا ظل مبهورا لما يحدث أمام عينيه، وهمس في أذنه:

ـ ألم أقل بأنك لا تعرف مرادهن؟ ها قد عرفت.

    اكترى عبد السلام بيتا بعيدا عن منزل عشيقتاه، كجندي فار من ميدان المعركة خوفا من أسر قد يطاله من جديد، هذا المنزل الذي تأخر كثيرا في الحصول عليه، نظرا لكون شروطه ومواصفاته أعجزت دهاقنة السماسرة حتى أن أحدهم أخبره ذات مرة:

ـ لقد وجدت بيتا تنطبق عليه كل المواصفات والمؤشرات والمعايير التي تتماشى وطلبك.

    متلهفا سأله عبد السلام عن مكانه، فأجابه خبير السماسرة بعد أن تعالت ضحكاته:

ـ في المريخ فهو الوحيد الذي ليس فيه لا أنثى ولا  ذكر.

   أيعقل أن يعثر هذا السمسار المتمرس، العالم بكل المنازل وأسماء قاطنيها على منزل لا يجاوره الجنس الآخر ولا جنس بني آدم إن أمكن.

    سكن بيتا لا يعرف لماذا ومتى بني، وضل يتنقل مشيا على الأقدام مسافات طويلة ذهابا وإيابا إلى مقر عمله، أو حتى لإحضار غرض مهما قل حجمه أو قيمته نظرا لبعد العمران عنه. هكذا دخل من جديد في متاهات يصعب العثور على بوابتها.أدمن شرب الخمر في حانات مدينة “مليلية” حتى أتقن اللغة الإسبانية وعاش مسالما لم يشارك قط في تلك الصراعات الخفية التي كانت تدور رحاها بين إسبانيين ومغاربة، بل ظل على خطوط الحياد إلى أن انتقل إلى مسقط رأسه “العرائش” لكنه هذه المرة لم يستقر في بيت زوجة أخيه. أعطى ما بذمته لأخيه، واكترى بيتا في إحدى شقق العمارات المطلة على البحر.

    من هذه الفتاة التي تلوح له من شرفة العمارة المقابلة، كلما وقف على شرفة شقته يتزود بهواء عليل قبل خلوده للنوم؟.

    على الشرفة نفسها وقفت تلك الحسناء هذا الصباح. فهم من إشاراتها أنها تطلب لقاء مستعجلا أمام بوابة العمارة.

 ما أخذ عبد السلام فرصة للتفكير، ولا لتذكر ما وقع له من إحباطات متتالية، نزل مسرعا كأنه متأخر عن موعد  طائرة ستقله إلى بلاد الأحلام. كان أول الواصلين، اقتربت منه في ثوب ناصع البياض، كملاك جاء يبشره بالجنة، تقاسيم وجهها ما وردت في رسوم كبار الفنانين، لا زيادة  في جسدها ولا نقصان، كل شيء فيها تمام التمام، صدح صوتها الكرواني  في أذنه:

ـ صباح الخير يا أستاذ.

    اصفر وجهه، بلع ريقه و فغر فاه، تلعثم كأنه سيتلو الشهادة ويرحل إلى الآخرة:

ـ أهناك أكثر من هذه الخيرات التي تقف أمامي.

    دقات قلبه المتسارعة وصلت مسامعها، ابتسمت بغنج وناولته رسالة حملتها بين أناملها كما لو كانت تحمل حمامة بيضاء، وأسرعت نحو العمارة التي تقطنها وكأنها ألقت لحظتها قنبلة حب قد تنفجر في أية لحظة.

    لم ينم عبد السلام لليال طوال وبيديه تلك الرسالة المعطرة التي قرأها مئات المرات، حتى أصبح يردد كلماتها غيبا فقد كانت مفعمة بأجمل ما قيل في كلام العشق والهوى غمره ك “سونامي”.

    أصبح الأستاذ أكثر اعتناء واعتزازا بنفسه: ذقن حليق، ملابس مكوية، لكن لغته عجزت عن كتابة رسالة رد تتضمن ولو سطرا واحدا، بالرغم من أنه استعمل مئات أوراق مزقها، وأقلام كثيرة أفرغ مدادها لأنها لم تستطع التعبير واحتواء كل الأحاسيس والعواطف التي خالجته لأول مرة.

    ما كان لعبد السلام أن يتوجه إلى عمله قبل أن يطل من الشرفة للتبرك بوجهها ، الذي يعطيه شحنات قوية تكفيه لقضاء اليوم بكامله في التدريس بنشاط منقطع النظير.

    كيف يتوجه إلى عمله هذا الصباح  وقد تأخرت عن موعد شروقها مدة أسبوع بكامله، بعد أن حجبتها غيوم مرض ألزمها الفراش، انتقلت عدواه لحبيبها الذي أمسى شديد القلق أينما حل وارتحل، وأصبح يعجز عن حل كل مشاكله مهما صغر حجمها، ولم يعد يعرف ما يقدم أو يؤخر.

    انطلق كالسهم نحو ديار “ليلاه”، نقر الباب نقرات قوية متتالية لا تنم عن أبسط شروط الأدب واللباقة، فوجد أمامه وجه رجل في منتهى الوقار،نور رباني يوحي بالتدين و الإيمان العميق، أدرك حينها أن الغصن الذي عشش فيه عصفور قلبه المغرد من هذه السنديانة الواقفة أمامه، تلعثم كعادته وصمت لمدة طويلة كالمغمى عليه:

ـ صباح الخير سيدي، أستاذ أنا وأقطن في العمارة المقابلة لبيتكم الموقر، جئت أسأل عن الحالة الصحية لابنتكم المصونة “سلمى”.

    بأدب أفسح الأب طريقا أمام هذا الضيف الغريب، أجلسه في غرفة الضيوف وطلب من زوجته إحضار قهوة وبعض الحلويات (واجب الضيافة):

ـ مرض سلوى عجز عن تشخيصه كل الأطباء الذين زاروها.

    كيف لا وهي التي شردت حتى ذبلت و وهبت للرحمن صموا عن الحديث.

  كان عبد السلام يسمع حديث الأب والابتسامة تعلو شفتيه فقاطعه بكل وثوقية:

ـ لقد جئتها بالدواء الشافي يا سيدي.

    أمام استغراب الأب، طلب عبد السلام الزواج من سلمى على اعتبار أنه هو دواؤها الوحيد وبلسمها الشافي.

 اقتحمت حبيبته عزلة الأب مع ضيفه وبجرأة لم يعهدها من ابنته المخلقة، عانقت حبيبها فتحول شحوب وجهها إلى احمرار قان وانمحت عنها كل علامات المرض، فبدت كميت خرج للتو من قبره حيا يرزق ، واندفعت في حيوية وخجل نحو غرفتها.

    ابتسم الأب وقال بحشمة بادية:

ـ لا يسعني إلا أن أبارك زواج ابنتي المريضة بهذا الطبيب المختص.

    حفل زواجهما ترددت أصداؤه بين سكان العمارتين معا وكأنه حدث تاريخي يهم الجميع إلا زوجة أخيه.

    انتقلت سلمى للسكن مع زوجها في الشقة التي تمنت زيارتها ولو لساعة من الزمن، ها هي ذي الآن تقضي جل أوقاتها على الشرفة تحيي أمها الواقفة في الجهة المقابلة.

    عاشا معا حياة سعيدة (حسب مفهومهما للسعادة) ورزقا بطفلة آية في الجمال “غادة”، لكن الديون التي مكنتهما من تأثيث البيت، نغصت عليهما صفو حياتهما وأربكت كل الحسابات الشيء الذي لم تتعود عليه سلمى في بيت عائلتها.

    ما ادخر أستاذنا جهدا لدعم بنيان أسرته المهددة بالانهيار: الساعات الإضافية ما تخلى عنها أبدا، سجائره التي لم تكن تبارح أصابعه أقلع عنها، أما بذلته الوحيدة التي خصها للمناسبات الرسمية لم يعد يلبسها حفاظا على ثوبها من التكاءل بفعل صابون الغسيل والشمس، نشوته الأولى والأخيرة هي رؤية زوجته وهي تلاعب طفلته “غادة”.

    غار الزمان من استمرار حبهما وهو الذي لا  يؤمن بدوام الحال إلا لله وحده، فسلط جيوشه الغاشمة لوضع حد لهذه العاطفة الجياشة، التي صمدت أمام إرادته وشطت عن القاعدة.

    غاب قمر عبد السلام الذي أعطاه مبررا مقنعا لوجوده وأنساه كل المآسي التي عاشها من قبل.

    ماتت سلمى فجأة وبدون سابق إنذار، لقد فضلت الموت والتواري تحت الثرى، بدل أن تضعف وتقارن حبيبها مع باقي الميسورين، وهي التي أحبته بإخلاص ولا تريد أبدا تشاهد انكساره أمام جبروت القدر، ففضلت الموت بكرامة.

    بعد هذه الفاجعة التي لم  يتقبلها عبد السلام داوم على البقاء لساعات طوال في شرفة بيته بعد خلود طفلته للنوم، يرقب طيف معشوقته في الشرفة المقابلة، يناجيها و يرثيها بقصائد ما وردت على لسان الخنساء ولا غيرها، يبكي بكاء أضعف بصره يوما بعد يوم، وفي آخر المطاف يسند رأسه على وسادته، ووجه نحو الوسادة الخالية التي لن تشغلها أبدا امرأة أخرى بعد حبيبته “سلمى” وفي كل صباح كان يضع مرفقيه على حافة “بالكو اطلانتيكو” يتأمل البحر.

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع