أخر تحديث : الإثنين 11 أبريل 2016 - 11:04 صباحًا

ثرثرة في ظل الجريمة

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 11 أبريل, 2016 | قراءة

FB_IMG_1460372526451

الطاهر الجباري

عجيبٌ أمرُ هذه المرأة “ختي طامو” ..ُتَرى ما لها ولهذا البطر والمفاخرة بما تدعيه ما تختزنه من أموال نقدية بداخل الصندوق الموجود بمسكنها وتتباهى بهاعلى قريناتها والمكاثرة بها خاصة على جليستها المجاورة لها بموضع بسوق المصلى “ختي رحمة” صديقتها الحميمة التي كانت تصغي اليها مشدوهة متسائلة بتعجب بينها وبين نفسها عن هذا الرصيد المالي المهم الذي تحوزه زميلتُها “ختي طامو” وتفاخر به وهي امرأة معوزة كما يظهر ذلك من أثرها الخارجي وممن يسوغ سد عوزه وتغطية حاجياته وإعانته على نوائب الدهر، فمرارا ما يمنحها المحسنون عطايا وهبات للتخفيف من أثرها الاجتماعي المضني. فالمرأة”ختي طامو” سوى بائعة بئيسة لأربطة نباتية من المعدنوس والخس والنعناع بسوق المصلى، فحياتها المغلقة لا تتسع لغير ثلاثة أو أربعة أشياء: النقود الزهيدة ، السوق ، الاكل، الفراش، وان عائداتها من بيع تلك الأربطة النباتية لا تفي احيانا سد حاجياتها اليومية ، ومن تمة كانت مفاخرتها بالنسبة لاعتقاد زميلتها “ختي رحمة ” الا أمرا يلوح لها من قبيل المعجزات ومظهرا من غرائز” ختي طامو” المضطربة وصورة من المبالغة الى حد التفاهة .
حقيقة .. لم تدر”ختي طامو” ان هذا الادعاء التافه وهذه المفاخرة الصورية أو هذا التفضيل على الغير لغير سبب معقول سوف يعرض حياتها الى أسوإ فاجعة لما يحمل ذلك من جلب الشر والدفع الى حدوث الجريمة.
كعادتها صباحا في باحة السوق تتحدث الى زميلتها ولم يزد حديثها معها عما تجمعه من الأوراق المالية المكدسة في صندوقها حتى وصلت الى حد سقفه وأنها قد عدتها واحدة بعد أخرى وصلت الى خمسة آلاف درهم وهذا مبلغ مهم بالنسبة لوضعها الاجتماعي ولمن هو في مثل وضعها.
لم يكن الحديث ذَا قيمة بالنسبة لزميلتها “ختي رحمة”، ولكن المصادفة قد تمتلك وسائل ثاقبة لشق آثار مختفية تحت رداء القدر الذي يشق بدوره على غير انتظارالأثر المحتوم في حياة الانسان.
وفي اليوم التالي..لم تأت “ختي طامو” الى السوق كعادتها ، فأزمعت زميلتها عند عودتها من السوق مساء أن تعرج على بيتها لتسألها عن سبب غيابها ، وعند اقترابها من البيت وكان الليل اسدل ستاره وملأ الأرض ظلمة مدت بصرها الى النافذة فوجدتها مفتوحة والغرفة شبه مظلمة الا من نورخافت ينعكس عليها من اضواء الشارع الممتقعة بالشحوب.
لكن ، النافذة مفتوحة! لماذا؟ ما معنى هذا؟ لا سيما وان الجو محمل برياح باردة مثلجة تبتلع الدفء من الجسد وتبث فيه هزات مرعشة اضطرت مع هذا “ختي رحمة” الى أن تلف جسمها النحيل في شالها الطويل كي تحتمي به من الهواء القارص.
أخذت “ختي رحمة” تتساءل حين بدت لها دفتا النافذة مفتوحتين ولم يهتد افتراضها الى شئ ، فطرقت الباب مرة تلو أخرى لم تلق جوابا من الداخل ، ولكن الباب مفتوح بشق ضيق كأنما يوهم للرائي أنه مقفول، فدخلت ، وبمجرد دخولها أخذت تزعق وتصيح من حدة المفاجأة ، وانتفض شعر رأسها خوفا ورهبة ، ورقص شبح الموت أمام عينيها حين رأت زميلتها “ختي طامو” ملقاة على ظهرها وفوها فاغر وعيناها جاحظتان متحجرتان نحو السقف ونزيف دم رقيق شق الخرم من أنفها ، فأجهشت بالبكاء وسألت نفسها كيف؟ ومتى حدث ذلك؟ لكنها لم تستسلم للرعدة الغامضة في أوصالها ، فخرجت الى الباب صائحة مستغيتة : “ختي طامو ماتت” ختي طامو ماتت” ، فالتف الجمع حولها في غمرة من البلبلة والتساؤل، فقام أحدهم واتصل هاتفيا بالشرطة ، فسرعان ما حضرت عناصرها وفرقت الفضوليين من الحاضرين ، وبدأ التحري في أمر القضية والتنقيب عن أسباب الوفاة بنقل الضحية الى مستودع الاموات بالمستشفى وقيادة “ختي رحمة “الى مقر الشرطة للاستماع اليها في تصريحاتها في شأن القضية ، كل ذلك بعد إخبار ديمومة النيابة العامة بظروف القضية والتلقي منها التعليمات المستلزمة لطبيعة الواقعة.
استمعت الضابطة القضائية الى “ختي رحمة” فكانت تصريحاتها المقتصرة حول غياب الضحية نهار السوق ومفاجأتها بموت هذه الاخيرة عند مجيئها لبيتها مساء لم تقدم للضابط حثيثا في القضية ولم تفتح له السبل للوصول الى بداية طرفها ، خاصة وأن التشريح الطبي المجرى على الضحية أفاد في خلاصته أن الوفاة غير طبيعية نتيجة الخنق. أخذ الضابط من جديد يستعرض الاحداث والوقائع وانتهت به الحيرة الى محاولة التنقيب عن بعض الروابط بين الضحية وقريناتها بسوق المصلى ، ولم يستغرق هذا المجهود الا لحظات وجيزة حينما أُعْلِمَ منهن أنها كانت تفاخرهن بمبالغها المالية المخبأة بالصندوق في منزلها، فهذا الاعلام حمل في ذهن الضابط الفصل الختامي لهذه القضية ،إذ استدعى من جديد المرأة “ختي رحمة” وصاحبته الى مسكن الضحية للتنقيب عن المال المخبأ وهناك التفتت رحمة الى ضابط البحث وأنهت إليه- وهي مطلعة على أثاث البيت نظراً لاعتيادها التردد عليه لزيارة الضحية -اختفاء صندوق نحاسي صغير الحجم وبساط صوفي واَلة للخياطة كانت الضحية فيما مضى تستعملها لحياكة أقمصة وبيعها للراغبين غير أنها اضطرت الى التوقف عن ذلك لكبر سنها وضعف بصرها.
هذه الوقائع والمعلومات الجديدة لم تعد مجرد تصورات في ذهن الضابط بل أصبحت قرائن ثابتة بيقين يمكن التعزيزبها بكل مااستطاع الضابط للوصول الى الجاني بل أكثر من جان طالما أن المسروقات المذكورة لا يمكن حملها بشخص منفرد واحد لثقل الة الخياطة ولحجم البساط العريض كما أعْلَنَتْ عنه زميلة الضحية.
ولكي يعالج الضابط القضية بحكمة ويكشف الستار عن حقيقة شخصية الفاعلين قرر أن يتوجه الى سوق كاسا براطا حيث غالبا ما تباع فيه المسروقات ، وصاحب معه المرأة رحمة للتعرف على مسروقات الضحية، وبعد الطواف والدوران في السوق اهتدت “ختي رحمة” بعد أن جالت ببصرها في أنحاء السوق إلى التعرف على المسروقات وصاحت في وجه الضابط ها هي اَلة الخياطة والبساط والصندوق المملوكة ل”ختي طامو” فسرعان ما أمر الضابط أعوانه بإلقاء القبض على البائع وأسرع به الى مقر الشرطة للاستماع اليه في شأن المضبوطات لديه.
ويتعلق الأمر بالمسمى حمو بن امبارك ، وبدأ الضابط يستفسره عن الاشياء المحجوزة منه وانهال عليه بكل أنواع الأسئلة خاصة عن مصدر المحجوزات وكيف اَلت إليه، فانهار حمو امام هذا الوابل من الأسئلة فصرح أنه اعتاد شراء الأشياء المستعملة وبثمن بخس ، ولم يكن من عادته أن يتحرى عن مصدرها طالما أن الشراء يتم بثمن زهيد يخول له عند إعادة البيع الحصول على الربح بثمن أكثر مما دفعه من ثمن الشراء وزاد موضحا ان المحجوزات منه اشتراها من المدعو سلام بن عزوز اعتاد الاقتناءَ منه لمثل هذه المبيعات وبثمن زهيد دون أن يسأله كما هو المعتاد عن مصدرها .
وهكذا تفتحت السبل امام الضابطة القضائية فعملت على البحث عن المسمى سلام بن عزوز من خلال سجلاتها الممسوكة لديها فاهتدت إليه والى عنوانه وتبين لها انه من ذوي السوابق القضائية فترصدت له وألقت القبض عليه وقيد إلى مركز الشرطة لاستكمال معه حقائق هذه القضية .
واجهته الضابطة القضائية بالمحجوزات المذكورة التي تمت سرقتها من بيت الضحية فأنكر التعرف عليها أو حيازتها من قبل وأبى عليه عناده أن يستسلم لأقوال الضابط غير أن هذا الأخير لما واجهه بالمسمى حمو ابن امبارك الذي أكد أن الماثل أمامه هو البائع له المحجوزات منه سقط سلام في يده ولم يستطع أن يناور فاعترف بسرقة الأشياء المملوكة للضحية بعد القيام بخنقها ليزيد موضحا أن ذلك تم برفقة زميله حمدوش محمد حيث مكن للضابطة القضائية من عنوانه فتربصت له وألقت القبض عليه.
تَحوَّلَ الضابط الى المتهم سلام بن عزوز للاستماع اليه من جديد واستطاع أن يعرف منه أنه كان مع صديقه حمدوش محمد بسوق المصلى للاقتناص من جيوب المارين ما يمكن نشله من نقود اومحافظ مالية ، وانتهى بهما الجلوس الى جوار الضحية وهي تحدث جارتها فانتهى سمعه الى أقوال الضحية تخبر جليستها بكونها تتوفر على أوراق مالية مهمة مكدسة بالصندوق في منزلها وهو ما سمعه صديقه حمدوش فرسما خطتهما على أن ينتظراها طيلة قعودها في السوق الى غاية نهوضها منه ويتبعاها مشيا خلفها للتعرف على مسكنها قصد السطو على المال.
وهكذا رسم الاَثِمان خطتهما وصمما على تنفيذها ، وفي جوف الليل يضيف سلام تسلل هو وزميله في الظلام متحاشيين البقاع المأهولة حتى وصلا الى دار الضحية بعد ان تعرفا عليها كما ذكر وكانت نائية عن الدور ، وأخذ هو يحاول استراق النظر من خلال ثغرات وشقوق ضيقة بالباب ليرقب ما يجري داخل الغرفة فلم ير شيئا ، بينما كان صديقه قد ألصق أذنه على نافذة مغلقة فلم يلتقط سمْعُه حركةً أو وشوشةً من الداخل ففهم ذلك من زميله بحركة رأسية معلومة منه ، وبطريقة تقنية محكمة ودقيقة تمكن من فتح باب الغرفة باسقاط المزلاج بواسطة سلك رقيق رفيع هُيِّئ خصيصا لذلك ، ودخلا متلصصين بسكون تام ، وبيد زميله مصباح شاحب الانارة عمَدا استعمالَه عن قصد ذلك للحيلولة دون ايقاظ صاحبة البيت ، فشرعا يطوفان بالغرفة والمرأة تغط في سباتها وهما يواصلان البحث الى أن عثر على الصندوق فسارع الى فتحه لتفاجئه بداخله دريهمات زهيدة منثورة على جوانبه لا تغطي أرضيته أو قاعدته ، فاحتدم وجهه غيظا من هذا الإخفاق وانقبضت نفسه غبنا من تفاهة تلك الدريهمات المعدودة التي كلفته من الجهد الثقيل والعناء المتصل وأرهقته من أمره عسرا ، ومن غير إدراك ولا شعور ضرب الصندوق بقبضة يده فأحدث شيئا من الضوضاء لتستيقظ صاحبة البيت مفزعة وقفزت من فراشها تصيح وتستغيث لما شاهدتهما ماثلين أمامها ، فهددها بكف يده لتكف عن الصياح وليبعث الرعب في قلبها ، لكن لم تذعن فجدبها اليه واقتنصها من عنقها وصفع وجهها واستطاعت بجهد مُضْنٍ أن تتخلص منه هاربة نحو النافذة التي كانت بقربها ففتحتها لتستغيث الى الخارج لكنه تمكن من اللحاق بها وعيناه جاحظتان من الغضب فشدها من خصرها وجاء صاحبه وألقى كيسا على رأسها فضغطه هو على رأس المرأة ضغطا متواصلا وهي تتلوى و تدافع مرتعدة الأوصال متقطعة الأنفاس الى ان خمدت انفاسها وشلت حركتها فسقطت جثة هامدة. وبسرعة استلا خارجين تحت ستار الليل، حاملين الصندوق واَلة الخياطة التي أدرجاها داخل البساط .
هذه الوقائع والحقائق أكدها زميله حمدوش محمد عند الاستماع اليه في البحث التمهيدي ليقفل الضابط محضر البحث وليحيله على النيابة العامة رفقة المتهمين الثلاثة في حالة الاعتقال.
وتابعت النيابة العامة المتهمين سلام بن عزوز ومحمد حمدوش من اجل جناية القتل العمد صَحَبَتْهُ جناية أخرى وجناية السرقة الموصوفة طبقاللفصلين 392و509 من القانون الجنائي والمتهم حمو بن امبارك من أجل جنحة إخفاء المسروق طبقا للفصل 571 من نفس القانون.
وأحيلت القضية على المحكمة، وبدأت المحاكمة باحضار المتهمين سلام وحمدوش في حالة اعتقال وحضور حمو في حالة سراح ، وحضر الدفاع ، وتأكد رئيس الجلسة من هوية المتهمين وأُشْعِروا بالأفعال المنسوبة اليهم ، فأجاب كل واحد من المتهمين الاولين بالانكارلمانسب اليه ، مستبعدين معا الاقوال المنسوبة اليهما أثناء البحث التمهيدي ، وان الوقائع المسطرة بمحضر الشرطة لا تمت الى الحقيقة بصلة، مستبعدين اقوال المتهم حمو فيما يخص شراءه المسروقات من المتهم سلام ، غير ان حمو لما واجهته المحكمة بالتهمة المتابع بها اكد لها شراءه المسروقات من سلام دون ان يتاكد من مصدرها.
فاعتبرت المحكمة القضية جاهزة للحكم، فرافعت النيابة العامة في كلمتها، وسردت حقائق القضية دعمتها باعترافات المتهمين بمحضر الضابطة القضائية وهي وقائع تنطبق عليها فصول المتابعة المشار اليها أعلاه بكافة عناصرها القانونية ، والتمس ممثل الحق العام الادانة وانزال العقوبة.
وتدخل الدفاع في مرافعته موضحا ان المعول عليه هو التصريحات المفضى بها امام المحكمة ، فالمتهمان الاولان ينكران امامها مانسب اليهما، وأن الملف خال من عنصر المعاينة او من وجود حالة التلبس ، وأن المحكمة تستمد اقتناعها مما يروج امامها من مناقشات ومن دراستها للحقائق على ضوء هذه المناقشات لا من محضر الضابطة القضائية الذي يعتبر مجرد بيانات في قضايا الجنايات ، وانه من جهة أخرى يضيف الدفاع فان اعتراف متهم على متهم اَخر لا يجوز ولاسند له في القانون، ملتمسا البراءة للمتهمين سلام وحمدوش. فحجزت القضية للمداولة للنطق بالحكم بعد ان كان المتهمون اَخر من تكلم.
وصدر الحكم بادانة المتهمين بما نسب اليهم وفق فصول المتابعة مستندة غرفة الجنايات في ذلك على مااستخلصته من اعترافات المتهمين بالافعال المنسوبة اليهم بمحضر الضابطة القضائية الذي لا يوجد في القانون ما يمنع المحكمة من الأخذ بفحوى ماورد فيه متى اطمأنت الى سلامته، خاصة وقد تعززبشهادة المتهم حمو بن امبارك الذي اكد امام المحكمة بشرائه المسروقات من المتهم سلام وهي مسروقات تعرفت عليها المصرحة ختي رحمة مؤكدة انها من ممتلكات الضحية، وزادت غرفة الجنايات مبينة في تسبيب قرارهاأنه ليس في نصوص القانون مايمنع المحكمة من الأخذ بتصريحات متهم على اَخر اذا ما اطمأنت اليها كوجه من وجوه الاستدلال على نهوض الجريمة وايقاع الحد عليها في اطارالسلطة التقديرية المخولة لها قانونا في تقييم التصريحات المعروضة عليها وفي تقدير الوقائع المطروحة أمامها والتي استنبطت منها عناصر التهم المنسوبة للمتهمين ولا سيما عنصر العمد ، شكل لديها كل ذلك مادة الإدانة بمقتضى اعتقادها الصميم واقتناعها الجازم بحدوث الجريمة.
وانتهت القضية .. لكن مسكينة “ختي طامو” ذهبت ضحيةً في قضية قتل نسَجتْ حقائقَها من مفاخرة كاذبة.

* كل تطابق في الاسماء على اشخاص ما ليس الا من قبيل المصادفة.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع