أخر تحديث : السبت 30 يوليو 2016 - 8:06 مساءً

زيرو كريساج

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 30 يوليو, 2016 | قراءة

jamal_atto

جمال عتو
قبل الفجر غادر النوم مقلتيي من غير رجعة ، كانت الساعة الحائطية الخشبية تصدر صوتا حزينا لكنه شجي ، ربما أبقيتها على جدار فناء المنزل لتذكرني بالزمن المهادن الجميل ، فتحت مذكرتي الورقية لأتصفح ما يجب علي أن أقوم به ، فاليوم عطلة ، برنامج طويل مسطر ذكرني بأعمال صغيرة ومهمة : جلب الجزر للأرانب ، وتثبيت قفل ثالث بباب البيت الرئيسي درءا لهجمة ليلية مباغثة تسابق زمن ” زيرو كريساج ” ، واقتناء سلة تقليدية كالتي كانت عند أمي قديما فحملة ” زيرو ميكا ” تبيد الأكياس البلاستكية هذه الأيام ، شغلت التلفاز، كادت رائحة الغبار القاتم الممزوج بالدم القاني تنبعث من الجهاز لتزكم أنفي ، مذيعة في غاية الأناقة والجمال تخطب مبتسمة :
ـ ” عملية ارهابية بتعز يذهب ضحيتها عدد من النساء والشيوخ والأطفال …”،
أطفئت التلفاز ، أحب دوما أن أبدأ يومي بصباح هادئ وديع ، دخلت المطبخ طلبا كأس حليب ، ألفيت صحونا متراكمة تنتظر رحمة الماء ، ترجلت ببطء ، شرعت في غسلها ، على مسافة في زاوية جمد صرصور في مكانه يترقب الوضع ، ربما أزعجه اسيقاظي في ذاك الوقت الذي يقتات فيه ما قسم له من فتات الأرض ، هرعت الى المذكرة فأضفت في آخر جدول الالتزامات : ” شراء مبيد الحشرات ” ، رجعت ، شغلت جهاز التصبين فأصدر صوتا خافثا ثم ما لبث أن توقف ، هذه المرة جلبت المذكرة معي الى المطبخ وأضفت : ” فتح محرك الصبانة والبحث عن علة التوقف ” ، تركت المذكرة مشرعة فعلى ما يبدو أن أبواب السماء كانت مشرعة كذلك لتقاطر الطلبات والحاجيات الضاغطة والمملة في آن ، أخذت مكاني المعتاد في الصالون بعدما أعددت قهوة على المزاج ، تصفحت علبة رسائل هاتفي الخاصة ، هناك من حدد لي موعدا في مقهى ، وآخر سيتصل بي لاحقا ، مكالمة في منتصف الليل من زميل بعبارة Appel en absence ، آه ، لقد كلفني الرجل بمهمة فنسيت ، المذكرة مرة أخرى ، بدا أن الوقت مناسب نوعا ما لتتمة رواية ” المخادع الحقيقي ” للكاتبة “توف جانسون” ، قبل يومين توقفت عند صفحة “91 ” ، شرعت في القراءة :
” دخلت كاتري الى بيت الأرانب ، وأخذ الكلب مكانه في الممر بجانب باب المطبخ ، كانت كاتري في حالة عصبية في اليوم الأول ، اذ بدت أبسط المهام فوق طاقتها …..” ، ذهلت لتناسق المكان والزمان والشخوص ومواكبتها لما أعيشه اللحظة : الأرانب،المطبخ،اليوم الأول،المهام، بقي الكلب ، آه ، تذكرت ابن جاري الطائش الذي يترك كلبه في سطح العمارة في كثير من الأحيان بدون عقال ، فهو من فصائل الكلاب الخطيرة اسمه ” Pitbul ” ذي أصول ايرلندية ، رميت الرواية جانبا وهرعت صاعدا في الدرج حافي القدمين ، فتحت باب السطح بحذر ، كان باسطا ذراعيه بدون عقال يحملق في بوجه مربع مرعب :
” أعوذ بالله ، ستبدأ معاناتي في هذه الساعة اذن بطرق باب الجار حتى الضجر ، لأن أسرته بأكملها لا تستيقظ الا عند الثانية بعد الزوال ” ،
خرجت امرأة عجوز بفستان عروس بعد جهد جهيد :
ـ ” سيدتي صباح الخير ، عذرا ، أريد سميح فورا ” ،
ردت علي بنبرة حادة قاسية :
ـ ” أشخصك أمول الحليب فهاد الليل ؟ سير الله يعطيك الحابة ” ،
آه ، نسيت أن المرأة مصابة بمرض الزهايمر، وأن ليس لديها وقتا محددا للنوم ،
ـ ” اعذريني سيدتي ، أنا وأنت مستيقظان والناس في مراقدهم نيام ؟ الكلب …..” ،
قاطعتني : ـ ” باقي ماجا وقت الذبيحة …”،
عدت الى المنزل ، حملت قفلا ، أحكمت باب السطح اغلاقا واحتفظت بالمفتاح ، تناولت المذكرة لأكتب : ” شراء قفلين ، قفل للوقاية من كريساج انسان وآخر للوقاية من تمريغة حيوان ، قد يضيع أمن أسرتي بين خطرين قادمين ” .

أوسمة : , , ,

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع