أخر تحديث : الإثنين 10 أكتوبر 2016 - 9:31 مساءً

خضرة الأمل

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 10 أكتوبر, 2016 | قراءة

jamal_atto

جمال عتو
الأصوات تتعالى وتتشابك النبرات المختلفة وتأخذ في الخفوت ، ثم ما تلبث أن تتعالى من جديد ، أزحت ستار الشرفة المطلة على السوق الصغير وقد توسطت الشمس كبد السماء ، كل شيء هناك كان يغري بالفرجة والاثارة الا العم سليمان الغرباوي ، الرجل الفارع الطول العسلي البشرة الذي كان بالأمس يملأ فضاء السوق صياحا وهو يقف لا يتزحزح بعربته المركونة في مكانها المعهود وقد ملأها بالفواكه المختلفة ، في ذلك اليوم كان يتكئ على الجدار واجما وبين يديه عصا العميان ، العم سليمان أصيب بغتة بنقص حاد في النظر اثر مرض عشعش في أوصاله وهو لا يدري ، وزحفت به النحافة نحو شيخوخة جلية ، كان يهمس تارة في أذن ابنه كأنه يلقنه أصول المهنة وتارة ينبه المارة بجودة سلعته المتراكمة ، لم تعد لعربة العم سليمان وهجها المعتاد ولم يزره على ما بدا لي الا الزبناء المخلصين وهم نزر قليل .
لبست معطفا وتأبطت جريدة واتجهت للسوق ، اقتربت من العربة الكئيبة وكأنها تشكو للزمن وحشة اليتم أو لوعة الفراق ، تنحنحت متصنعا قبل أن ألقي التحية ، التفت الي العم سليمان ولم يكد يميز شخصي ، لوح بيد مرتعشة حاملة العصا وبادر وقد غمرت ابتسامة ضامرة محياه المتعب وبصوت مبحوح :
ـ ” عبد الجليل ؟ مرحبا ، انظرـ وأشار الى مكان قصي ـ لقد جلبت لك اليوم العنب الأخضر الطازج الذي تعشقه ” .
ـ ” كيف الحال عمي سليمان ؟ لابأس أريد منه كيلو غرامين ” .
انتفض الرجل ورمى بعصاه جانبا لكنه ضل الطريق الى العربة ، اقتاده ابنه على مهل ، تحسس الشيخ عناقيد العنب الجيد ، وضعها في كفة الميزان ،أودع الابن الأوقية في الكفة الأخرى ، رجحت التي بها العنب ، تمعن جيدا وقد ضيق كثيرا من حدقتي عينيه الذابلتين ، طالب بالمقص ليقتص قليلا من عنقود كبير حتى يتساوى القسطاس ، خانته يده المرتعشة وتمرد عنه بصره من جديد ، فسح لابنه المجال على مضض ، ناولت الرجل أجرته ووليت تاركه وقد اغرورقت عيناه وجلس القرفصاء .
عدت الى المنزل ، نزعت معطفي وألقيت الجريدة ، وضعت العنب بعناية في الثلاجة ، أزحت ستار الشرفة المطلة على السوق الصغير ، رأيته متكئا على الجدار وبين يديه عصا العميان فكتبت :
” أراد العم سليمان العليل أن يعود الى الأمس في عنفوانه ولو لبرهة فما استطاع ، ولم تعد لعربته المكلومة وهجها المعتاد ، لكن خضرة العنب تدعو باستماتة الى الاستمرار ” .
قبل اسدال ستار الشرفة سمعت صياحا قويا منبعثا من محيط العربة وصوتا نديا :
ـ العنب ، الاجاص ، الموز ، التفاح ، هنا الجودة ياناس ، تعالوا واستمتعوا .
كانت انتفاضة ابن العم سليمان الغرباوي تأذن بصيرورة الحياة .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع