أخر تحديث : الأربعاء 9 نوفمبر 2016 - 11:23 صباحًا

أه … ياوطن – 2 –

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 9 نوفمبر, 2016 | قراءة

jamal_atto

جمال عتو
كان فضاء الغابة الخضراء يحتضن أشعة الشمس الأولى في صباح ليس ككل الصباحات ، أدرك الكلب حينها أنه آمن من الاهانة والاذلال ، تباطأ في المشي وقد صار الجوع يطالب أمعاءه بما يقيم صلبه ، اهتدى الى كوخ ريفي أنيق بعدما شم من بعيد رائحة الشواء ، أصدر نباحا خفيفا وجثا على ركبتيه عند مدخل حديقة الكوخ ، لاح له رجل أشهب فارع الطول يخرج من باب المسكن متكأ على عصاه ، يتأمل في حاله الغريب بعينين غارقتين وراء نظارتين غليظتين ثم سرعان ما دخل مسرعا ليعود بطعام مختلف ، انهمك الكلب في النيل منه بشراهة أمام ذهول وشفقة الرجل الكريم والذي قاوم دموعه بعدما تحقق بالكاد من قراءة عبارة في القلادة الجلدية .
غادر محيط الكوخ على حين غرة وفي غفلة من الرجل الذي بدا جليا أنه سيكرم مثواه ويتخذه صديقا مقربا ، كان على الكلب أن يكتشف ما وسع له من تلك الأرض التي ساقته ظروفه التعيسة اليها مرغما ، تاه كثيرا حتى استقر به الحال أمام منطقة خضراء واسعة مسيجة بأسلاك دقيقة ، بسط ذراعيه ووسد عليهما رأسه وهو ينظر مليا الى حركة لم يعهدها في حياته من قبل .
كانت الكلاب على اختلاف أنواعها وألوانها وأحجامها تستمتع بفسحة فوق العشب البهي وأثار النعمة تبدو عليها ، تتجول آمنة تحت أنظار حراس أنيقين هادئين ثم ما تلبث أن يوجهونها الى زاوية حيث طعامها الخاص في أواني منتظمة ، وقفت سيارة فارهة غير بعيد عن الكلب من جهة الباب الخلفي للسياج ، نزل السائق ببذلته السوداء وقبعته البيضاء ، هرول ليفتح باب العربة العريض ، انتظر الكلب قليلا فاذا بكلية شقراء تثب بخفة ونشاط محتفظة بقلادة ذات سلسلة ذهبية لامعة ، اقتربت منه ، شمته ، نظرت اليه بمغزى ثم ما لبثت أن دخلت لتنمهك في الجري واللهو مع أصدقائها .
عند المساء وقد أذنت الشمس بالغروب رمى له حارس بعضا من طعام الكلاب الخاص ، لم يلتفت اليه الكلب ، وتابع رحلته في صمت مطبق .
قضى المهاجر البئيس بضع أيام ينتقل من منطقة الى أخرى حتى صادفته ذات صباح شاحنة جمع الكلاب الضالة والمريضة بأحد الطرق الرئيسية ، أحس بخطر حاذق يهدد حياته أو بالأحرى حريته ، جرى نحو ضفة نائية واختفى عن الأنظار ، أحس حينها بشعور غامض لم يفك لغزه ، فقرر الرحيل والعودة .
انتظر في يوم بارد الليل ليسدل ظلامه على مهل ، تسلل الى ميناء كبير ، ظل مختفيا حينا من الوقت لئلا تصيبه نظرة حارس أومخبر فيطرد شرد طرد ، صار يترقب حركة الناس الدائبة ، وعلى حين غرة جرى بكل ما أوتي من قوة ووثب عبر معبر المؤن الى زاوية بأسفل ناقلة للبضائع ، التقت نظراته المتوجسة لحظة الوثوب بنظرات عربي تبدو عليه ملامح السخط ، الا أن ابتسامة الرجل الصفراء منحت للضال البئيس كثيرا من الوجل ، دخل الكلب في نوم متقطع بمرآب مظلم ، سمع خشخشة عند مدخل المرآب تبين له بوضوح أن العربي زاره ليقدم له خبزا مغمسا في سائل أبيض ، أكل منه قليلا فأحس بالمرارة تذب في أمعائه .
وصلت الباخرة الى البلد صباح اليوم التالي ،خرج الناس ،أفرغت المؤن ،لم يخرج الكلب.
عثر عمال النظافة على الكلب البئيس ميتا ، باسطا ذراعيه متوجها بنظرات من عينين خافتين الى أرض الوطن .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع