أخر تحديث : الثلاثاء 25 أبريل 2017 - 9:20 مساءً

الكلاسيكو

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 25 أبريل, 2017 | قراءة

جمال عتو
كانت الكراسي متراصة بعناية والبعض منها احتياطي مركون بزاوية في المقهى الفسيحة ، النادلان الأنيقان تعلو محييهما ابتسامة عريضة لكن لاتخلو حركات أحدهما الخفيفة من ارتباك متقطع ، رنين هافته يشق سكون الفضاء المؤقت ، يخاطب المتصل بلهجة حادة :
_ ” أينك صاحبي ؟ التحق الآن بالمقهى إني أنتظرك “.
كلاسيكو الأرض لم تعد على انطلاقته سوى ساعين ، أغلب المقاعد القريبة من الشاشتين العريضتين محجوزة بصحون معدنية وقنينات فارغة وأوراق متنوعة ، كان علي أن أكتب شيئا راودني في صباح اليوم المشمس بمقهاي المعتادة تلك ، لأتفرغ بعدها لمشاهدة المبارة المثيرة ، لكن الحرف نفر مني وكأنه منفلث من عقال ، لقد بدأ الصخب ينمو بتقدم عقارب الساعة ، الزبناء يتقاطرون تباعا باحثين عن مقاعد مناسبة بأعين زائغة ، والذي اتصل بالنادل تبين أنه مساعده المرتقب في مساء عصيب ، صاحب المقهى واقف بالباب يتأمل ويوزع الأدوار كالمايسترو ، رزمة من الأوراق النقدية الزرقاء تقاذفتها الأيادي حتى استقرت عند رجل بدين في عمق المكان ، عقب شاب على نظراتي المتسائلة :
– ” رهان نقدي كبير جدا بين أنصار المدريد والبارصا أستاذ ” ،
– ” رهان بهذا المبلغ الكبير ؟ ، هذا حمق ، أكيد ” صرخت ، لم يهتم الشاب .
كان التوقيت حسب غرينتش يتقهقر في أعلى شاشة التلفاز نحو ساعة الصفر والضجيج يزداد والرتابة تلملم أغراضها ، وعبارات السخرية والتنابز بالألقاب وأسماء النجوم الكروية تؤثت الفضاء .
جلس بجانبي الأيسر رجل قوي البنية عريض المنكبين تبين لي من خلال زفيره وهمسه وتدخينه بشراهة أنه من أنصار فريق ، استفسرني عن حظوظ فوزه فلم أشف غليله ولم أتكلم عن الفريق الآخر ، جعلت نفسي منه على مسافة ، فالوقت كهذا قد يطير فيه عقل الرشيد .
امتلأت أرجاء المقهى عن آخرها فيما اكتفى آخرون بالوقوف في جنبات الواجهات محملقين في الشاشات الكبرى .
انطلقت المقابلة وانطلق معها صوت المعلق الشجي الذي لا تقل إثارته عن إثارة اللعبة الساحرة ، وتبدأ معاناتي مبكرا مع الجالس بجانبي .
كان الرجل الذي أخذته الكرة المستديرة من مقهى بالقصر الكبير إلى ملعب بالعاصمة مدريد ، يتحرك بجسمه الممتلئ يمينا ويسارا كلما تحركت الكرة ، يخبط بيديه كالمطرقة على المائدة فتهتز لضرباته الكؤوس والقنينات ، وتهتز معها نفسي الهادئة ، عند ضياع محاولة تهديف يشعل سيجارة في هستيريا ظاهرة ويأخذ نفسا عميقا فيكاد ينهيها في ثوان معدودة ، تفهمت الوضع على مضض إلا أن أمره بدأ يستفحل في صعود مثير ، لقد صار الرجل بدون وعي يدك برجليه الأرض دكا كان حظ كعبي الأيسر من ذلك ضربة قوية أوجعتني ، اقتربت منه لأهدئ من روعه ، وجدته محلقا في السماوات العلا ، ابتعدت عنه قليلا بشق الأنفس ، دامت راحتي بضع دقائق ، سجل هدف ، قام خفيفا هذه المرة يرقص ويصرخ عاليا اختل توازنه فسقط علي كالجدار .
– ” ماذا أفعل مع هذا المخلوق الذي ساقني القدر إلى جانبه ” ،
همست كالمجنون وأنا أتحسس ألما في رقبتي ، تحرك إحساس عابر في نفس الرجل المنتشي ، اعتذر بسرعة وقبل رأسي ، دعاني لأقترب بجانبه ثانية ، لكن كان لدي خيار آخر .
ناديت على النادل بصعوبة ، التمست منه أن يأخذ مقعدي إلى آخر نقطة من جغرافية المقهى ، وأكمل فرجتي بأقل الخسائر الممكنة خير من مكوثي قرب بركان ينذر بالانفجار في أي طور من مقابلة كبيرة مثيرة .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع