أخر تحديث : الثلاثاء 30 مايو 2017 - 1:06 صباحًا

فسيفساء ـ الجزء الأول

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 30 مايو, 2017 | قراءة

جمال عتو
استيقظت ولم يتنفس الصبح بعد ، لم أحلم قبل ذلك بشيء ، فعلى ما أظن أن معين الحلم سائر في النضوب ، فلا مجال للورد أمام غبار الأنقاض ورائحة الدم والبارود ، استيقظت على زقزقة عصفور غريب ، يشدو للربيع كما يبدو لكن من كثر ترديدهم أن الربيع صار خريفا كئيبا في وطني الشاسع لم أستمتع بالطائر وبما يشدو.
2
وضعت الابريق المعدني الصغير تتراقص فيه معشوقتي السوداء على نار هادئة ، أشعلت جهاز التلفاز على لقطة ” اللمبي ” في دور ” كركار” وهو داخل الى مستشفى المجانين بعدما احترق جسمه جراء صعقة كهربائية بحمام منزله ليلة زفافه وارتماء زوجته من الطابق الأعلى ،
ـ ” أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ” ، همست ، غيرت القناة سريعا نحو ” ناشيونال جيوغرافيك ” ، ألفيت سباعا تعيش في سلام وأعينها فقط علر فريسة تسد بها رمقها ، ولاتريد فسادا في الأرض .
3
آثرت أن أواصل قراءتي لرواية ” فتاة في حالة الحرب ” للكاتبة الكرواتية العالمية ” سارة نوفيتش ” ، ــ”عجيب أمر هذا الغرب ، بهي في كل شيء ، فتاة لم تكمل بعد عقدها الثالث تمتح من ذاكرتها أحداث وطن ، تنتقل من بلدها الى الولايات المتحدة الأمريكية وتؤلف رواية في قمة الاثارة ، عندنا كتاب يبحرون في السبعين مازالوا يتحدثون بأفكار مراهقة عن الآتي الى عالم الحرف بقوة ، وعن المنسحب بقوة ، فهل من عنوان آخر لمثل هذه الهلوسات ؟ ” ، همست ثانية .
4
قطع استرسالي أزيز متصاعد في المطبخ ، لقد فاضت روح قهوتي السوداء ، ولم يبق منها الا القليل ، فتحت الشرفة المطلة على أشجار النخيل ، لا أدري متى علمتني تلك الأشجار أن السموق جميل ومرهب في آن واحد.
نسيم الصباح يداعب كل شيء بأريحية سرمدية ، عامل النظافة يسابق الزمن بنقل ما فضل عن البشر الى القمامة الكبيرة في زاوية الشارع الكبير، قطيع من كلاب ضالة تشبع رغباتها في صمت وانتظام ، قطة بيضاء خارجة للتو من بيت مهجور تتمرغ فوق العشب الأخضر بأمان ، هي الأخرى تمارس حقها الطبيعي بعيدا عن أعين المشاغبين وقهقهات المكبوتين ،
ـ ” ألست مشاغبا الآن ؟ ” ، ساءلت نفسي وقد حبست قهقهة دفينة .
5
” في الصباح شعرت بأنني أفضل حالا ، فقد أمضيت تلك الليلة بلا أحلام حيث أدى الاجهاد الذي أصابني نتيجة السفر الى أن أغط في نوم عميق في غرفة الجلوس الخاصة بلوقا …..” ،
يالها من مصادفة غريبة رغم أني لا أومن بالصدفة ، وصلت الى هذه العبارة وأنا أتابع قراءة رواية ” فتاة في حالة الحرب ” ، وجدتني أشارك نفس احساس الكاتبة الشابة ، اني أشعر فعلا بحيوية تسري في جسمي كما أني لم أحلم في الليلة الماضية قط ، لكن لم أسافر مثلها جسديا ، انما سافرت الى عالم الذكريات القديمة جدا ،
حان وقت نزولي الى قلب المدينة ، فعلى ما أعتقد أن السادسة صباحا من شهر أبريل وقت جد مناسب لمشاهدة المدينة في وداعتها ، غيرت ملابسي وأنا أعتذر لشاعرنا العربي الكبير ” نزار قباني ” الذي قال في حق مدينة القصر الكبير ابان الستينات : ” أجمل ما في القصر ليله ” ، ترحمت على الفقيد مرددا : ” أجمل ما في القصر صباحه ” ، فلو حل نزار بين ظهرانينا اليوم ورأى كيف تصير المدينة ليلا لأبدل بيته الشعري ببيت آخر .
( يتبع )

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع