أخر تحديث : الثلاثاء 20 مارس 2018 - 10:40 مساءً

سرد : الطفلة التي تسكنني …..

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 20 مارس, 2018 | قراءة

رجاء الوهراني :

كثيراً ما أجد نفسي أتذكر نفسي وأنا طفلة صغيرة، وأحياناً يكون هناك سبب يستدعي ذلك، وفي أحيان كثيرة دون سبب معلوم، لكن في الحالتين أشعر بغبطة وسعادة، وأتمنى لو عاد بي الزمن إلى الوراء، لكن غالباً ما أتذكر ألعاب وشقاوة الطفولة وبراءتها ،وكثيراً ما يحلو لنا نحن الكبار أن نجتر مفردات وتفاصيل هذه الذكريات البريئة وسط المشاغل والضغوط والمسؤوليات والأعباء اليومية، وكلما كان ذلك ممكناً، أو عندما تستثيرنا بعض المواقف أو الأحداث، فيتحرك شريط الذكريات بكل تفاصيلها، والطفولة مقرونة باللعب والألعاب ، ربما كجيل لعبنا كتيرا كنا نعوض الفراغ ورتابة الوقت باللعب ، فبرامج التلفاز لا تبدأ إلا الساعة السادسة والنصف وتنتهي في الحادية عشر والربع وجهاز التلفاز له مكانته يتصدر الصالة مغطى بمنديل مطرز يحجبه عن الناظرين ، لم تكن التكنلوجيا قد هجمت بعد ، لعبنا يقتنيها لنا آباؤنا يوم عاشوراء وباقي الأيام نعمل على صنعها بأيدينا نصنع الدمى من القصب ونتفنن في إلباسها أزهى الأثواب نقتطع أمكنة من الدرب ونفرشها ونسميها “دويرتي ” تصغير لداري ،أما الذكور كانوا يصنعون دراجاتهم من القصب والأسلاك وعلب القصدير ويتفننون في تنميقها بينما نلجأ نحن البنات إلى لعب “شريطة ” عبارة عن مربعات نجتازها عبر قوانين ونحن ندفع حجرا مسطحا او نلعب الحبل نقفز عليه وهو يدور ونحن نردد أغنية للاطامة العالية ” الأغنية التي توارتتها أجيال بنات المدينة ، اذكر أنني كنت آخذ الحبل معي في محفظتي إلى أن يحين وقت الاستراحة أخبئه تحت معطفي واهرع إلى الساحة وأكون صاحبة الحبل القائدة الوحيدة للعبة أشرك من أشاء وأقصي من أشاء .
كانت ألعابنا تمتد إلى وقت متأخر خصوصا في أماسي الصيف الطويلة ، يدب الملل إلينا من لعبة ونغيرها بلعبة أخرى تتطلب الحركة والجري “صالبا” لعبة الإنقاذ نجري لننقد صديقاتنا المحتجزات في “الباية ” لدى الفريق المنافس وقد يدب ألينا العياء لنتحول إلى لعبة “حلي” حصوات ملساء تتطاير في الهواء وعلينا أن نبرع في التقاطها حسب قوانين دقيقة ومراحل تزداد وعورة تتطلب مهارات خاصة ، كان بعض الذكور يعمدون إلى مشاكستنا لإفساد ألعابنا ، كنا نتصدى لهم نحمي ألعابنا ونحمي عالمنا الأنثوي من الهجوم الذكوري .
عالمي لم يكن يتجاوز زنقة للا عائشة الخضراء وفران “الكوادرة ” اذا ما تجاوزت هذا العالم ووصلت لحي “المطيمار ” اعتقد انه نهاية الدنيا ،أعود مسرعة وقلبي يخفق من الخوف ، الخوف ممن يسرقون الأطفال ويأخذون أكبادهم وعيونهم وكثيرا ما توجست من أشخاص ربما كانوا مجرد عابرين ، أعود وانا الهث لأجد أمي بالباب تنادي علي وتسال رفيقاتي ، إلا أنني ما آن اشتد عودي قليلا حتى اقتحمت عالما ظل حكرا على الذكور ، استهوتني “البشكليطة ” الدراجة الهوائية “البيكالا “بلغة الوقت ، يستأجر أبناء خالتي دراجة ويمنحاني فرصة الركوب وممارسة لذة الامتطاء وكثيرا ما اصطدمت بجدران الدروب الضيقة
هي لحظة خاصة جداً أعيشها الآن، لحظة تعيدني إلى سنوات وأحاول أن ابقي تلك الطفلة حية في ذاتي

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع