أخر تحديث : الإثنين 2 أبريل 2018 - 7:48 مساءً

ساعي البريد

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 2 أبريل, 2018 | قراءة

محمد الجباري
أكثر ما يشغل بالي في هذه المدة القصيرة التي تفصلني عن يوم تقاعدي من وظيفة “ساعي البريد ” هو من سيأتي من بعدي ليخلفني؟ من سيحمل على كتفه هذه المحفظة البنية التي أضع فيها رزمة الرسائل ، ويضع على رأسه قبعتي ويركب دراجتي؟

لا يكفي ان تكون ملما بخريطة القرية وتعرف كل دروبها المتشعبة وأزقتها وعنوانين بيوتها المتفرقة لتكون ساعي البريد، الناس عادة لا تنتبه لساعي البريد إلا في جولته الصباحية أو المسائية وهو يجوب القرية طولا وعرضا يوزع الرسائل، لكن عمل ساعي البريد يبتدئ قبل ذلك بكثير وبالضبط في آخر كل مساء حين أقف في المحطة بجانب الرصيف رقم خمسة ، هناك تتوقف لدقائق الحافلة القادمة من مدينة روتردام حيث مركز البريد، أنتظر أن يرمي إلي صبي الحافلة بظرف كبير يحوي رسائل القرية ، ربما علي أن أنتظر في بعض الأيام لغاية الصباح لو أن الحافلة أصابها أي عطب في الطريق واضطرتْ للتوقف ، كما أن صبي الحافلة غالبا وحسب تجربتي الطويلة فهو شخص غير جدير بالثقة، لا أدري لماذا هؤلاء الصبية في مجملهم أغبياء لا يقدرون حجم المسؤولية التي على عاتقهم، ذات مساء عوض أن يسلمني صبي الحافلة الثخين والأبله ظرف رسائل قريتي أعطاني ظرف قرية أخرى، ولم أنتبه للأمر إلا عندما وصلت للبيت، فعدت إلى المحطة من جديد أنتظر عودة الحافلة في الصباح الباكر ، الناس الذين كانوا ينتظرون رسائلهم ويلومونني أني تأخرت نصف ساعة كاملة عن جولتي الصباحية وتركتهم ينتظرون، لا يستوعبون أنني انتظرت هذه الرسائل ليلة كاملة دون أن يغمض لي جفن.

في المساء أجلس إلى مكتبي وأفتح بعناية وبواسطة آلة حادة تشبه السكين الظرف الكبير، من المهم جدا أن لا يصيب الرسائل أي تلف أو عطب جراء عملية فتح الظرف ، أرتب الرسائل حسب عناوينها، حصة الصباح أخصصها للجزء الشمالي والذي يقع في الضفة الأخرى من النهر الذي يمر وسط القرية، غالبا ساعة الظهر أكون فوق الجسر الذي يعتلي الوادي عائدا إلى الجزء الجنوبي، في أحايين كثيرة أكون مضطرا أن أغير من هذا البرنامج لتوزيع الرسائل، كما حدث قبل عشرة أيام وأنا أفتح الظرف الكبير وجدت بين رسائل ذلك اليوم رسالة إلى السيدة ديانا من ابنتها ليزا ذات العشرين سنة والتي اختفت قبل أسبوع دون أن يدري أحد مكانها، رأيت ديانا بالأمس في السوق كانت في حالة سيئة جدا وهي تسأل باكية كل من يصادفها عن ابنتها المختفية، أخذتُ ظرف رسالة ليزا وصرت أستنشق ورقه ، فقط ساعي البريد من يستطيع قراءة الرسائل وهي ماتزال داخل اظرفتها ، شممت عطرا أنيقا قادما من ورق الرسالة، لعلها أخبار طيبة اذن، فالناس عادة لا تحتفي بالحزن بكل هذا العطر، لم انتظر حتى حلول الصباح بل ركبت دراجتي وقصدت بسرعة بيت ديانا، رغم كبر سني شعرت وكأنني أطير فوق الجسر، فالفرح الذي شممته داخل الرسالة قد منحني أجنحة جعلتني أستغني عن المشي. تارة أيضا أكون بطيئا جدا في إيصال رسالة إلى وجهتها، فخلال حرب هتلر الأخيرة وحين عمدت الحكومة إلى استدعاء مجندين جدد لدفعهم إلى جبهة القتال، كنت احتفظ داخل حقيبتي برسالة من الجبهة العسكرية إلى السيد وليام، أكيد تدعوه للالتحاق بالجيش ، ربما هذا الخبر سيكون حزينا جدا وقاسيا على زوجته التي تعاني منذ الأمس المخاض وعسر الولادة، فما الضير لو تأخرت الرسالة يومين أو ثلاثة حتى تضع هذه المسكينة وليدها ؟

ربما انكم تستوعبون الآن أن مهنة ” ساعي البريد ” تتطلب أشياءً أخرى غير الإلمام بخريطة القرية ومعرفة كل دروبها المتشعبة وأزقتها وعناوين بيوتها المتفرقة… المشكلة كيف أشرح ذلك لزوجتي وهي تُلِّح علي باستمرار أن أتوسط لإبني عند مدير مركز البريد ليخلفني في هذه المهنة كما ورثتها أنا أيضا عن والدي، زوجتي لا تستوعب أن ابنها المستهتر دوما والذي ينام النهار ولا يصحو إلا في الليل لا يُؤتمن أن يكون ” ساعي بريد ” القرية.

كم تمنيت لو كان ابني يشبهني، وأنا طفل كنت أحرص أن أستيقظ مع الفجر لأتناول الفطور الذي يهيئه والدي، صحن الشعير باللبن الساخن، ثم أتسلل إلى الحديقة الخلفية حيث الدراجة التي يركنها أبي قرب شجرة التوت الكبيرة، فكنت أقفز إلى مقعدها الخلفي أنتظر قدومه، لن انسى ابدا ضحكته كلما رآني أمد إليه حقيبة الرسائل فيضعها على ظهره ويركب الدراجة وننطلق ، كنت ألف ذراعيّ حول خصره وأضع رأسي بجوار حقيبة الرسائل أجعلها تتوسد معي ظهره الفسيح، كانت الطريق ممتعة جدا ونحن نمر بجوار البراري والمروج وأشاهد الفلاحين البسطاء من بعيد ينشدون أغاني الصباح وهم في طريقهم إلى مزارعهم وضيعاتهم. لكني بمجرد الاقتراب من الجسر الذي يعتلي النهر كنت ألتصق اكثر بظهر والدي وأدفن رأسي تحت حقيبة الرسائل وأغمض بشدة عيني ، كان شائعا بين صبيان القرية أن الأرواح الشريرة تسكن الوادي، على بعد أمتار من الجسر تستقبلنا كل صباح السيدة خولا، نجدها كعادتها تقف على عتبة منزلها الصغير ، امرأة في العقد السابع من عمرها، خمارها الأبيض الطويل المتدلي من رأسها لم يكن ليخفي خصلات من شعرها الأبيض، أخاديد غائرة لتجاعيد وجهها تجعلك تعتقد أن الألم قد وصل إلى مراحله النهائية وصار يلامس العظم، ابتسامتها الصغيرة لنا كان يفضحها بريق نظرات عينيها الخائفتين والحزينتين، أسمعها تقول برجاء ككل مرة وبصوت متكسر يدعو إلى الكثير من الشفقة: ” هل من رسالة من ابني جورج ؟” ، فيطأطئ ابي رأسه ، اشعر وكأنه من خجله لا يستطيع النظر في عينيها الدامعتين، فيظل أبي صامتا لمدة طويلة قبل أن يسترجع نشاطه وحيويته.

عرفتُ من ولادتي أن جورج كان يشتغل بحارا وقد غادر قبل سنة القرية إلى باخرته الراصية في ميناء روتردام القريب، وفي اليوم الموالي استيقظتْ القرية على خبر فاجعة باخرة الصيد التي تهشمت وسط بحر الشمال وفقدان كل طاقمها في مكان معروف بوفرة اسماك القرش المفترسة، اقتنع الجميع بعد كل هذه المدة بموت جورج غرقا، حتى خطيبته الحسناء مريا فسخت خطبتها من جورج وتزوجت قبل شهر، بينما قِس كنيسة القرية ما فتئ يدعو كل يوم أحد بعد القداس لجورج بالرحمة في الحياة الأبدية، فقط السيدة خولا من ظل يعتقد رغم مرور أكثر من سنة بأن ابنها قد يكون بخير، فربما استطاع أن يركب لوحة وسط الأمواج العاتية إلى احدى الجزر القريبة، وقد يبعث برسالة في أي لحظة يخبرها بنجاته وقرب عودته للقرية.

بت متيقنا من أن السيدة خولا لن تستطيع أن تقاوم المرض طويلا فبدت ذاك الصباح وهي جالسة على كرسي بجوار باب منزلها تنتظر ساعي البريد هزيلة جدا، كانت تتنفس بصعوبة ، لا يفتر قفص صدرها من الاهتزاز صعودا تارة ونزولا تارة أخرى، وبيدها المرتعشتين كانت تضع منديلا أبيض فوق شفتيها اليابستين تحاول مقاومة سعال حاد لا يتوقف حتى يعود، سمعتها تقول بصوت رقيق ومتعب: ” هل من رسالة من ابني جورج؟” .

في ظهيرة ذلك اليوم سافر والدي إلى مدينة أمستردام فذهبت في المساء إلى المحطة أنتظر الحافلة القادمة من المركز عند الرصيف رقم خمسة، رمى لي صبي الحافلة الظرف الكبير وعدت جريا إلى البيت، وأنا أرتب الرسائل حسب جدول العناوين كما علمني والدي شهقت من هول المفاجاة، وجدت رسالة من السيد جورج إلى والدته خولا!

لم أفكر طويلا، أخذت الظرف وصرت أعدو، من العبث انتظار الصباح حتى يعود والدي، شعرت وكأني أتحدى الموت الزاحف بسرعة إلى السيدة خولة ، حتى عندما وصلت إلى الوادي ليلا لم أخش الأرواح الشريرة، كنت أعبر جريا الجسر، فأنا الذي يُسابق الموت كيف أخشى أشباح النهر؟

تركتُ السيدة خولا تستمتع برسالة جورج التي انتظرتها طويلا وعدت من جديد إلى البيت ، ولأن الموت لا يأبه بالمشاعر والعواطف فلقد توفيت السيدة خولا في بحر ذلك الأسبوع قبل عودة جورج إلى القرية كما أخبرها في رسالته .

ذهبتُ رفقة والدي إلى العزاء فاستقبلنا زوج السيدة خولا بحفاوة وعانقني وهو يخاطب والدي :” أشكر ابنك الشجاع فلا تتصور كم كان فرح خولا بالرسالة ، أعتقد أنها خلال الأيام الأخيرة بعد وصول الرسالة عاشت أسعد أيامها “.
ثم انحنى يهمس لوالدي فسمعته يقول :” لكني اشك أن جورج سيعود من جديد، كما أني أشك أن الرسالة كانت بخط يده، لا أدري لكني أميل في الاعتقاد أن الرسالة بخط يدك أنت، ساعي البريد ”
طأطأ أبي رأسه قبل أن يقول : ” في بعض الحالات الإنسانية الخاصة جدا لا يكتفي ساعي البريد بتوزيع الرسائل فقط بل بكتابتها أيضا” … فتعانقا

أكيد انكم تستوعبون الآن أن مهنة ” ساعي البريد ” تتطلب أشياءً أخرى غير الإلمام بخريطة القرية ومعرفة كل دروبها المتشعبة وأزقتها وعناوين بيوتها المتفرقة…

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع