أخر تحديث : الخميس 26 أبريل 2018 - 10:44 مساءً

خينينار..

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 26 أبريل, 2018 | قراءة

نجيب كعواشي
في حقبة البقرات العجاف كان إذا رن في جيوب أحدنا درهمان فإنه يعد غنيا. كان ثمن تذكرة ( خينينار )، في سينمات المدينة الثلاث، وهي المقاعد الرخيصة في هذه القاعات، والقريبة جدا من شاشة العرض، يكلف أربعين سنتيما. مقاعد خشبية طويلة، باردة وصلبة، وبدون مساند للظهر، وقوائمها الحديدية مرشوقة في الأرضية الأسمنتية، لكن أغلبها كان، وظل بعد ذلك، زمنا طويلا متخلعا، كضروس منخورة ومتهالكة.
يفصل مقاعد ( خينينار ) عن مقاعد ( بوتاكا ) جدار لا يتجاوز علوه أكثر من متر وخمسين سنتيمترا. وحدهم المحظوظون، والأقوياء، من يظفرون بها، أسفل الجدار العازل، لأنهم يسندون إليه ظهورهم. أما نحن الوديعون، عندما يسوء حظنا في العثور، مبكرا، على أماكن، على المقاعد الخلفية، أسفل الجدار، أو عندما نتأخر في حجز التذاكر، لحظة يفتح الشباك، كنا نضطر، بكل قدرية، إلى الرضى والاكتفاء بالجلوس، غير المريح، على المقاعد المتقدمة، ونعاني جراء رفع أنظارنا، والحملقة، مدة طويلة، في إزار الشاشة البيضاء العالية، ما كان يتعب أعيننا ورقابنا ومؤخراتنا الصغيرة، التي تتبنج وتتنمل من فرط الجلوس الطويل المتعب. ثم إننا في المرات القليلة التي ننجح فيها في الحصول على أماكن، في أقصى الخلف، أو بعيدة عن المقاعد المتقدمة، لم نكن نستطيع مد سيقاننا إلى مسافة أبعد، دون المخاطرة بالدوس على قدمي المتفرج الذي أمامنا. والنتيجة لكمة أو صفعة أو بصقة، وفي أحسن الأحوال، يسب المتضرر، بكل وقاحة العالم، فرج أمهاتنا أو دينهن. أما تلقي أعقاب السجائر الرخيصة الحارقة، التي تقلع من الخلف مشكلة جسرا جويا، من آخر مقعد من مقاعد ( خينينار )، أو حتى من المقاعد الأمامية ل( بوتاكا ) نفسها، المتاخمة للجدار الفاصل، فشيء شبيه بطقس المقالب المهينة ( البيزوطاج )، التي يذهب ضحيتها الطلاب الجدد، وتعد من توابل وثوابت الإحساس بالتشويق، ومن ” شروط ” الفرجة السينمائية.
ذات يوم، وأثناء اللقطات الأخيرة لأحد أفلام الجريمة، داهمني الألم القوي لحاجة ملحة كادت تفتك بمثانتي. أخرجت، خلسة، من فتحة سحاب سروالي القصير، قضيبي المنتفخ، وخشية أن أفعلها على نفسي، ضاغطا بإبهامي وبأصابعي الأربعة على فتحته، كي لا ألطخ، بشكل فاضح، الأرضية الأسمنتية، وتبولت.. للكن رذاذ بولي الدافىء، تناثر، كنافورة صغيرة، قوية الصبيب، ورش ساقي متفرج راشد، أمامي. التفت إلي، هذا الأخير، مذعورا، في البداية، ثم حانقا، ورسم قبضة تيزونية، لكنه عدل عن ذلك، لما انتبه إلى ضآلة حجمي. كظم غيظه، والتفت أمامه، كأبله، نحو الشاشة، كي يكمل الفرجة، ولا يفلت اللحظة الأنطولوجية لسقوط زعيم العصابة على يد البطل. أما تلك الرائحة ! رائحة العفن المنبعثة من جهة اليسار، من مرحاض ( خينينار )، الخنازير نفسها، وبكل قذارتها، لن تستطيع الصمود، دقائق معدودة، لانبعاثات الأمونياك النفاذة، ونتانة البراز الصلب الطافي فوق ماء ثقبة المرحاض.
قليل من المتفرجين من كان يجرؤ ويجازف بالقفز على الجدار العازل للالتحاق ب( بوتاكا ). قد يفضحك الصفير المزعج الهادر لزبناء ( بوتاكا )، أنفسهم، إذا زينت لك نفسك ذلك. متفرجو ( خينينار )، الخبثاء منهم، وهم الأغلبية، قد يفضحونك، وقد يوشي بك أحدهم، أيضا، لأنك فكرت وبحثت عن الارتقاء، بكل أنانية وانتهازية، من طبقة سفلى إلى طبقة أعلى، حسدا من عند أنفسهم، وأنكرت بذلك انتماءك الطبقي. حارس قاعة السينما، ذو البروفيل البيدوفيلي، والذي يحمل ملامح مجرم بالسليقة، ولا شك أنهم أفرجوا عنه حديثا من السجن، فيبدو كسيربيروس، الكلب الحارس الجحيم، دائما بالمرصاد لمثل هذا ” الانتحار ” الطبقي، وقد لا يكتفي بإرجاعك، وخدك صاغر. إلى ( خينينارك )، بل قد يطردك من ” جنة ” الشاشة الفضية، بعد أن يقطفك، من رقبتك، كجرو ضال. الفرجة من ( بوتاكا ) لا تعني أبدا أنك غني. لذلك فالوفاء ل( خينينار ) لا يمليه غير هاجس ” ترشيد النفقات “، وإطالة حبل متعة الدخول، أكثر من مرة. فثمن الفرجة الواحدة من ( بوتاكا ) يساوي، تقريبا، ثمن دخلتين ل( خينينار ). الدرهمان يؤمنان فرجة أربعة أيام، وتفضل في جيبك أربعون سنتيما، كمصاريف مخصصة لاقنناء الزريعة أو الفول السوداني أو الحمص.. ( بوتاكا ) ليست بذلك الترف. مقاعدها أيضا من خشب صلب وغير سميك. فقط تتوفر على مرتفقين ومسند للظهر، للجلوس المريح في أدنى شروطه.
في العطل المدرسية كان الدخول للسينما خيارنا الوحيد. نحن، أبناء القاع المكتظ، لم يكن في استطاعتنا أن نذهب لنصطاف في المدن الساحلية. في الشهور الثلاثة للعطلة الصيفية الكبرى. كنا نحج إلى البحر يوما واحد فقط، أو يومان، مستقلين الحافلة، إلى العرائش، أو إلى أصيلة، على متن القطار، ودائما في مقطورة الدرجة الرابعة، حيث الكراسي خشبية، وغير مريحة، ولا وجود للتكييف، ونعود في منتصف الليل من أصيلا، وعند غروب الشمس من العرائش. وبعد ذلك نودع البحر، ونظل نحلم به إلى غاية حلول العطلة الصيفية القادمة، وقد تمر عطلات صيفية دون أن نرى فيها البحر. كنا نعمل في نجارة القصب المتمركزة حصرا في حينا. وكنا نحتكر كل مناصب الشغل، ونستحوذ على جميع التخصصات. لأننا كنا ماهرين في نجارة القصب، وشربنا، على الرُّغم من صغر سننا، حرفة صناعة السلال. ابتداء من نجارة القصب، وشقه، إلى جدل السلال وتضليعها.. حتى تلفيف حافة فوهتها بقصب واسع القطر.. لم يكن يجرؤ أعتى غريب عن حينا، على طلب العمل، إلا إذا نحن وافقنا على ذلك، أو ضمنّٓا، مسبقا، الحصول على الشغل، ووفرنا ثمن تذكرة الدخول، بحيث نجيز له أن يطلب العمل من ” المْعْلْمين “. كنا نهبط إلى المدينة على الساعة العاشرة صباحا، وننتظر أن يعلق المتطوعون، في أعلى يمين إحدى واجهات سوق المدينة المركزي، ملصقات الأفلام، التي ستعرضها السينمات الثلاث. كان يشاع أنك إذا تطوعت، وساعدت في حمل الملصق، انطلاقا من باب إحدى القاعات، على عربة بعجلتين. وسقتها، وساعدت في تعليق الملصق، فإنه بإمكانك أن تتقدم إلى شباك التذاكر، لحظة بداية العرض، وتذكر العون الذي يقبض التذاكر عند الباب، أنك ساعدتهم، صباحا، في تعليق الملصق، فيسمحون لك بمشاهدة الفيلم مجانا..
كنا نقرأ عناوين الأفلام، ونتفرج على الصور المعلقة أعلى وعلى جانبي الملصق، ونبحث عن الملصق الذي تزخر بكمية أكبر من سواها، من العنف والدم والقبل، ونتفق على مشاهدتها، جماعة. ثم نعود إلى الحي، وننجر القصب. وعندما يتجمع لدينا ثمن التذاكر، نتوقف، في وقت واحد، عن العمل، ونتقاسم، فيما بيننا حصة المتأخرين، ونعود إلى منازلنا، ونكتفي، كالقطط، بغسل وجوهنا، وأطرافنا، فقط، ونتناول غذاءنا، بسرعة، ونجتمع كي ننطلق، قبل الرابعة زوالا، نحو بوابة السينما، منتظرين أن تشرع الشبابيك في الافنتاح، وبيع التذاكر. وكثيرا ما كنا نعود إلى الملصقات لنراجع اختيارنا لهذا الفيلم، دون ذلك أو ذاك. وقد يحدث أن يكون أحدنا شاهد فيلم اليوم، في وقت سابق، وحكى لنا عنه، آنذاك نحاول إقناعه بإعادة مشاهدته، برفقتنا، أو يقنعنا هو بالتخلي عنه لصالح فيلم مغاير، بقاعة أخرى، على أن اختيارنا، دائما، لمشاهدة فيلم، دون سواه، كانت تمليه، بشكل أساس، نوع من السادية والرغبة في رؤية الدماء والمعارك وأزيز المدافع الرشاشة، والتلصص والقبل الطويلة. وبعد أن نغادر قاعات السينما، اعتدنا أن نعرج على الملصقات لنقف عند اللقطات التي سرقها الرقيب، وكانت السبب في عاصفة الصفير الاحتجاجي الذي انفجر أثناء عرض الفيلم، ممزوجا بفيلق من السباب البديء، الذي يوجهه المتفرجون، عن بكرة أبيهم، إلى عدو وهمي، يندس خلف كوة في غرفة العرض، في أعلى القاعة وتطل عليها، ومنها ينطلق شعاع طويل مائل، يصطدم بالشاشة البيضاء. وكنا أحيانا أخرى نقلد، حرفيا، بعد أن نخرج من قاعة السينما، كل معارك فيلم الكاراتيه. الذي شاهدناه قبل قليل، ننقسم إلى عصابات من الخيرين والأشرار، ونصفي الحسابات مع بعضنا، أو ندخل في عراكات مع أطفال الأحياء التي كنا نمر منها، زارعين فوضى صغيرة بحجم طفولتنا، وعلى مقاس شقاوتنا.. ولم يكن الأمر يسلم من الجروح الطفيفة، والكدمات السطحية والتوعكات متفاوتة الإيلام، نصبب المعسكرين من هذه الغارات.. كان أقصى يمين واجهة مبنى السوق المركزي مخصصا لسينما اسطوريا التي تخصصت في أفلام الجريمة والحركة، وفي الوسط سينما ” السويقة ” أو سينما ” بيريز كالدوس ” المتخصصة في السينما الهندية والعربية، أما أقصى اليسار فتشغله ملصقات أفلام سينما ” المنصور ” التي اشتهرت بأفلام الكاراتيه والكاوبوي. وقد تعلق ملصقات أفلام الجريمة والحركة، على غرار اسطوريا. أما في الأعياد، والمناسبات الدينية، والوطنية فكانت القاعات الثلاث تجود علينا بحصتين: كاراتيه-جريمة، كاراتيه-كاوبوي. عربي- هندي، حرب-جريمة.. إلى آخر الاندماجات الممكنة..
أحيانا تتحفنا سينما اسطوريا بأفلام سويدية إيروتيكية، من إفرازات الثورة الجنسية، في أواخر الستينيات والسبعينيات، أو أفلام إيطالية خليعة، بطلها Alvaro Vitali، الممثل الأحول المكبوت، الذي لا حظ له في رؤية مدرسته Edwige fenech، تتعرى في الدوش، أو تغير ملابسها الداخلية في غرفة نومها، بعد أن يرتب له زملاءه، خطة للتلصص عليها من ثقب في الحائط أو عبر منظار، أو سرقة تبانها المثير، والاستيهام به.. ونحن أيضا كمتفرجي، لم يكن حظنا أفضل من ألفارو فيتالي في رؤية وجبة جماع كاملة كاملة، وكل ما نستطيع الحصول عليه هو انتصاب لا مستقبل له عند رؤية خاطفة لثدي أو مؤخرة أنثوية هاربة..
كان ( خينينار ) وكرا للمستمنين على هذه الأفلام الكوميدية الإيروتيكية. وكان جل المتفرجين أصحاب الجلابيب يثيرون شكوكنا وارتيابنا حول ممارستهم العادة السرية، وحول ميولاتهم الجنسية المشبوهة. وغالبا كنا نتحاشى أن نجهر، أمام بعض من أقراننا، ممن لا ينتمون لشلتنا، بالذهاب إلى السينما، لمشاهدة هذه العينة من الأفلام، عندما كانت تعرض، وتعرف ذروة في المشاهدة والارتياد. كنا نتصرف، وكأننا لا نعرف بعضنا، وكأن الحدث لا يهمنا، فقط لكي ننوم إحساسا بالذنب، ونخفي حرجا مكشوفا ومشتركا يشبه سر البوليشينيل..
( خينينار ).
حينما كنت تمسك بتلابيبنا.. !؟

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع