أخر تحديث : الثلاثاء 10 يناير 2012 - 12:09 صباحًا

نذير القارعة

ذ. غريب الغرباوي | بتاريخ 10 يناير, 2012 | قراءة

الكابوس:

عندما رأيتها تشفط حزمة البقول حسبتها امرأة من حينا جاءت إلى المقبرة لتأخذ وجبة من هذه الأعشاب التي تكسو مقبرتنا بخضرة مدهامة كلما حل الشتاء. بحثت عن أستي فركنتها زافرا على قبر. كانت كتبي محشورة في صرة تقرفني . قلت في نفسي الغضبى”المقبرة التي ظللت أرتع فيها وألعب سبع سنون لا يمكن أن تفضلها المدرسة بشيء . ألقيت صرة الكتب بين قدمي ثم ركلتها. التفتت المرأة الملفوفة في قمصان مزركشة، كان محياها مليء بالذعر والريبة غير أنه ماعتم انبسط. افتر الثغر الجميل عن شفتين دقيقتين تعروهما بعض قسوة ثم ران عليه الهدوء والسكينة وراحت الكلمات الحانية تنساب بنغم مشبوب بلوعة ما. أحسست لحظتها أن تلك الدموع التي تدفقت من فورها من مآقيها مجرد أحبولة لإيقاعي بين براثنها. كلمات ندية مازلت أذكرها وما تزال تعتمل في اهابي. كانت تتخضب بحزن غلاب :

  تعال أيها الغزال! تعال لكي أحضنك ولو لحظة، لقد تركني ورحل إلى امرأة أخرى، لتكن ابني أرضعك أبدا حليبي.ها هما ثدياي !

ابتسمت لي بود ثم طفقت تغريني بشيء ما. زحزحت أستي متوجسا من نظراتها الماكرة ثم أطلقت العنان لرجلي.وقعت كرات على القبور المرصوصة حتى كانت يدا الشكري تتحراني لتمسك بي فطفق يهدئ من روعي وأنا أصيح ماما! ماما!

احذر يا بني هذه المقبرة! إن تلك المرأة اللعينة ما تزال تختطف الصغار حدجته بنظرة متوجسة سائلا:

 وأين تأخذهم؟!

رنا إلي بفتور ثم قال لي محذرا:

إنها تأخذهم إلى هناك خلف الوادي ثم تصنع منهم أشجارا صغيرة ونباتات قصيرة وبعضهم تصنع منهم أحجارا.

حرزت بمنطق طفولي: الوادي الذي يسبح فيه أشراس حينا من صنع هذه المرأة اللعينة؟!

يحدرني الشكري بنغم كسير كأنه يرثي كل الأشياء التي ضاعت أيام فيضانات الستينيات. ثم يستوفز لركوب طنبره ثم يطبطب على متن الجواد الذي تنمر للسوط الملعلع ثم يرسل هذا الاخير حمحمته و هو يلتهم المسافة التي تفصل المقبرة عن السكة الحديد. تلك المرأة قد رحلت في اتجاه السكة الحديد وقد قفا أثرها الشكري. لماذا يرحلون في ذلك الاتجاه يا ترى؟! قررت بعناد أن أرحل يوما في ذلك الاتجاه أنا أيضا. عندما عزمت أن أشق طريقا في ذلك الاتجاه.أرغمتني راحة أمي على ترك حلم كان يرحل بي إلى حيث أريد.أمي تدغدغني براحتها تريدني أن أكون تلميذا مثل صبية الحارة في مدرسة السدراوي.تركت الفراش تحت وطأة الإغراء بكعكة.كفكفت دمعي الساخن فأولجتني المدرسة متذمرا.

المدرســــــة:

ظللت أرنو إليها بشغف. كان الوقت يسعفني لكي أتملى قسمات محياها المنموش.ليلى شقراء ولمياء. شعرها الأحمر جعلني أتغيي الدقة في المقارنة.المرأة التي كانت تشفط البقول لم يكن يرى منها إلا هذا وهذا. الوجه واليدين،وهذه تكاد تتعرى أمامنا مثل دمية أختي.أرجأت المقارنة إلى الحصص المقبلة لأنها أرغمتنا فجأة على مراجعة سورة القارعة لاستظهارها بعد ربع ساعة.أي بعد الاستراحة.عندما رن الجرس قررت الفرار. فكيف يا ترى أوازي بين لذة المقارنة والضيم الذي يحدثه الحفظ برأسي ؟!

عقلي الصغير الذي كان عليه استيعاب القارعة لم يرعو عن تفاصيل المقارنة. كانت ليلى تضاحك معلما وترسل زعقاتها.ألبستها أسمال البدوية فبدت لي سماجة مقرفة.حتى السوار الأبيض الذي راهنت عليه لم يواتيها ولم يرض فضولي المحرور.حدجت أقفية التلاميذ.كانت جامدة مثل شواهد أقبر جبانتنا الرحبة.وسيمة تهمس في أذني ‘لقد حفظتها البارحة’ لحظتها هويت على القارعة خشية القارعة لكن جرس الاستراحة رن فجاة.

وبعدما تركتني وسيمة التي ظلت تواسيني طيلة الدقائق العشر على عتبة المسجد الأعظم المناوح للمدرسة.فكرت في حيلة أمكر بها للمعلمة الغريرة.جمدت على عتبة المسجد بعدما تواريت خلف الطابور المنضود. كانوا مثنى مثنى.وضعت راحتي تحت أستي لتمتصا البرودة العارمة التي تنز من العتبة الإسمنتية حتى إذا قرعتني بعصاها فلن تسري سخونتها في راحتي المقرورتين.بدأ الطابور ينفرط. وسيمة تختلس نظرات مريبة.وأنا ألوح براحتي لها مغتبطا. تركت راحتي خلف عجزي لتمتصا المزيد من رطوبة الصباح.لم أتحسر على”الكالنطي”الذي لم ألتهمه مثلما فعل جل التلاميذ.كانت مجازفة لي خطيرة.ربما كان يمحق البرودة من راحتي و أتألم.كنت أتوارى خلف رضا و سلام منتشيا بأولى ساميات أفكاري في حياتي زغدت رضا فانتهرني.كانت هذه أول مرة أراه يذرف الدموع و عندما حرن علي سلام قبل أن أمد أصبعي الى كهيله علمت أن ثلاثتنا سننال العقاب. ادريس هوى على زاوية الطاولة المدببة فشج جبهتة ليتخلص من العقاب. مروا به مسرعين و بدئوا يتصايحون:

لقد أغمر عليه

فقد وعيه

نادوا على الإسعاف

تنمرت وكدت أزعق من هول الصياح المكرور والهمرجة الممزوجة بالنذير المشؤوم

غير أن اللعين حدجني وابتسم لي بود فأدركت و أنا في أيامي الأولى في مدرسة السدراوي أني غرير وخب قد تنطلي المكايد علي تترا.تواريت خلف تلاميذ كانوا يتزلفون للمعلمة لاستظهار القارعة.مررت بخفة كنمس مقبرتنا وجمدت في مقعدي خلف أنور و رشيد جسست راحتيا كرات.كنت مغتبطا لأنهما كانتا مقرورتين. فإذا نلت عقابا هذا الصباح فلن تنال مني العصا.

كنت أرمق حدقتيها بين فرج الأقفية وأنا أدلج من رعب يسلمنى إلى رعب لا يبرحني الا عندما أرنو الى راحتي فأنتشي للمكيدة التي ابتكرتها من بنات أفكاري الطفولية تبددت الرؤوس المتزلفة وانتفضت ليلى وهي تلوح بالعصا.تصادفت أولى أشعة الشمس الصباحية بذلك التلويح،كانت العصا تكسر الشعاع النافذ من تفاريج النافذة بايقاع موحي يدغدغني بإحساس ما. من حسن خظي أنى كنت كثير الشرود في طفولتي مع هموس الجمال تبرق في روحي بشعور شائق لا يبرحني إلا عندما تسنح السوانح الرعناء.

عندما أطبق الصمت أجالت المعلمة ناظريها على الصفوف الأربعة وانبرت تنادي بالأسماء وقد اجتاحتها سورة خيلاء أضرمت الهلع في دواخلنا.

ماذا لو لم تكن وسيمة النجيبة هي التي تشاطرني مقعدي. من الصف الأول قام ثلاث متهمون لم يتبث استظهارهم الشامل ولم يقم من الصف الثاني سوى أحمد بعد أن حرزت من نظراته أنها تخفي شيئا. سددت عصاها في بطنه فزغدته بقساوة. عندما بدأت خطوتها الأولى في اتجاه صفنا أحسست بالأطام يعتصرني رغم أني أفرغت متانتي في الإستراحة. الخطوةالأولى.الثانية.الثالثة.انشغلت بقرط وسيمة فنجوت من القارعة.الآن لا حاجة للمكيدة.اصطفوا جميعا في زاوية تحاصرهم المصطبة الإسمنتية والباب تغشاهم ذلة. تهمس لي وسيمة كرات:لا تخف نجوت فأنتشي بالكلمات الحانيةوأنتشي بقرطها الذي يغرقني في مروج و خلجان وأنتشي بالمكيدة.

مر كمال أمامي و هو ينتحب فنهاوى على مقعد خلفي. لقد نسي مقعده بسبب الألم فانتهرته سلوى التي كانت بدورها تتلو ى من الألم.

تنظر ليلى إلى رؤوسهم المحتشدة في الزاوية فتشعث شعر البنات بعصاها و تمررها على مواطن العفن في أجسادهن فتحتج،كنت بدوري أسخر منهن،أما الذكور فقد تضاموا مرغمين في أقصى الزاوية وقد أكرت عليهم غم كأنهم أطفال فلسطينيون تتحراهم أيادي صهيونية. كانت ليلى مكشرة تلوي شفتيها وتعضهما جراء حنق يعتصرها غير أن أساريرها انبسطت فجأة عندما رمقت المعلم مصطفى يمر و يلوح لها بيده خلف الزجاج الموصود.لكن سرعان ما تبددت تلك الابتسامة الغراء من محياها واستحالت إلى انقباض يشي برغبة في الانتقام. تلعثموا جميعا فانهالت عليهم العصا تضرب فوق الأعناق وتضرب منهم كل كاهل وانفضوا جميعا يلفظون الخنين المكظوم من حناجرهم الكليلة.

أحسست لحظتها أني أدهى التلاميذ في المدرسة وأمكرهم.أنا الذي طويت سبع سنون بين الصبار أذرع المقبرة دون خوف أكيد للأطيار والحشرات والخلان. وتعلن ليلى ابتداء حصة القراءة فشرعت الأيدي تطوح لها. وبإيماءة يطبق صمت لاهب على الجدران والأوجه المكدودة. وسرى توجس لم يكد يتبدد إلا مع طرقات الباب اللطيفة. يلج المعلم مصطفى الفصل ويصافح ليلى وعيناه تكادان تمرقان من محاجرهما. يختلس النظرات من خلفه خشية المراقب المشاكس. يدفعها فتتدافع بغنج وابتهاج تنفسنا الصعداء ورغبنا في الوشوشة للترويح. رمقت العصى وباتت لي رغبة في إبداء زعارتي المعهودة في المقبرة. همست لوسيمة:

أريد أن أختلس تلك العصى اللعينة وألقي بها بين أظلاف الصبار. وتتنمر وسيمة وتبدي رغبة في الوشاية فأرعوي عن حماقاتي المقيتة.

وتحرن علينا المعلمة فجأة فنلبي ثم تشيح.تلمس ياقة مصطفى، تمرر أناملها حتى تكاد تلامس الذقن، فيمرر مصطفى ناظريه على أساريرنا يرين عليها ما يشبه اكتمال العالم في لحظة حب أثيرة جعلتنا ننسى مآسينا مع القوارع كلها. وتنبثق من صفائح أوجهنا الساهمة كشوفات الوله والهيام تؤوب مع براءتنا إلى دواخلنا و تستحيل الى عتمة بيضاء ناصعة لا غبش فيها أو شية. وينصرف مصطفى فتنخلع قلوبنا من رقدتها. لقد تركنا لهواننا على معلمتنا نداري الكلمات النابية المحرورة بالترهيب يلفظها فمها القاني. انطبق المصراع فسرت حماسة من أفواه التلاميذ سادة ! سادة !.

تشجو سلوى خلفي

علم بلادي أحمر

عـ – عـ – عـ – علم

ب – ب – ب – بلادي

أ – أ – أ – أحمـر

شجو أغر وترخيم يضرم في طفولتنا لذاذة تمحض شفاهنا وأفئدتنا باشتهاأت غلابة. وحنين يأسرنا بانقباض أشبه بلحظة سريان أصوات ناي ابن الحلوفي في مقبرتنا يهش على عنزاته المطواعة. جسست جيبي الخلفي. فخ الدوري مزق الجيب. نزعته بحذق. ليلى تمصمص شفتيها وتشير على هشام بمتابعة القراءة. يتلعثم ثم يخب في القراءة الحصيفة. راحتي ما تزالان مقرورتان. عندما سحبت الفخ بالكامل هوت حبة حمص على الأديم فتدحرجت مطقطقة. تنمرت ليلى خلف مكتبها وطفقت تشايع حبة الحمص وهي تتدحرج بين قدمي هشام، بحثت عن يدي مددتها متوجسا و هي تمرر نظرة فاحصة لليد الممتدة لالتقاط الحبة. أمسكتها بأصبعي ثم أخفيت وجهي وراء ظهر هشام. أرسلت زفرة حرى من صدري. وسيمة تعض على يدها وتهمس لي”إحذر إنها قادمة” أمسكت أذني فكادت تمزقها. حرنت علي بزعقة مدوية :

“ماذا التقطت يا وغد”

أجبتها بصوت هامس

“حبة حمص وقعت من جيبي”

من حسن حظي مرة أخرى أن وسيمة ظلت جامدة ولم تنبس ببنت شفة فألهب قرطها الذهبي ناظري المعلمة فأبرقت عيناها ومضت تتفحصه بأناملها ووسيمة تكرع الحسرات علي أذني التي كادت تتمزق. مسحت على رأسها ثم يممت مكتبها غير أنها انتصبت بتنورتها الكستنائية فجمدت ثم استدارت. وصدح في إهابي نفير شؤم ينذر بمأتم ما. رفعت عقيرتها بنبرة تهديد. أجالت عينيها في الصفوف الأربعة تحدجها من أقصاها إلى أقصاها ثم استقرتا على القرط الذهبي فتقدمت في اتجاهي ثم زغدتني بحنق وعيناها تزمهران إعجابا بذلك القرط البراق وتحتج علي بنبرة مزمجرة

“وهل استظهرت القارعة يا وغد؟

تلعثمت وتدفقت الدموع من عيني. سحبتني إلى مكتبها. نزعت يدي المقرورتين ثم أمسكت العصى فهوت بكل قواها على يدي فزعقت من شدة ألم لم أكابده زهاء سبع سنون.و في حميا الألم الذي أصطليه و النحيب المتقطع الذي ينداح من بواطني بسبب الشرقان الذي كاد يرديني اجتاحتني رغبة في مغادرة المدرسة الئ الأبد و الذهاب في ذلك الاتجاه حيث ذهب الشكري على طنبره و تلك البدوية التي كادت تغريني ببراءتها التي لم ألمحها في معلمتي الأولى.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع