أخر تحديث : الأربعاء 12 نوفمبر 2014 - 11:34 مساءً

حلم من الدرجة الثانية

ذ. عبد الواحد الزفري | بتاريخ 15 يناير, 2012 | قراءة

Zefri_abdoo

ما هذا الذي حل بي؟! أكلما حلمت شيئا إلا وجدته يحدث أمام ناظري بحذافيره؟ الأحداث هي هي، وشخوصها بنفس الملامح والملابس أيضا، بل وبألوانها كما جاءت في حلمي؟. فهل هذا يعني أني صرت صاحب كرامات؟ أهذا تنبؤ؟ أ كُشفَ عني الحجاب؟ هل تحولت إلى ولي من أولياء الله؟ وما يزيد الأمر غرابة واستعصاء على الفهم؛ أني لا أستطيع تغيير مجريات الأحداث أو التغيب عن زمن وقوعها، حتى وإن كان الأمر سيسوؤني فلابد لي أن أسير نحو مصيري كما يسير البعير نحو النهر وقت عطش، وأن أتحمل توابع كوابيسي، وأعيش إحباطاتي وصدماتي أولا بأول، وأكرر الدور الذي عشته في المنام بتفاصيله الدقيقة دون زيادة أو نقصان، أو أي اجتهاد قد يؤثر على سير مجريات الأحداث، لا أدري كيف أُمنعَ من القيام بإجراءات قد تؤثر إيجابا لصالحي؟ شيء ما يوقفني أو يحركني في اتجاه مسار مسطر سلفا؛ أعرف أنَّى مبتدأه وأنَّى منتهاه، لكني أساق لفعله كالمسحور المغلوب على أمره، لا أفعل إلا ما فعلته في أحلامي. الحاصل، فيلم أعيد مشاهدته والمشاركة فيه كلما صحوت.
ماذا حل بي؟ صرت لا أستطعم مذاقا لحياتي بعدما انتفى منها عنصر التشويق والمفاجأة، ما أقبح أن تصير ببغاء يردد حوارات حياة رتيبة! وما أصعب أن تذهب للبحث شخص ما في مكان ما في آخر الدنيا؛ وأنت تعرف مسبقا أنك لن تجده هناك! أو تجده، وتنال ما نال الطبل يوم عيد؛ فبالرغم من علمك بعواقب الأمور تقوم بالمتعين عليك، والأفظع من هذا وذاك أنك تحتفظ بداخلك بنفس الأحاسيس التي ينبغي أن تخالجك في الغدو والرواح، وتنفذ الأمر بطواعية العبد المأمور بفعل المطلوب منه دونما نقاش أو اعتراض.ما أصعب أن تعيش الشيء المؤلم ذاته مرتين!
حلمت أني في ليلة يومي ذاك الذي سأحياه، أني “والعياد بالله” سأقتل لصا يحاول سرقة منزلي؛ على شرفة بيتي نبهت اللص الذي- كما هو مقدر له – لن يسرق شيئا من ممتلكاتي أني لقاتله، وفي نهاية الأمر لن أنال أي عقاب على فعلتي، لكنه أبى واستأسد علي، وكر قادما لصرعي. موهته بحركة من قبضتي اليسرى إذ لم أكُ أعسرا، وباليمنى وجهت له لكمة على صدغه فخر ساقطا من شرفتي بالطابق الثالث إلى الشارع، ولسوء حظه لم يكن له جناح الطير كي يحط على الأرض بسلام ويبقى على قيد الحياة، كما أنه لحسن حظي أن الصدغ الذي تلقى لكمتي، هو من حل – بعد تحليق – على الإسفلت. هاتفت الشرطة ، وجاء الإسعاف بعدما لم يتبق ما قد يحتاج لإسعاف، والناس ازدحمت، تحلقت، وعلقت، واشرأبت أعناقها لترى كيف يصير حال من سقط من الطابق الثالث. حُملَ اللص – بعد أن صعدت روحه – إلى “المس… تش… فى!” بعدما فرغ من دمه، ولم تعد له أنفاس كي يلفظها. استدعيت لمركز “الشر… طة!” وفي محضر الاستماع لشهادتي في النازلة، وجدتني أصرح طبقا لما ورد في حلمي:
“سمعت خشخشة بالشرفة، على طرف بناني تسللت وصحت:
“مَن هناك؟! فزع اللص ونط في الفراغ”.
هكذا أخلي سبيلي وبرئت من دمه.
وفي حلم آخر رأيتني أدخل مقر عملي لأفاجأ أني رقيت على رأس الإدارة التي كنت أعمل بها، والكل يبارك لي منصبي الجديد، ولما نهضت من نومي كي أذهب لأُخبرَ بما أًخبرتُ به سلفا (في الحلم). والحقيقة أني لا أدري كيف تمكنت تلك المرة من الإسراع في الذهاب إلى العمل لأعيش فرحتي الكبرى، ولما وصلت إلى هناك وجدت الكل في انتظار قدومي، نهضوا جميعا، صفقوا، وأشداقهم كانت مشرعة على النفاق لمداراة حسدهم، باركوا تتويجي عن مضض، وانحنوا كي يلعنوا في سريرتهم حظهم العاثر، ثم تنحوا عن طريقي بحقد مضمر؛ وضعوا أياديهم فوق قلوبهم حسرة، وأفسحوا لي طريقا إلى مكتبي الجديد. دخلت فوجدت المدير العام يمد لي أوراق اعتمادي ويردد على مسامعي ما سمعته في فراشي:
– “تم تعينك مديرا جديدا على رأس هذه الإدارة، ولستُ مضطرا لتذكيرك بأسباب عزل المدير السابق، فرائحة شططه واختلاساته أزكمت أنوف المسؤولين بالوزارة”.
قبل خروج المدير العام، فتحت له الباب بكل أدب وودعته أحسن وداع، بعد انصرافه بلحظات، دخلت إلى مكتبي إحدى الموظفات بعدما طرقت الباب هي الأخرى بكل أدب، وقبل أن تنبس ببنت شفة سبقتها للحديث:
-“تريدين إذنا بالانصراف، لأنك نسيت الأكل على النار، والخطير في الأمر أن لا أحد في البيت، صح؟”.
قالت والاستغراب باد على محياها الصبوح:
-“من أخبرك بذلك؟ لم أعلم أحدا بالأمر”.
– منذ الآن عليك أن تعلمي أنني أُخبر بالأمور قبل حدوثها”.
ورأيت في منامي أخر؛ أني أستدعى للمثول أمام المحكمة في قضية نهب للمال العام، وقتل أحد حراس الإدارة؛ تهمة حاكها بإتقان أحد المنافسين لي على منصب الرئاسة، لكن تبعا للرؤيا المستشرفة للوقائع أنه سيخلى سبيلي من جديد لعدم وجود الدليل، لهذا تعاملت مع الواقعة بازدراء كبير، لكني لما وقفت أمام القاضي لسماع الحكم، الذي لا يمكنه أن يأتي مخالفا للصادر في حلمي، أصدر القاضي حكمه إذ قال:
-“حكمت المحكمة بإعدام المتهم شنقا، رفعت الجلسة”.
صرخت بأعلى ما أوتيت من صوت:
-“هذا غير موجود في حلمي!… هذا تحريف، هذا تخريف…”.
لكن أحد عناصر الشرطة أعاد الأصفاد إلى يدي، وسحبني نحو السجن حيث مكثت وراء القضبان ردحا من الزمان ونيف، وفي ليلة بهيمة حيث يفترض أن يخلى سبيلي، بعد تصحيح هذا الخطأ الواقع في الواقع؛ كما ورد ذلك في حلم رأيته في زنزانتي: فتح الباب وساقوني إلى مكان مخيف، لم أفهم أنهم سينفذون في حقي حكم الإعدام إلا حينما ربطوا يداي إلى الخلف، ستروا رأسي بكيس كان ثوبه أسود، ولفوا حبلهم الغليظ حول عنقي، كل هذا يفعل بي وأنا أصرخ، وأحاول التخلص منهم، وانقاد روحي من بطشهم وجبروتهم، قال أحد الحاضرين على تنفيذ الحكم منبها الجلاد:
-انتظر حتى تنطلق إشارة التنفيذ.
ما أن أكمل جملته حتى سمعت رنين جرس مزعج، فشد الحبل حول عنقي، شعرت باختناق شديد، جحظت عيوني واحتقنت أوداجي. صارعت قدري المحتوم في محاولة أخيرة للإفلات من الموت، انتفضت، نطحت المائدة المحاذية لسرير نومي، فسقط المنبه أرضا…

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع