أخر تحديث : الأحد 29 يناير 2012 - 1:45 صباحًا

الـمعــطـف

غريب الغرباوي | بتاريخ 29 يناير, 2012 | قراءة

ألقت نظرة حذرة إلى معطفه الزاهي، المجلل بسواد رهيب، فتنة باهرة تعكسها مخايل وجهه وسواد عينيه. لم ترعو عن الرنو إلى لحاظه الملتهبة، أما هو فلم يكن يتصور أن فتاة ستتعلق به وتبكت نفسيتها الوديعة من أجله. وبالرغم من سحنته شديدة السمرة إلا أن عينيه السودوين ودقة أرنبة أنفه، وصغر فيه المفعم بالاشتهاء جعلت محياه يسمق بالإشراق والتألق، لكنه من الصنف الذي يعشق المعاطف والبزات وربطات العنق الأنيقة. وأنيسة ليست ممن يحب هذا الطراز من الألبسة رغم سموها وجلالها وما أكثر ما كانت تشاكس أخاها ناجي مشيرة عليه بقساوة وعنجهية بالألبسة التي يجب أن يرتديها:

-“الزمن تغير يا ناجي.. افتح آذانك أخي!. لا أحب أن ينبزك أصحابك.. لماذا تطوق عنقك بهذا الرباط القذر ..الزمن تغير.. إننا نعيش زمن الحرية ..”.

-وانقدح شؤم من عينيها وهي تجيل نظرها في معطف عدنان بينما كان هذا الأخير شاخصا إلى أفق مزدان بشجيرات سرو بعيدة، كانت طريقة النظر تضمر شموخا وخيلاءا بحيث لم يكن يلتفت إلى أحد داخل الحافلة رغم تلقيه لكزة أو زغدة من خلفه بين الفينة والأخرى وكان ينقر زجاج النافدة بأنامله، بينما كانت أنيسة تزدرد أحاسيس ناغصة وتردد في خلدها: (ما علاقة الشباب بالمعطف وربطة العنق، لماذا تحشو جسدك في هذا السرداب المظلم؟ صحيح أنك وسيم وتملك رشاقة القد، كما أنك تحيز ذوقا مشحوذا، لكن أين البساطة التي قد تعلمك معنى الحرية والتحرر في الحياة، أظن أنك تعشق مذهب المازوكية مثل أخي ناجي، أنت مازوكي إذن):

وبينما هي تخاطر نفسها عن هذا الفتى، اندلقت العبارة من فيها بشكل نزق، وأحست بالخذلان والخجل بحيث التفت إليها عدنان كالمذعور.

حاولت إيقاعه في تمويه لبق بالالتفات إلى الشيخ المحشور يسارها وتتظاهر بأنها كانت تحدثه وبالتالي انتهت إلى نتيجة مفادها:

” أنت مازوكــــي”

لكن الشيخ كان يغط في نوم ثقيل، وجسده يتهادى فوق الأريكة الوثيرة، مغفور ألفيه، محمد الأشداق.

وهرعت، مفزوعة، ملهوفة، إلى محفظتها لتخرج كتابا أو دفترا لإيقاعه في لعبة التمويه الثانية، لكن دون جدوى..

تخشب وجه عدنان، وتوقفت أنامله عن النقر، لاحظت أنيسة ذلك، تملكها الهلع من ذلك التوقف، تأججت الشكوك والهلاوس في خيالها..واحمرت وجنتاها، ندت عنها تنهيدة لاهبة.. وباتت تغزل في أقانيم روحها خواطر ناغصة حيالى هذا الفتى الذي ظل صموتا رغم سماعه “أنت مازوكي إذن” ولاح على وجهه بعض قساوة وجفاء والحافلة هادرة بأحاديث أضغات تتعالى من هنا وهناك، فجأه وبشكل غير مرتقب سدد إليها نظرة قاسية تخالطها أمارة فضول، يروم من خلالها تملي وجهها، واهتبلتها فرصة لكي تتسامى وهي تنظر إلى صفحة الطريق الذي يتراءى من خلال إطار الزجاجة الكبير، وظل يحدجها بشكل دوري وهي تشيح وجهها كلما أزمع النظر إليها، مصمصت شفتاها مستجفلة، وبدا خفقان قلبها من خلال اتساع فتحة قميصها الأحمر، إذ كلما انفتح صدرها بالهواء استطالت فتحة القميص وبرقت سلسلة ذهبية بهية كان لمعانها يبرق في عينيه، وباتت مخيلتها كالمرجل يعتمل فيها شكوك وهلاوس تلقيها جزافا، وتحول المعطف إلى غريم، وشبح يبزغ ويختفي في ذاكرتها، والحافلة تلتهم الطريق في اتجاه مرتيل المدينة الحاضنة لعجائب الشرق وخوارقه وفتنة الغرب وعنفه وعنفوانه، أية مدينة أنت يا مرتيل، أيتها الهاربة إلى حضارة رعناء، حضارة المساء الفاترة.

وتذكر الشيخ الذي بات يعاين المشهد، بعينه اليسرى يفتحها خلسة ويغمضها، وانقدحت في خياله صورة شامة والصابة الظليلة… شامة ! شامتي ! يا وحيا يبرق في تلافيف ضوء الفوانيس، يا ذخيرة في عيون الولعين بالحي المنذور للبقاء، يا أبهى من تكونين في أعراس حينا الخالدة، يا زغرودة حبلى بالبوح الطعين، يا يثما يستحيل مأوى للساردين المدججين بالجرح والهزيمة، يا بيرقا مثخنا بخفقان وهاج ينذر بمأثرة الغالبين، شامة_ ! ها أنا ذا أشرد، أترك الحي، وأترك البلدة علني أجد لذة في تعلات التيه، أنا الآن أعشق الأقاسي والحدود، لم يعد لي غير هذا البحر بوابة الفناء يا شامة الشامات.

وبينما تأججت ملامح وجهها بالحمرة والانكدار، التفت جلال بشكل هستيري فج إلى الشيخ الذي ظل طوال الرحلة نائما، وعاد ثانية ليطوقها بنظرة جافة، ثائرة والتفت ثانية إلى الشيخ، وتبين له أن العبارة التي ندت بها شفتاها كانت موجهة له قطعا، وعاد ليرمقها مرة أخرى، وكان سائل قاتم يسيل من خياشيمه، رنا إليه هنيهة وجال بنظره في محياه..، وعندما أدارت وجهها لتطوقه بنظرة تثنيه عن تفرسه فيها، انفرج فمه واستطالت شفتاه زاعقا بابتسامة شهية، استطابتها سلوى التي بدورها هبت لتضاحكه! دانت لحظة استمزاج روحاني رحبة، وسري بينهما نزوع إلى اغتلام راعف، وأحس الشيخ (جلول) بانبعاث كاسح، بدوره أحس بذراعي شامة البضتان وهي تطوقانه، أخرج منديله الدبق ومسخ خياشيمه، وعنت له شامة من جديد وهاجت به الذكرى، كانت شامة تخاطبه يوما وتقول (أنت يا جلول مثل صنبور الصابة ترش علي الماء غزيرا ولذيذا” كانت يومها شامة لم تطو عقدها الثاني وما يزال يتسلل من بين أناميلها هوس طفولي غلاب للصابة الظليلة والصنبور الأصفر الضخم تدغدغه بأناميلها كما تدغدغ عشيقها جلول الذي تحول إلى زوج فيرد عليها وهو يلتذ ويتعنى بهذا البوح الرصين، يرد عليها بتغانج “أنت يا شامة مثل زبد البحر تعشقين الماء عشق المخابيل لأن هذا الماء سيأخذك إلى الموجة ليمنحك خلودا في هذا الاعتلاء وهذا الانخفاض…آه”.

شامة!

شامتي!

ألف امرأة من هذه الآدميات لا تعدل بقايا الغاسول الذي كان يرشح من خصلات شعرك الكحيل الندي آه وكنت ترشقين صفحة وجهي ببقايا الغاسول وأرسم على نهدك الأيسر قلبي فينبض قلبي فوق قلبه، أعجبتك اللعبة واهتاج الاغتلام بيننا.

لو أنجبت يا شامة لكانت هذه الرعناء النزقة أو هذا الأمرض التائه في جنون بلا عظمة ! ذرية العملاء وأنساب الوصوليين ليس لهم حكمة الأصالة ولا مجد المعاصرة! قالت فاطنة الزوين (وماتت شامة دون أن تخلف غير أن خدوج صاحبة السن المنخور أصرت لي “إن شامة كانت على وشك الإنجاب غير أن الوليد كان “فرسي” ألقى برجله اليسرى بدل رأسه وبعد محاولة حثيثة من القابلة “اللاكنزة” التي دحرت رجله بأناميلها ظل الوليد في ظلمات لم يبرحها حتى اختنق ولم يسمع صياحه قط.

وزعقت عجلات الحافلة حتى كاد جلول يقع أمام الأقدام لكن أنيسة حوطته بذراعيها، شكر لها وأخلد ثانية لحلمه…كانت أنيسة كلما نظرت إلى زكرياء احتشدها ما يشبه الحزن في محاجرها.. هل هو إحساس بالحزن، أم هو شعور ملتبس يعتري النسوان كلما نظرن إلى وحه وسيم أو إلى جمال أخاذ يلهبن أرواحهن ويؤجج عواطفهن التواقة إلى الجمال الأزلي؟ وأحست بسخونة رغبة تدب في أوصالها لكنها لم تقو على إخفاء امتعاضها من ذلك المعطف وكم كانت تردد في دواخلها في غمرة هذا الإعجاب “لماذا هذا المعطف؟” ويحدجها بنظرة خاطفة، ثم يجيل نظره في لباسها الأنيق، واتضح له أنها معجبة بفتنة جسدها، وبياض بشؤتها، وأنها تعمدت إبداء زينتها بكتفها لذراعيها، وساقيها، وأن السلسلة الذهبية إنما هي لإخفاء شطر الاسوداد شبه قاتم الذي تجمهر في عنقها، وما له أن يرى هذا الإيقاع المنكسر جهة العنق، جمال في مجموع أطراف جسدها، وبياض شهي في كل مناحيه، لكن هذا الجمال يكاد ينحسر ويتبدد تحت ذقنها حتى نهاية عنقها (تازين ما نقصاتو لولا)، وعاد ثانية ليتأملها من جديد، لكن الحافلة توقفت، واندفع الطلاب للنزول، وأحس عدنان بانجراف جسده جهة باب النزول، ثم ألقى نظرة سريعة إليها، وتضاحكا بملئ حبورهما.

فوق العشب المتألق تنغمر أقدامهما، وأشعة الشمس تتسلل بين أغصان سامقة مائسة في مراسيم نورانية أخاذة، طفق جلال يزهو بمعطفه الذي أحسن كيه، وأغدق عليه العطر، كما أنه بالغ في تنميق تسريحة شعره المبلط بدهن براق، أما سلوى فأحست بإشراق لاهب أوقد أريحتها وثقتها بالحياة. هذه هي اللحظات الجميلة التي تراهن عليها فتاة العصر، وإن كان محتدها محروسا بالقداسة والطهر.

لقد استبدلت العري “بالحايك” الوديع: سمفونية الحياة الخالدة المؤلفة من قبل صناع العفاف والحياء، وما فتئت تتغنى بأضحوكة الحرية وتجازف بأنوثتها الحاضنة لسر الحياة وسر هذا الكائن العجيب الذي قامت به الحياة وتراخى من أجلها الزمن، ولولا جمالكن يا نساء الدنيا ما رأى كائن جمال الطبيعة، ولا أحس بسحر الكلمات وعنفوان البوح الذي ترتج له الغصون المياسة في أعاليها، حسبتهن، بهتانا، هبوب ريح عابر.

عفـــوا!

عفوا! يا نساء الحريات.

-سلوى! متى تفهمين أن لي حرية في اختيار الكلمات التي تروقني، والألبسة التي تستهويني؟ !!

-أنت حر، هذا صحيح، لكن ألا ترى أن هذا المعطف يحجب عني، أنا على الأقل، هذا الجسد النميق؟ أنت وسيم ولكنحبذا لو نزعته فيما يكتمل هذا البهاء.

-أحس عدنان بسخونة مفعمة بارتواء روحاني غلاب، وطفق يسدد نحوها نظرات مغناجة وكان إحساسا باغتلام حاد قد اعتراه، كانت نظراته تجوب صدرها الناهد وذراعيها الدسمة البراقة، فجـأة علا صوتها هدارا وهي تلفظ جزافا آراءها في موضة اللباس المثالية، ولتسديد ضربة استباقية لتثنية عن موقفه هدرت:

عدنـــــان!

من يقسو على نفسه بمثل هذا المعطف الذي يلف جمال الإنسان الذي منحته إياه الطبيعة ويحجبه عن الطبيعة نفسها هو إنسان مازوكي، يعذب نفسه حيالى الطبيعة، وهي تغضب لغضبه وتسعد لسعادته.

قالت العبارتين الأخيرتين برنة كسيرة وقد رانت عليها ذكريات مجنونة مشحونة بحنق عاطفي كالح، ثمة خواطر داهمتها وألهبت فضول عدنان.

وبعد صمت رهيب، وقد سرق الأفق البعيد عينيها الدكناوين، انكفأ عدنان على معطفه يفض أزراره بعد أن سيق إلى صوله شك مربكة وطفق يردد في خاطره:

“لماذا أطرقت هذه الفتاة عن الكلام بعدما أرغت وهي تكلمني عن الحب والحياة والحرية؟! وما سر رنواتها لهذا المعطـــف!!؟

حدجها بنظرة مواربة، خدان حمراوان، عينان كئيبتان، شفتان مزمومتان، السفلى ترتجف بإيقاع رهيب.

سلوى، أمالت رأسها دون أن تسدد عينيها إليه وردت متأوهة.

-نعم

-أين رحل بك المساء؟

-إليك…

-أنت تمزحين

-بل جادة

-وعينيك الحزينتين؟

-ليس كل ما يرشح على العين حزن.

تمادت في شحذ شكوكه وهي تتلوى في حديثها كالثعبان الجريح، بدا له أن عينيها تخفيان أسرارا لابد من استطلاعها هذا المساء، ولكي يتم له ذلك لابد من ترويضها واستدراجها إلى المكاشفة الصريحة لكن هيهات! هي ذي الأنثى لا تسير إلا ملتوية كالثعبان، تغلب الشيطان كما يقولون، وهل هناك اليوم فتاة غريرة!!؟

استنكفا عن الكلام وأذعنا لصوت الريح، ورهبة المساء كانت أشباح العشاق تتراءى لهما وهي متوارية خلف شجيرات يختلسون القبلات، راودها إحساس في الانتقــام.

يقولون إن المرأة عندما تفكر بعقلها فإنها تفكر في الأذى، كانت أزرار المعطف المفتوحة تضرم ذلك الإحساس في دخيلتها، وبدأ العرق يتفصد من جبينها وعنقها المنقوع الذي كان الأستاذ نجيب الراضي (حبيبها!) يدغدغه بالقبلات المحمومة، النساء كالحكام قلما يجدون أصدقاء مخلصين، أبرقت عيناها وهي ترنو إلى الأزرار وأحرزت:

-لابد أن يكون هذا معطف نجيب

هذا الأرعن الماجن الذي عرضت عليه السعودية التدريس بجامعة أم القرى، لم يكن بهذا القدر من الوسامة التي يرفل فيها عدنان، لكنه كان أبيقوريا في استدراج الطالبات إلى المضاجعة واعدا إياهن بالتنقيط الجيد والهدايا، يا للنذالة!! أستاذ جامعي يدارك إلى وهدة الرذيلة. ليس بمقدوري أن أحرز ما هو السبب الذي يدفع أهل المزايا إلى إنزال اللعنات بمن يحيطون بهم، أهو التحرر من عبودية ما كما قال نيتشه: أم إن في كل كاس حب إطلاقا وحتى في كأس أرقى حب مرارة لابد من تجرعها!!

“الحب نذير الفناء”

هكذا همس لي أحد رقاصي الأفاعي يوما.

لم يكن عدنان يتصور أنها ستمسك بتلابيب معطفه وتصيح: انزع هذا المعطف وألق به في الجحيـم!

لكنها أفاقت من شرودها وزعقت ضحكاتها وترددت في الأفق البعيد متظاهرة بأنها تسخر من عشبقين يختلسان القبلات في جسارة مكشوفة، انفرجت أساريرها وتمادت في الضحك، بينما ظل عدنان واجما لم ينبس ببنت شفة، وادلهمت تقاسيم وجهه بالقلق، والتوجس، وعراه الاحمرار حتى عاد كالغمامة الربداء، كان الرعد يرسل هزيمه خافتا وهامسا، يتناهى إليهما من جهة البحر من الجهة الشمالية وتساءل في دخيلته: أهي إنسان أم لغز؟! في كثير من الأحيان يجد الإنسان نفسه متوجسا خيفة من نفسه بما يعتمل بداخلها من هلاوس وأخطار، ولقدقال نيتشه: إن ما يخيف ليس الأعالي بل الأعماق.

قالت والحزن يهدج صوتها:

-عدنان! لم يبق إلا ساعة للمغيب، لنذهب إلى الكورنيش، وهب عدنان واقفا وصاح

-لكن شريطة أن تدعي الحزن هنا.

ورغبت في التنكيت وقالت:

-سأتركه هنا، شريطة أن تلقي بالمعطف في البحر.

استغرب عدنان نفورها من المعطف ثانية، لكنه أخفى استغرابه بلباقة وضاحكها بجون كاشف وما عتم أن سحبها بلباقة من يدها من الكرسي الخشبي وسدحها على جدع شجرة الصفصاف المتطاوسة بشموخ لايهد، وقال وهويصطنع حزما تعروه بعض مراره: “لماذا يقولون إن المرأة أخطر الألعـاب”.

أطرفت جفنيها بغنج ولم تحر جوابا.

الطريق تهرب إليك يا مرتيل وعشاقك كالجناب الضامرة بالاغتلام المحرور، تنقدح الزعارة حتى من إهاب من يعيرون بالشيب.

يحملون أثقال هوسهم مع أثقال جمالك اللازماني

أي جمال ترشح به بوحيات عشاقك يا مرتيل

أنغام موجه الحاديات تذكي فيهم شرارة الحلم والغواية والتماهي في طهر عشاياك

الماجدات ينبثق الحنين المحكوم كنجمة حبلى بالنور والتوهج.

فتحنن أيها الماكث في مدينة تضيع في الحنين.

وتحننى أيتها الأويقات واجملي.

على هذه الطريق انبرت سلوى تكاشف عدنان أحاسيس داهمتها لدى رؤيتها إياه في الحافلة، لقد أحست بارتجاج روحاني شائق حياله وأطبق عليها نزوع آسر إلى الارتماء في أحضانه، لكنها أرجأت بوحها حتى يدنوا من البحر. وبدأت تدعن لنزوة تصابي وهي تمسك بذراع فتى كانت تهيم في محياه طوال الشهور التي تخلى عنها (الأستاذ نجيب!) انبرى عدنان بدوره يفشي لها تهممه بها منذ رآها وهي تنط كالغزال في بهو الكلية وأنه ظل يراقبها مدة شهرين كاملين، كان عدنان قد لاحظ نزوعها إلى التوحد، وكم تجهمت مخايل محياها مستغربة عندما قص عليها معاناته في الحافلة، كان يراقبها طول الصباح في باب الحي الجامعي ولحق بها إلى تطوان واقتفى أثرها في الشوارع خطوة بخطوة، ولقد ذعر عندما اختفت عن أنظاره بين الحشد الرجراج وظل يتحسر ويلتاع حتى رآها، بعدما استيأس بباب مكتبه تبحلق في الكتب المنضودة، ثم قفزت بخفة واتجهت نحو محطة الحافلات، ولجت إحداها من الباب الأمامي بينما أدلف هو من الباب الخلفي وشرع يشق الحشد حتى انتهى إليها.

وضحكت كفراشة مجنونة، وانغمرا في حديث ود هيامي بدد امتعاضها من المعطف قليلا، فالشكوك ما تزال تساورها حول حقيقة المعطف الموشى بأزرار صفراء براقة كأنها أزرار الذهب، وهالتها الشكوك عندما عجزت عن إيجاد الخيط الرابط بين نجيب وعدنان.

عندما وصلا الكورنيش، حيث البحر والرمل والحلم في تلاحم سمفوني، أقبلا، صامتين، على مويجاته، وأقبل هو بدوره، معطاءا وسخيا، وغمرهما بأنسام راعفة بعذوبة توقظ الرغبة والتوتب والانتشاء الروحاني الذي يظل موصدا في الحضائر حيث تسمج الأشياء والكائنات، وازدان البحر بروعة الأصيل وبهاء قدسية الشفق القاني، لم يظهر جلول بعد ذلك، كان ظهوره الوحيد يشي بصرامة الموقف و”معقول” أصيل لا ينسني.

انزاحت زفرة ممضة من سلوى وهي تقص ما جرى لها مع الأستاذ نجيب الذي افتضها غب ليلة من ليالي مرتيل، ظل عدنان واجما يسددها نظرات تنقدح من النقمة والحنق، وأطرقت فجأة ولم يجرأوانكسر الصمت عندما بدأ الرذاذ يتساقط يبلل جسد بهما، وجع عدنان وزفر بعنف مفرط، نزع معطفه وألبسه إياها ليقيها القر الذي جلبته حبات المطر، بدت سلوى مطواعة، فائقة الإذعان وسرت نشوة لذيذة في أوصالها وظلت واجمة مدعنة لإيقاع الرذاذ وفحيح حسرة ما يزال يعتصرها ويؤجج في دخيلتها اللوعة والندم، وتوسد عدنان يديه واستلقى على ظهره وبات يرنو إلى الشفق يتبدد في تساوق جماله الأخاذ، كان جلول قد ظهر ثانية لكن ظهوره هذه المرة كان مرفوقا بظهور حبيبته شامة، وتعانقا بود ثم ترادعا واختفيا وكل “منهما يضاحك الآخر شامة ترشقه القبلات في الهواء وجلول يلوح “بدربالته” ويقبلها، ويطوح بيديه، ألقى بدربالته في الشفق فازداد احمرارا ربما يستوحي هذا الكائن الجميل الخلود من تراضي العاشقين.

التفتت سلوى إلى عدنان فبدا لهما في حال ملتبس، لم يعد يقو على الكلام، شاقها أن ترى انعكاس حمرة الشفق في عينيه وسحنة وجهه، وأحست بإيناس لطيف، جست وجنته بسبابتها، بغنج لتكشط قطرة ماء. فحجدها بنظرة حالمة وملتبسة في آن.

عندما كان عدنان يهيم في طقوس الشفق ويرنو على امتداد البحر ورحابته، وجلول وشامة يتراشقان القبلات، دست يدها في جيب المعطف الداخلي، وأمسكت أناملها بورق سميك، أخرجته خلسة، برقت عيناها وهي ترى صورتها، هبت واقفة ونزعت المعطف وهي تدور حول نفسها كأنها تنين مذبوح، الدم يكاد ينفجر من وجنتيها وعينيها، وهي تزفر وتزعق بإيقاع رهيب، انتفض عدنان مذعورا ومرغت المعطف برجليها ودعكته، وهبت تعدو كفرس جامحة صوب المدى الطويل مكث عدنان يرنو إليها بلحاظ واهنه وهي في عدوها حتى التهمها المدى بظلمته الكثيفة واستوفز للقيام كأنه شيخ وهن العظم منه وعلق المعطف المدعوك بسبابته، انتصب فوق صخرة يرتطم عليها الموج، كان المطر يشتد والشفق لا يبدو منه إلا النقطة الأخيرة من قرصه، نظر يمنه ويسره وألقى بالمعطف إلى البحر، ظل يرقبه حتى هوى إلى القعر وعاد أدراجه مخلفا وراءه سلوى والمعطف للبحر الذي تجهم عليه هذا المساء، ولدى عودته كان جلول يحاصره بنظرة في الأفق، كان عدنان يرنو إليه حسيرا، ضحك جلول ثم بكى، وانتزع من دربالته خرقة بالية وكتب عليها التياعه بشامة وألقى بها على الشاطئ، التقمها عدنان، وانبرى إلى ضوء فانوس، وشرع يفض شفراتها.

شامة!

يا صنو الألم الثخين باللذة.

يا شقوة الاغتلام المحرور.

يا رغابة في البوح المكبوث طي الإهاب.

شامـة!

شامتي!

يا سحرا يلفع دربالتي أنا الولي المجدوب.

يا رقصة الأبدال الضامرة بالطهر.

أيتها المتمرغة في طلاءات الأضرحة النائية.

يا طهر الطهر.

يا نشيدا منذورا للغريرين وبراءة المداخل.

هل تسمعين بوحي.

أنا صنبور الصابة الظامئ.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع