أخر تحديث : الجمعة 17 فبراير 2012 - 2:05 صباحًا

الموروث الثقافي المغربي بين السياسة والسياحة

ذ. سعيد الحاجي | بتاريخ 17 فبراير, 2012 | قراءة


خـاص : يحتل النقاش الهوياتي في المغرب خلال الفترة الأخيرة حيزا هاما على واجهات عدة، هذا النقاش الذي يثير جدلا كبيرا بين مختلف الأطياف السياسية والحقوقية، يعتبر الموروث الثقافي جزءا مهما منه على اعتبار أن هذا الأخير ركيزة من ركائز الهوية المغربية، لكن ما يهمنا في هذا المقال ليس طبيعة هذه الهوية والجدال المرتبط بها، وإنما كيفية استغلال ذلك الموروث في التنمية الاقتصادية وعلاقة ذلك بالسياسة .

إن الموروث الثقافي المغربي يعكس بوضوح عمق تاريخ المغرب وغنى الثقافة المغربية على مستويات عدة، سواء تعلق الأمر بالتراث المادي أو اللامادي، هذا الغنى الذي لازال لحد الآن حبيس بعض الإكراهات التي تحول دون بروزه واستثماره في التنمية، وعلى رأس هذه الاكراهات نجد العامل السياسي، فالتراث الثقافي دائما ما نجد له ارتباطا وثيقا بطبيعة الفكر السياسي السائد في بلد معين .
فعلى مر التاريخ الذي عرف تعاقب حضارات تلو أخرى وبروز أنظمة على أنقاض سابقتها، فإن هذا البروز بقدر ما كان يحمل انبعاثا جديدا بقدر ما يدفن حضارت قديمة ويعمد إلى محوها والدفن هنا يشمل المادي والرمزي، رمزيا تنقضي سلطة سياسية وتبدأ أخرى، وماديا تدمر معالم عمرانية وآثار ترمز إلى الحضارة السابقة، وذلك لترسيخ قيم الحضارة الجديدة التي تبنى على إدانة ما كان سائدا من سلطة سياسية وقيم ومعالم لأنها تحمل ثقافة يجب أن تحارب .
إن المغرب باعتباره دولة ذات تاريخ عريق، لم يخرج عن هذا السياق، ولم يسلم من نوائب التاريخ، وتعاقبت على حكمه دول عديدة من الأمازيغ قبل دخول الإسلام حتى الدولة العلوية التي لا زال حكمها سائدا إلى اليوم، وهذا التنوع كان لا بد أن يحمل في طياته تنوعا أيضا في كل ما يتعلق بالتجليات الثقافية التي تدخل في إطار الهوية المغربية .
ولن يكون المغرب في هذه الحالة بمعزل عن سنة التاريخ والسياسة التي تقتضي تدمير الدولة المنتصرة لكل ما يتعلق بالدولة المنهزمة، فالمرابطون دمروا جزءا كبيرا من مخلفات الأدارسة والموحدون قاموا بنفس الشيء مع المرابطين وهكذا دواليك، فالقاعدة تقتضي تسييد ثقافة الدولة الحديثة على ثقافة الدولة القديمة، وقد يطال هذا التسييد والتغيير حتى التفاصيل الدقيقة من مناحي الحياة، فبالأحرى الجوانب التي تعتبر مفاخر للدولة المنقضية كالمعالم العمرانية مثلا، وهو ما أدى إلى محو جزء كبير من التراث الثقافي المغربي، ودائما يكون السبب الرئيسي الثاوي خلف هذا المحو هو السياسة، التي لم تكن ترى في التراث الثقافي إلا تهديدا لاستمرار السيطرة على السلطة، ولم تكن ترى فيه جوانب أخرى إطلاقا.
إن النظرة إلى التراث الثقافي في مراحل عديدة من التاريخ كانت قاصرة كثيرا بفعل غياب مفهوم التوظيف التنموي للموروث الثقافي وحصر النظرة إلى هذا التراث فيما هو رمزي فقط، وهو ما يجعله مصدر تهديد للدولة الجديدة طالما بقي رسم أو فكر من الدولة السابقة، وهو ما يؤدي إلى طمس ومحو جزء كبير من الثقافة السابقة .
لكن هذه النظرة تغيرت في مستهل القرن العشرين، وخاصة من طرف بعض الدول الأوربية التي اعتبرت الموروث الثقافي مصدرا للتنمية الاقتصادية إلى جانب صفته الرمزية والهوياتية، وأصبح الترويج للتعدد الثقافي وغنى التراث داخل البلد الواحد مصدر جذب للسياح والمهتمين من مختلف بقاع العالم، فأدى ذلك إلى خلق رواج اقتصادي من خلال السياحة أصبحت بعض الدول تعتمد عليه بشكل أساسي لتطور اقتصادها ( فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، اليونان …)، هذه الدول التي بدأت تنبش بين ثنايا تاريخها للبحث عن الأجزاء المندثرة والمنقرضة منه وإحيائها سواء بتجسيدها في مجسمات ملموسة أو بتنظيم تظاهرات تحمل أسماءها، ولم تستطع هذه الدول القيام بذلك إلا بعد أن تخلصت من الحسابات السياسية التي تجعل جزءا من تاريخ الدولة يمثل تهديدا لأسس مشروعية الحكم التي تستند عليها حاليا، فقد اعتبرت أن التاريخ هو التاريخ والأجدر بالاستمرار هو نمط الحكم الذي يضمن سيادة القيم الحقيقية العادلة، التي تجعلها في مأمن من أي استغلال للتاريخ في تقويض دعائم الحكم.
لقد انطلقت الدول التي تراهن على السياحة الثقافية من منطلقات سياسية كي تحقق الازدهار الاقتصادي اعتمادا على جعل الموروث الثقافي عنصرا لهذا الازدهار، ولم تجد غضاضة في إحياء جزء من الذي يعتبره الآخرون نقطا سوداء في تاريخها، فألمانيا لم تطمس معالم فترة هتلر، وإيطاليا لم تفعل نفس الشيء مع مرحلة موسوليني، وإسبانيا مع فترة الجنرال فرانكو، رغم أنها مراحل غير مشرقة في تاريخها حسب الكثيرين، لكنها استثمرتها في تعزيز الغنى الثقافي الذي يستقطب اهتمام الزائر لهذه الدول.
إن الارتقاء بالموروث الثقافي المغربي إلى عنصر جذب سياحي يحقق جزءا مهما من الرواج الاقتصادي في المغرب، يقتضي بالضرورة إخراجه من  قبضة السياسة التي تتحفظ فيما يتعلق بالإفراج عن بعض عناصر التنوع والغنى الثقافي المغربي وجعله قيمة مضافة للاقتصاد الوطني من خلال إنعاش السياحة الثقافية.

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع