أخر تحديث : الأربعاء 12 سبتمبر 2012 - 8:54 مساءً

التجربة الوجودية في ديواني: “مرثية البوح الأخير” و ” مديح الرماد” لأنس الفيلالي

محمد الشاوي* | بتاريخ 12 سبتمبر, 2012 | قراءة

 

قبل الغوص في ثنايا التجربة الشعرية للمبدع ” أنس الفيلالي”، كان لزاما علينا أن نبدأ بتوطئة بسيطة لربط السابق باللاحق،  فشاعرنا يكتب شعراً هذا الجنس الأدبي “Le genre littéraire ” الذي على مر العصور و بتعاقب الفكرالبشري،

 وخصوصا منه المرتبط بتاريخ الفلسفة ،  فقد تم طرده من أكاديمية أفلاطون حينما أعلن شعارها وقانونها الأساسي الذي كتب على بابها بحروف واضحة:
” لا يدخلُ علينا أكاديميتنا هاته، إلامن كان رياضياً أو مهندساً “. لكن على العكس تماماً نجد الفيلسوف أرسطو قد أعاد الإعتبار للشعر و الشعراء خصوصاً في كتابه ” بُوِيتِيقَا ” الذي عمل على رصد هذا الفن الجميل الذي لا يمكن أن نجده آنداك إلا في ساحة ” الأغورا “(agora ) التي كان يؤتى إليها من كل حدب وطرف ، كان يتجمع فيها الفلاسفة والشعراء والفنانون والمفكرون، الموسيقيون … كل يدلو منهم بدلوه ويعرض أفكاره وتجاربه… ( القرن الرابع قبل الميلاد).

وإذا ما عدنا إلى التاريخ الفلسفي خصوصا بعد موجة الحداثة وما أعقبها من تحول في المعارف و العلوم بمختلف فروعها  وتخصصاتها، الشيء الذي إنعكس أيضاً على الشعر فتغيرت طرق كتاباته وموضوعاته ، وفي فترة معاصرة نجد الفيلسوف الفرنسي ” جون بول سارتر” sartre.j.p في كتابه : ” ما الأدب؟ 1948 qu’est -ce que la ؟littérature sartre الذي لم يتحدث عن الشعر ولم يجعل له فصلاً من فصول كتابه ، كجنس من أجناس الأدب ، كونه تجربة ذاتية ترتبط بالشاعر .


إن الوظيفة الحقيقية للأدب لا تظهر في جمالية اللغة وإستعاراتها الجميلة المفعمة بعمق مشاعر العاطفة حسب تصور “أندري جيد” “André Gide“، بل في وظيفة النقد وخصوصاً حينما ينتقد الأديب و الشاعر واقعه ومعاناة مجتمعه داخل قالب أدبي يوحي للمتلقي بصرامة الموقف وعمق التجربة.


فمن هذه النافذة يطل علينا الشاعر المغربي، قَصْرِّيُ المولد ومسقط الرأس[1]، ” أنس الفيلالي” بقريضه الذي يجسد عمق تجربته الوجودية، سواء في شخصه أو في شخص غيره من الذين يعشون معه داخل العالم الرمادي الممزوج بالأبيض و الأسود ، هذا العالم الذي إختاره كوسيط بين ذاته الشاعرة والعالم الخارجي وفي إطار علاقة بين ذاتية “Intersubjectivité يغلب عليها الطابع الفينومينولوجي حسب  الفيلسوف الألماني “إدموند هوسرل ” Edmund Husserl سواء في ديوانه : ” مرثية البوح الأخير ” ، أو في” مديح الرماد”، إذ يتمرد على وجوده وينتقده من خلال ” هوية ضائعة”، “مدارات الأموات”، “الجنون” ، “عتمة الصباح”… لكنه لا يأبى إلا أن يدافع عن حريته في وسط الطريق المزدحمة والممتلئة، التي رغم إكتظاظ الأقدام ، وطول المسافة ، فإنك تجده بجوارك يمد لك يد المساعدة ليخرجك من زحام مشاكل المجتمع وهمومه بأنشودته الشعرية التي تحمل

:”أشياء جميلة”، و ” أنشودة قديمة”، رغم ” خريطة الجمر” فإنك تجد “مديح الرماد” :


ضوءٌ ثقيلٌ
يندلقُ كاللَّيلِ
خانقًا طيفَه
فِي سدولِ شدوهِ الدَّافئِ[2]

(…)هذَا السِّحرُ المرتابُ
منْ جليدِ الصَّمتِ
يشرحُ جراحَ الخلوِ
وقبوِ الماءِ
منْ أَرقةِ الأَوراقِ
حفيفًا عنْ آخرهِ
لكلِّ العابرينَ
أَو الغرباءِ[3]


هكذا هو قريضه لكل العابرين و الغرباء الذين لاموطن لهم سوى موطن الفكر ودروبه التي يسير عليها الشعراء و المفكرين، نحو طريق قد لا ندري إلى أين يفضي بنا حسب تصور الفيلسوف الأونطولوجي ” مارتن هايرغر” Heidegger .m (chemin qui ne mène nulle part )
( …)
وَحدها الرِّيحُ
تجيءُ منَ اللَّيلِ
لاَ عقاربُ الوقتِ
ليكونَ الموتُ رجفةً
ولتكونَ المقابرُ دمًا
بعطشِ الفقراءِ
بينَ
الرِّيحِ
والنَّهارِ.[4]

قد تجده هنا يطرق باب عالم الميتافيزيقا “La métaphysique “بعجائبها وغرائبها وعمق دلالاتها و مفاهيمها، كالموت والحياة وما بينهما من تناقض ، الظاهر و الباطن ، الروح و الجسد ،…لكن رغم ذلك فهو مؤمن بتجربته الوجودية مدافع عنها بكل حرية ووعي وحب للمسؤولية، بواقعية شاعرية ترتبط بالقضايا و التيمات والأيقونات التي يوظفها من جهة ، وبأسلوب فريد يستحضر به الخيال ويجعله نبراسا يستنير به قريضه من جهة أخرى ، إذ يجعل المتلقي يرافقه إلى عالمه الرماضي الذي خطه بأبياته الشعرية في إنسجام وارتباط للنبرة اللغوية.


(…) وراء الإستعارات ..
أنين لبسمة حرف
ملتقى لنافذة
من أي الأنهار إنبثق ؟
وأي الأرصفة ستعشعه
كل الزهور ؟[5]
(…) تحت مشارق السور الأبجدي
تغيب الأمواج، وتعود
تحاصرها الرياح،

وأخاديد الرمال

في وهج السماء الممطرة.[6]

إن شاعرنا ماينفك إلا أن يغازلنا بعذب كلمات قريضه و ب ” لُوَيْغَةٍ ” خاصة به ، تجعله يقتفي أثر ” مارسيل بروستprost.M “الذي قال : ” إن الكتب الجميلة هي التي كتبت بلغة خاصة داخل اللغة ” “les beaux livres sont écrits dans une sorte de langue étrangère
M.prost ومعنى هذا أن الكاتب الجيد هو الذي يستطيع أن يبدع لغة خاصة به من داخل اللغة العامة ، وهذا ما إصطلح عليه الفيلسوف الفرنسي “جيل دولوزdeleuze.g ” باللغة الصغيرة أو “اللُويْغَة” une langue mineur à
l’intérieur de la langue ” ولعل هذا ما نلمسه في قريض شاعرنا ، الذي إستطاع أن ينتصر للغته الخاصة به.


ختاما يمكن القول إن ديواني الشاعر ” أنس الفيلالي” يبقيا عملا له بصمته الإبداعية وتجربته الخاصة والفريدة ، بعمق دلالة قريضه ومعانيه ، سواء منها الصريحة أو الضمنية ، وكذلك باتقانه فن العبارة ونغمتها واللهجة من داخل اللسان العربي ، كما أنه يَرْشُقُنَا بمقلاع النبرة التي تضفي على عمله بلاغة وحسن الخطاب. وكما قال الشاعر الفرنسي ” سان جون بيرس ” في قريضه ” رياح”:
وعلى العبارة البشرية المثقلة ،المجبولة بكثير من الألسن واللهجات ، هم وحدهم يحسنون
مقلاع النبرة”
“( …)
et sur la lourde phrase humaine , pétrie de tant d’idiomes,
Ils sont seul à manier le fronde de l’accent .”
saint-John perse,”vents“.

 


* كاتب مغربي




[1] – نسبة إلى مدينة القصر الكبير ، الواقعة بشمال المغرب.  

[2] – أنس الفيلالي، مديح الرماد، منشورات جمعية تطاون أسمير بتطوان، مطبعة الخليج العربي، تطوان، 2012، ص 11 .

[3] – نفسه، ص13.

[4] – نفسه، ص30.

[5]أنس الفيلالي، مرثية البوح الأخير، منشورات وزارة الثقافة المغربية، مطبعة المناهل، الرباط، 2012، ص 29.

[6] – نفسه، ص32.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع