أخر تحديث : السبت 19 يناير 2013 - 6:46 مساءً

تقرير حول رسالة لنيل دكتوراه الشاعر والباحث الدكتور مصطفى الغرافي

نادية بنمسعود | بتاريخ 19 يناير, 2013 | قراءة

الأربعاء 26 دجنبر 2012 من داخل كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان وبالضبط من قاعة الندوات محمد الكتاني ، كان موعد الاحتفاء باللغة العربية في مقام فن البلاغة وتحليل الخطاب ، حيث ناقش الشاعر والباحث مصطفى الغرافي رسالة الدكتوراه في الآداب في موضوع “بلاغة النص النثري – دراسة في أنواع الخطاب وأنماطه عند ابن قتيبة”. وهو موضوع بكر لم تعبده أقلام الباحثين. حضر هذا اللقاء الفكري والأدبي نخبة من رجال الأدب داخل المغرب من دكاترة وأساتذة وطلبة المهتمين بالدراسات الأدبية والبلاغية، إضافة إلى اللجنة العلمية التي ستناقش الرسالة والمكونة من ا لدكتور محمد مشبال مشرفا ومقررا ، الدكتور محمد الأمين المؤدب رئيسا، والدكاترة عبد الرحيم جيران ومصطفى جيران ونزار التجديتي أعضاء.
حصل الباحث مصطفى الغرافي بعد المناقشة التي استمرت زهاء أربع ساعات على درجة الدكتوراه بميزة مشرف جدا. وقد علق الدكتور محمد مشبال المشرف على الرسالة بهذه العبارات التي تثمن مجهود الباحث. قال الدكتور محمد مشبال مخاطبا الباحث مصطفى الغر افي: ” عندما اقترحت عليك موضوع الدكتوراه كنت أحملك ما تحملته عندما درست ابن جني من منظور بلاغي نحن نشترك في ركوب المغامرة. لقد توسمت فيك القدرة على التحمل وكسبت الرهان”.
الدكتور مصطفى الغرافي مزداد بمدينة القصر الكبير بتاريخ 20 فبراير1978 ، استنشق أول أريج اللغة وحب الأدب بابتدائية ابن خلدون ثم إعدادية أبي المحاسن ثم الثانوية المحمدية بالقصر الكبير، بعد ذلك حلق به طائر الأدب إلى مدينة تطوان ليكمل دراسته الجامعية ، حيث حصل على الإجازة في الأدب الحديث ثم دبلوم الدراسات العليا المعمقة في المناهج النقدية الحديثة ليتوج رحلته العلمية بشهادة الدكتوراه في البلاغة وتحليل الخطاب .وهو حاصل أيضا على دبلوم مدرسة المعلمين ودبلوم المدرسة العليا للأساتذة بتطوان.
مصطفى الغرافي الشاعر والباحث والمبدع الذي أمسك بمعصم الشعر من حبه لكتابات امرأ القيس واحمد شوقي والمتنبي ومحمود درويش ، هذا الأديب الذي يعتبر الكتابة موقف من الذات ومن الوجود فاستغل الشعر كتشكيل لغوي جميل للتعبير عن الأشياء التي وصفت في ثراتنا الندي بالأشياء التي تحيط بها المعرفة ولاتؤديها الصفة.
من أهم ماقدم الشاعر والباحث الدكتور مصطفى الغرافي للساحة الأدبية ديوان شعري “تغريبة” سنة 2001. كما صدرت له عديد من الدراسات النقدية في مجلات مغربية وعربية محكمة مثل ” الفكر العربي االمعاصر” البيروتية و”عالم الفكر” الكويتية و” نزوى” العمانية و”المجلة العربية” السعودية و” وجهة نظر” المغربية و ” مبدأ” و” أبابيل” السورية و”المهاجر” الاسترالية و “مجلة الكلمة” اللندنية ومجلة “طنجة الأدبية” إلى جانب الجرائد والصحف الوطنية والدولية مثل ” القدس العربي” اللندنية و” الزمان الدولية” و “العلم” و”المساء” المغربية و” المنارة ” العراقية.
كما أن له مشاركة في عدة كتب جماعية منها “الحجاج وأنواع الخطاب” و كتاب “الحجاج مفهومه ومجالاته” كما كتب مقدمات لبعض الأعمال الأدبية.
بكل الحب لصور الجمال من داخل أوبيدوم نوفوم ، يسعدنا أن نقدم للباحثين والمهتمين بالشأن الأدبي والبلاغي نص تقرير رسالة الدكتوراه الذي قدمه الباحث مصطفى الغرافي أمام لجنة المناقشة.


بسم الله؛ فاتحة كل خير وتمام كل نعمة.
وبعد:


إنه لمن أسباب سعادتي الغامرة أنْ أمثلَ اليوم بين يديْ لجنتكم الموقرة في هذا المحفل الأكاديمي لأحظى بشرف مناقشتكم للأطروحة التي حضّرتها بعنوان “بلاغة النص النثري- دراسة في أنواع الخطاب وأنماطه عند ابن قتيبة“.
اسمحوا لي، السادة أساتذتي أعضاء اللجنة العلمية الموقرة أن أستهل هذا التقرير بكلمة أوجهها لأستاذي الجليل الدكتور محمد مشبال الذي تفضل بقبول الإشراف على هذا البحث ورعايته منذ كان فكرة إلى أن استوى خلقا أتمناه سويا. فكم أتمنى أن تسعفني الكلمات لأعرب عن خالص شكري وتقديري لأستاذي الدكتور محمد مشبال على ما خصني به من كريم العناية وعظيم الاهتمام. فهو من أوقفني على موضوع البحث وحثني على درسه، ثم قبل بأريحية عالية أن يتعهده بالإشراف والتتبع. أشكر ثقته الغالية راجيا أن يجد في نتائج البحث بعضا من غرسه الطيب. لقد كان لصائب توجيهاته وثاقب تصويباته ما شد من أزري وأطلق وسيلتي. والشكر كذلك موصول إلى أعضاء اللجنة العلمية الموقرة أساتذتي الدكتور محمد الأمين المؤدب والدكتور مصطفى حنفي والدكتور عبد الرحيم جيران والدكتور نزار التجديتي فكلهم من أساطين كلية آداب تطوان الذين عهدتهم متمرسين بقضايا النص وتحليل الخطاب. أشكرهم جميعا لتشريفهم لي بقراءة هذه الأطروحة وقبول مناقشتها وتقويمها.
كما أتوجه بخالص الشكر والامتنان إلى جميع من مد لي يد العون من أجل إنجاز هذا البحث وفي مقدمتهم أفراد عائلتي الكبيرة والصغيرة ولا يفوتني أن أشكر جميع الحاضرين الذين شرفوني بحضورهم ومتابعتهم.
أولا: دوافع اختيار موضوع البحث
لعل الناظر في المنجز النقدي الحديث يلحظ تزايدا في الاهتمام بأجناس النثر العربي القديم، بعدما تنبه الباحثون المعاصرون إلى قيمتها الأدبية وما تثيره من قضايا نقدية وجمالية جديرة بالبحث والمدارسة، لكن فحص الأعمال التي اختصت أجناس النثر العربي بالبحث يظهر انصراف الدارسين، إلا فيما ندر، عن مقاربة هذا الموروث من منظور بلاغي، فمعظم الأعمال التي أفردها أصحابها لأجناس النثر العربي تغفل الخصوصية البلاغية للنصوص لكي تنشغل بالتطبيقات النقدية التي فرضها تطور المناهج الحديثة (مناهج نفسية اجتماعية ولسانية أسلوبية وبنيوية إنشائية…). ولقد حفزنا انصراف الدارسين عن الخوض في تراثنا النثري من منظور بلاغي وقلة الدراسات المرصودة لفحص هذا الجانب على دراسة أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة دراسة بلاغية.
يرجع اختيارنا “بلاغة النص النثري” عند ابن قتيبة موضوعا لهذا البحث إلى ندرة إن لم نقل انعدام الدراسات المخصصة لفحص هذا الجانب من تراثه الغني والمتشعب. فإذا كانت الدراسات العامة التي عنيت ببحث إنجازات ابن قتيبة الناقد الأدبي والمفكر الاسلامي وافرة، فإنه لم توجد، في حدود علمنا، دراسة اختصت ببحث تراثه النثري من زاوية بلاغية، حيث لم تتجه همم الدارسين إلى هذا التراث إلا في مناسبات قليلة وعارضة. إذ لم ير نقاد الأدب في نصوص ابن قتيبة النثرية ما يستوجب العناية أو يبعث على الاهتمام، فأسقطوه من حساباتهم النقدية جملة وتفصيلا؛ فلم يذكره زكي مبارك في كتابه “النثر الفني”، ولم يعرج عليه أنيس المقدسي في “تطور الأساليب النثرية”، ولم يشر إليه محمد كرد علي ضمن الناثرين العشرة الذين فحص إنتاجهم في “أمراء البيان” كما لم يعن بنثره شوقي ضيف في “الفن ومذاهبه في النثر العربي”، ولم يعرف بأدبه عبد الله كنون في كتابه “أدب الفقهاء”.
ثانيا: إشكال البحث
لم يلتفت الباحثون إلى دراسة نثر ابن قتيبة فظلت بلاغته النثرية محجوبة عن الدراسات النقدية المعاصرة. وهو اعتبار يجعل الدارس لهذه البلاغة يواجه أسئلة عديدة تكشف عن إشكالات جديرة بالفحص والمدارسة من قبيل:
– كيف يتضافر مفهوم البلاغة وضابط النوع لنسج زمرة من المكونات والسمات تتساند لتميز خصوصية التكوين البلاغي في كل نوع على حدة ؟
– كيف تتعاضد المقومات الحجاجية الإقناعية وإمكانات التعبير الأسلوبي لإنشاء بلاغة نثرية تتجادل فيها الوظيفة التعبيرية والمقصدية التأثيرية؟
– كيف يمكن للبلاغة النوعية أن تكون أداة ناجعة في الكشف عن سمة البلاغية المتحققة بدرجات ونسب متفاوتة في نصوص ابن قتيبة النثرية المتغايرة من حيث الأشكال والأنواع والصيغ والأنماط؟ .
– لما كان تراث ابن قتيبة النثري صادرا عن الفكر السني، وواردا عن تصورات جماعة مذهبية بعينها هي أهل السنة، فما هي أصول وضوابط هذه البلاغة؟ وكيف تميزت من أصناف البلاغات التي ارتبطت في تراثنا بخلفيات إيديولوجية ومذهبية (البلاغة الاعتزالية والبلاغة الشيعية والبلاغة الأشعرية)؟ وذانك سؤالان يقودان إلى الإشكال المركزي الذي يمثل عصب هذا البحث وحجر الزاوية فيه:
– كيف تفرض الإيديولوجيا سطوتها على بلاغة الأنواع النثرية فتوجهها إلى خدمة المقاصد الفكرية والعقدية؟
هذه هي الأسئلة المحورية لإشكال البحث وقد جمعناها، لمنحها أكبر قدر من الدقة والتقنين، في سؤالين مركزيين سعى البحث إلى الإجابة عنهما عبر قسميه وفصوله:
– كيف تذعن البلاغة لمقتضيات العقيدة؟ وماهي مظاهر هذا الإذعان؟
لقد شكل هذان السؤالان قادحا لبحث الخصوصية البلاغية في أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة التي تمثل استراتيجية خطابية لا تنفصل عن النسق الفكري والإيديولوجي الذي صيغت في ضوئه. وهو ما حاولنا في هذا البحث استجلاء بعض مظاهره متوسلين في ذلك بفحص مظاهر خضوع البلاغة لسطوة العقيدة في نصوص ابن قتيبة النثرية المرتهنة إلى مقررات فكر السنة مع التعريج، كلما اقتضى الأمر، على تراث الجاحظ المرتهن بدوره إلى تصورات فكر الاعتزال، اعتقادا منا أن المقارنة بين نصوص الرجلين ستكون مفيدة في إبراز مدى انصياع البلاغة النثرية لسلطان العامل العقدي.
ثالثا: منهج البحث
فيما يتعلق بالمنهج المعتمد في فحص ووصف أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة، فقد آلينا على أنفسنا النظر إليها في ضوء المنهجية التحليلية التي توفرها لنا البلاغة النوعية. لقد حاولنا الكشف عن بلاغية الأنواع النثرية فنظرنا إليها بوصفها أنساقا بلاغية فرعية تندرج ضمن نسق بلاغي كلي تجسده البلاغة العامة بما هي نظرية في تحليل الخطاب. ومن هنا كانت أهمية دراسة “بلاغة النص النثري” عند ابن قتيبة تكمن في الطموح الذي يحدوها إلى بناء بلاغة نوعية تنشغل بوصف وتفسير الخصائص الجمالية والإقناعية للنصوص النثرية في ضوء قواعد النوع ومتطلباته اعتقادا منا أن تشييد بلاغات نوعية من شأنه أن يمهد الطريق أمام التأصيل لقوانين بلاغية كلية يسترشد بها البلاغي في ضبط الصفة البلاغية لمختلف أنواع الخطاب مهما تباينت من حيث الأشكال والأنواع والصيغ والأنماط.
لقد كان هذا الوعي حافزا لنا على دراسة أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة باعتبارها تحققات نصية مفتوحة على شتى الإمكانات التعبيرية والاختيارات الجمالية. وهو ما فرض عدم التقيد بخطوات المناهج التحليلية الجاهزة؛ فالبلاغة إذ تلقي بنفسها في أحضان النصوص بما تحوز من فنيات وجماليات، لا يمكن أن تنطلق من أي بلاغة تقنينية تجعل همها ترسيم الحدود وتفصيل الضوابط من غير مراعاة لخصوصية التكوين البلاغي والنوعي الذي يجعل صفة البلاغية مختلفة من نص إلى نص، ومن نوع إلى نوع، ومن شكل إلى شكل. ويتطلب الوعي بهذه المسألة تضافر جهود البلاغيين المعاصرين من أجل صياغة بلاغات نوعية خاصة تساعد على قيام بلاغة عامة نسقية تبحث الجوهر المشترك بين جميع البلاغات النصية، أدبية وغير أدبية.
لقد توجهنا إلى اختيار البلاغة النوعية أداة منهجية وإجرائية لوصف وتفسير النصوص النثرية عند ابن قتيبة بدافع من طبيعة الإشكال الذي صدرت عنه الدراسة وبنيت في ضوئه فرضية الانطلاق. ذلك أن البحث في بلاغة أنواع الخطاب النثري تستدعي رؤية نقدية تستطيع الكشف عن الخصائص النوعية والبلاغية للنصوص في ضوء السياقات الثقافية التي انبثقت عنها والغايات التي صيغت لأجلها. وما من شك أن أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة شكلت منظومة اتصال بلاغي تتفاعل فيه الخصائص النوعية للنصوص والأغراض التداولية التي يتغياها المؤلف. إنها أنواع خطابية يتآزر فيها البعد الجمالي والغرض التداولي من أجل بناء بلاغة نثرية تستطيع التأثير في المتلقي بهدف خلق ردود أفعال لديه تحرضه على الفعل وتحثه على اتخاذ موقف. ومن هنا كان اختيارنا المنهجي لهذا النمط من الدراسة راجع بالأساس إلى فعاليته في الكشف عن الخصائص التي تميز بلاغة الخطاب النثري عند ابن قتيبة في بعديها المعرفي والجمالي، فقد ارتبط هذا النثر بسياقات معرفية وعقدية جعلت منه خطابا تواصليا ينبني في أغلب الأحيان على الفعل التحريضى المدعوم بالتأثير البلاغي. وهو ما استوجب البحث في الوسائل التي تمنح الأنواع النثرية خصائصه الجمالية والإقناعية في نفس الآن؛ فقد كان ابن قتيبة أحد الأطراف البارزة في الصراع الفكري والعقدي الذي كان محتدما في القرن الثالث الهجري بين رؤساء الفرق المذهبية المتطاحنة. إذ تصفه المصادر بأنه خطيب أهل السنة مثلما كان الجاحظ خطيب المعتزلة. ولا شك أنه لم يكن ليستحق هذا الوصف لولا انخراطه في الدفاع عن آراء وتصورات الفكر السني ضد خصومه من أصحاب التصورات الفكرية والمذهبية المخالفة.
لقد توخينا من هذا البحث الكشف عن الطبيعة البلاغية لأنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة. ولذلك راعينا في تحليلها الفروق النوعية والبلاغية المميزة لنصوص نثرية متغايرة من حيث الأشكال والأنواع والصيغ والأنماط متجنبين تحويل الدراسة إلى جملة من التقنيات الشكلية التي لا تساعد على ضبط مناحي الخصوصية في النصوص والخطابات بقدر ما تعمل على تنميطها. وقد شكلت البلاغة أداة منهجية وإجرائية أسعفتنا في دراسة أنواع مختلفة من الخطاب النثري دراسة بلاغية مكنتنا من سبر خصوصيتها النوعية واستخلاص أبعادها الجمالية والمعرفية في نفس الآن. ونظرا لتعقد الظاهرة المدروسة فقد سعينا إلى الانتفاع بالتصورات المنهجية الحديثة من قبيل نظرية الأجناس وتحليل الخطاب ونظرية الحجاج والأسلوبية والتداوليات وجمالية التلقي ونظرية التواصل، لما وجدنا في تشغيل مفهوماتها وأدواتها الواصفة من فائدة عظيمة يسرت لنا تعميق معرفتنا ببلاغة الخطاب النثري الذي صاغه ابن قتيبة. وقد احتكمنا في هذا الاختيار إلى وعي نقدي من تقاديره النظر إلى التراث العربي موصولا بالمشروع الثقافي المعاصر، بحيث ينصهر في لحظة القراءة الأفق القديم والأفق الحديث. ومن هنا يمكن إدراج الإشكال الذي يخوض فيه هذا البحث ضمن الإشكالات التي تطرحها المناهج النقدية المعاصرة من حيث الانشغال بمجموعة من القضايا الأدبية الحديثة في مقدمتها التفكير في إعادة كتابة تاريخ الأدب العربي، وهو ما يستدعي الانكباب على دراسة الأجناس النثرية القديمة باعتبارها مكونا أساسا من مكونات هذا الأدب الذي نروم إعادة كتابة تاريخه.
رابعا: هيكل البحث
لقد تيسر لنا من خلال النظر إلى نصوص ابن قتيبة أن نلمس بوضوح العلاقة الوثيقة بين بلاغتها النثرية والعقيدة السنية التي صدرت عنها. ومن هنا شكلت هذه الفكرة فرضية البحث وأطروحته الأساس؛ فقد كان التصور في البداية يقوم على اعتبار مؤداه أنه لما كانت مسائل العقيدة محور تفكير ابن قتيبة ومجال نظره، فلا بد أن تشيع مبادئها في نصوصه النثرية التي انبنت بلاغتها على أساس حجاجي وإقناعي فرضته الطبيعة الوظيفية لهذا النثر من حيث هو أداة في خدمة رؤية ووسيلة لتحقيق غاية. وقد اقتضى توضيح هذه الفكرة والاستدلال عليها من صلب نصوص ابن قتيبة استدلالا واضحا وكاشفا أن تتوزع الدراسة إلى قسمين اثنين يلتئمان بكيفية تتيح تمحيص الفرضيات التي انطلق منها البحث بكثير من الوضوح العلمي والضبط المنهجي.
خصصنا القسم الأول الموسوم بـ “البلاغة والإيديولوجيا” للنظر في طبيعة العلاقة بين البلاغة والإيديولوجيا من أجل إبراز دور العامل العقدي في توجيه بلاغة أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة. وقد استلزم تحقيق هذا المطلب أن يتوزع القسم إلى فصول ثلاثة. سعينا في الفصل الأول “البلاغة وسياق المؤلف” إلى إبراز مدى ارتباط البلاغة بالخلفية الفكرية والعقدية التي صدر عنها المؤلف من خلال تتبع تربية ابن قتيبة الذهنية باعتبارها سياقا فكريا يساعد على فهم بلاغته النثرية. وقد انتهينا من ذلك إلى الكشف عن طبيعة التكوين الذي خضع له المؤلف في رحلة تكوّن طويلة وشاقة تشرب خلالها مبادئ الفكر السني، الذي مثل مضمرا حجاجيا وموجها إيديولوجيا أذعنت له بلاغة خطابه النثري، كما شكل هذا الفصل مناسبة للوقوف على الأثر العميق الذي نجم عن اتصال ابن قتيبة بشيوخ الاعتزال في تربيته الذهنية وتكوينه العقلي. لقد أفاد من معارفهم وتأثر بمناهجهم على عدائه الشهير لهم. وقد أظهر التحليل أن وعي ابن قتيبة تشكل في وسط كلامي واعتزالي صميم. وهو ما مكنه من رسم أفق بلاغي نقيض للأفق الذي شيده المعتزلة.
وقد شكل الفصل الثاني “المشروع الثقافي” محطة أخرى للوقوف على الملامح العامة التي ميزت مشروع ابن قتيبة الثقافي. وذلك ببحث طبيعته وتعيين مقاصده وإبراز أثر الإيديولوجيا في توجيهه، حيث أظهر التحليل أن مشروع ابن قتيبة الثقافي مثقل بهموم دينية واعتقادية لا تنقطع عن مشاغل الفكر السني. ولذلك هيمنت عليه المقصدية الوظيفية والغاية الإيديولوجية. فقد كان ابن قتيبة كما أظهر التحليل يكتب ليفيد ويقنع أكثر مما كان يكتب ليمتع.
أما الفصل الثالث فقد توقف البحث فيه عند “التعارضات البلاغية” التي جلينا بعض أوجهها من خلال تتبع مظاهر السطوة التي فرضتها المقصدية الفكرية والعقدية على مباحث البلاغة كما تجسدت في مدونة سنية تمثلت في تراث ابن قتيبة وأخرى اعتزالية تجلت في تراث الجاحظ. وقد كشف هذا الفصل أن التعارضات البلاغية بين نثر الرجلين ناجمة عن المغايرة بين نسقين فكريين متعارضين أساس الأول الرواية والنقل أما الثاني فقوامه الدراية والعقل.
إذا كان القسم الأول قد شكل إطارا عاما حاولنا أن نثبت فيه أن أفكار ومواقف ابن قتيبة مرتهنة أصلا وفصلا إلى مقررات الفكر السني، فإن الحاجة بدت ماسة إلى تخصيص القسم الثاني لـ “بلاغة الأنواع النثرية” من أجل إبراز أثر هذا الفكر في نثر ابن قتيبة في سعي لضبط مناحي التفاعل والجدل بين المقصدية الإيديولوجية من جهة (القسم الأول) وتجليات البلاغة النثرية من جهة ثانية (القسم الثاني). وقد استلزم تحقيق هذه الغاية اصطفاء نماذج من أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة من أجل إخضاعها للدراسة والتحليل، حيث اخترنا أنواعا نثرية ستة تمثلت في التأليف الموسوعي والمناظرة والخبر والترجمة والخطبة ومقامات الزهاد. ويرجع اختيارنا لهذه الأنواع دون غيرها إلى عوامل منهجية موضوعية تتلخص في أن آثار النسق الفكري والعقدي الذي صدر عنه المؤلف تظهر فيها بشكل واضح وجلي. وقد تطلب منا تحليل الأنواع التي اصطفينا تخصيص فصول ستة تكون القسم الثاني من البحث يختص كل فصل منها بتحليل نوع بعينه تحليلا بلاغيا يتيح الاستدلال على أثر العقيدة في بلاغة ابن قتيبة النثرية استدلالا واضحا وكاشفا . وقد راعينا في دراسة كل نوع طبيعته البلاغية في ضوء متطلبات النوع الذي ينتمي إليه. وهو إجراء فرضته البلاغة النوعية، التي اتخذنا منها هاديا في هذا البحث، ومرقاة للكشف عن مكامن الخصوصية في بلاغة ابن قتيبة النثرية.
اهتم الفصل الأول بفحص المكونات البلاغية التي جعلت من كتاب “عيون الأخبار” نصا موسوعيا تقوم بلاغته على تعدد الأشكال والأنواع والصيغ والأنماط، حيث شكل مصب أنواع الخطاب المختلفة ونقطة تقاطعها. وقد مكننا التحليل من استخلاص أبرز هذه المكونات التي حصرناها في الشفاهية والرواية والمزج بين الجد والهزل. لينتقل البحث بعد ذلك إلى محاولة استقصاء عناصر التواصل البلاغي التي جعلت من هذا التأليف الموسوعي نصا فعالا ومؤثرا، فتوقفنا عند الملمح الإقناعي لصورة المؤلف الحجة التي جسدتها ممارسات تأليفية تمثلت في الإشارة إلى موسوعية المؤلف والتلميح إلى نزاهته في الرواية والنقل إلى جانب الرقابة التي فرضها على مروياته من خلال عمليات الشرح والتوثيق والتصحيح. لقد كشف التحليل أن ابن قتيبة أراد من هذه الإجراءات دعم صورة المؤلف الحجة التي يتقمصها باعتبارها مدخلا لإقناع القارئ بقيمة النصوص التي جمعها وجدواها بالنسبة إليه. ولما كان التواصل البلاغي يقتضي مراعاة حاجات المتلقي ورغباته فقد كان من الضروري أن نعرض لدور المتلقي في بناء بلاغة النص الموسوعي منطلقين في ذلك من نتائج نظرية التلقي التي تقرر أن المؤلف يصوغ خطابه في ضوء الكفايات التأويلية التي يفترضها في متلقيه. لقد يسرت لنا دراسة كتاب “عيون الأخبار” من منظور بلاغي أن نثبت الارتباط الوثيق بين الشكل الموسوعي الذي اختاره ابن قتيبة لتنظيم المواد النصية التي جمعها ومقتضيات السياق الفكري والعقدي الذي صدرت عنه.
انصب الجهد في الفصل الثاني على دراسة المناظرة، كما تجسدت في نص “تأويل مختلف الحديث”، دراسة بلاغية مكنتنا من الكشف عن الاستراتيجيات التي انبنت عليها بلاغة الخطاب الإقناعي في هذا النص الذي خصصه المؤلف للدفاع عن أهل الحديث ضد خصومهم من المعتزلة وأصحاب الرأي. وقد أتاح لنا التحليل البلاغي لنص”تأويل مختلف الحديث” في ضوء مقومات جنس المناظرة إعادة تجنيسه ضمن نوع خطابي اصطلحنا عليه بـ”المناظرة المفترضة” التي تتميز من المناظرة العملية بأنها حجاج في اتجاه واحد، لأن ابن قتيبة يناظر خصما مفترضا يضع على لسانه جملة من الأسئلة والاعتراضات يتولى نقضها فيما بعد. وقد فرضت طبيعة المناظرة باعتبارها نوعا حجاجيا يميل إلى التأثير والإفحام أن يتوجه التحليل إلى فحص البناء الإقناعي في نص المناظرة من خلال تتبع واستقصاء أهم الاستراتيجيات الحجاجية التي سخرها المؤلف للتأثير في متلقيه تأثيرا بلاغيا يمكن من استمالته للأفكار والآراء التي تمثل وجهة نظر أهل السنة. وقد وقف البحث عند أهم الاستراتيجيات الخطابية التي شكلت نسيج البلاغة الإقناعية لقد كشف التحليل البلاغي لنص المناظرة كما تجسدت في “تأويل مختلف الحديث” عن تواصل حجاجي وإقناعي تحكم في تحديد أسسه البلاغية النسق الفكري والإيديولوجي الذي صدر عنه المؤلف.
انشغل الفصل الثالث بالنظر إلى بلاغة الخطاب الخبري عند ابن قتيبة كما تجسد في نصوص حكائية تتصل بشكل مباشر بالسياق الثقافي والعقدي الذي نشأت فيه مما جعلها نصوصا دائرة في فلك التواصل البلاغي الوظيفي. وقد استلزم الكشف عن خصائص التواصل الذي أرساه المؤلف في نصوصه الخبرية أن يتوجه التحليل إلى محاولة استخلاص أهم الأسس البلاغية والنوعية التي انبنى عليها خطابه الخبري باعتباره نوعا سرديا صيغ لأجل خدمة غرض حجاجي وإقناعي، حيث مكننا التحليل البلاغي لنصوص الأخبار من تحديد المرتكزات التي جعلت من الخبر تواصلا بلاغيا فعالا ومؤثرا. ولما كانت نصوص الخبر لا تنفصل عن السياق الفكري والعقدي الذي انبثقت عنه، فقد اقتضى ذلك توجيه الاهتمام إلى محاولة استقصاء مظاهر انصياع الخطاب الخبري عند ابن قتيبة لسطوة العامل العقدي. وهو ما كشفت عنه ممارسات تأليفية وخطابية عديدة همت شكل الخبر وبناءه ومضمونه والتقنية المعتمدة في سرده؛ فقد أوضح التحليل أن خطاب الخبر عند ابن قتيبة لا ينفصل عن المقاصد الفكرية والغايات الإيديولوجية التي صيغ لأجلها. لقد توخى توصيل جملة من المضامين المعرفية والسلوكية والعقدية. وقد استدعت هذه الغاية أن يقوم الخطاب الخبري عند ابن قتيبة على مرتكزات بلاغية ونوعية تتميز بالفعالية والوظيفية.
عني الفصل الرابع بمحاولة استكناه ملامح التواصل البلاغي في تراجم ابن قتيبة. وقد مكننا النظر الدقيق في خطاب التراجم من تحديد أهم الأسس التي انبنت عليها بلاغة هذا النوع النثري، وهي أسس أجملناها في الاختيار والرواية والشرح والتوثيق. لينشغل البحث بعد ذلك بتحليل نصوص التراجم تحليلا بلاغيا توخى الكشف عن المقاصد التي وجهت صياغتها والغايات التي حفزت على إنشائها مما أتاح لنا أن نثبت أن التراجم أداة بلاغية توسل بها المؤلف لتحقيق تواصل فعال مع متلقيه من أجل إقناعه بجملة من المضامين الفكرية والعقدية والسلوكية. وقد أسلمنا التحليل إلى استخلاص نتيجة نهائية مؤداها أن عمل ابن قتيبة في صناعة التراجم جزء من مشروع ثقافي لا ينقطع عن المقاصد الفكرية والعقدية التي تحكمت في بلاغته النثرية.
اتجهت همتنا في الفصل الخامس إلى إبراز أسس البلاغة الإقناعية في الخطبة بوصفها نوعا حجاجيا غرضه التأثير والإقناع. وقد تطلب تحقيق هذه الغاية تحديد المقامات التواصلية التي تنزلت فيها الخطب المختارة باعتبارها مقياسا بلاغيا يراعيه المتكلم من أجل تحقيق أغراض تأثيرية وتداولية. فقد كشف التحليل أن ابن قتيبة ابتغى من جمع خطب مختارة إعداد متن مرجعي يمكن من بناء الكفاية الإقناعية لدى المتلقي، كما أوضح البحث أن اختيار الخطب لم يستند إلى المقياس البلاغي وحده، حيث بدا لنا أن المؤلف يراعي في الخطب المختارة مدى استجابتها للغايات الفكرية والمقاصد العقدية التي صدرت عنها عملية الاختيار. لقد مكننا تحليل الخطب من أن تثبت أن عملية اختيار الخطب خضعت لموجهات النسق الفكري والعقدي الذي صدر عنه المؤلف.
تناول الفصل السادس “مقامات الزهاد” بوصفها نوعا نثريا تفاعلت فيه زمرة من مكونات التبليغ الخطابي مكنت المؤلف من إرساء تواصل بلاغي فعال ومؤثر. وهو ما استدعى النظر إليها من منظور بلاغي بغية تحديد الاستراتيجيات الإقناعية التي سخرها هذا النوع النثري من أجل فرض المحتوى التداولي الذي يحمله. وقد مكنتنا هذه الوجهة في التحليل من أن نحدد أهم الركائز التي انبنت عليها بلاغة المقامات باعتبارها خطابا تواصليا صيغ على نحو يؤدي وظيفة تأثيرية وتداولية. وهو ما يؤكد أن “مقامات الزهاد” التي اختارها ابن قتيبة لا تنقطع عن السياق الفكري والعقدي الذي تحكم في بناء بلاغتها التي تميزت بالفعالية والوظيفية.
لقد التأم قسما البحث وفصوله في بناء منهجي متلاحم من أجل الاستدلال على فكرة أساس مثلت عصب الدراسة مؤداها أن بلاغة أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة خاضعة لموجهات السياق الفكري والعقدي الذي انبثقت عنه؛ فهي تسعى إلى توصيل رسائل المؤلف إلى متلقيه أكثر مما تسعى إلى خلق موضوع جمالي. ولذلك هيمنت فيها الوظيفة التداولية الإقناعية على الوظيفة الأدبية الجمالية.
خامسا: خلاصات ونتائج
لقد حاولنا في هذا البحث الكشف عن بلاغة الخطاب النثري الموظف عند ابن قتيبة توظيفا مخصوصا يعرب في المحصلة عن فكر منشئه ووجدانه؛ فهو خطط في القول لا تنفصل عن استرتيجيات الخطاب البليغ باعتباره فعلا وممارسة عملية مدارهما على وظائف الكلام وليس على الأشكال في ذاتها مفصولة عن المقاصد. وقد استوجب ذلك مراعاة البعد الحجاجي التداولي في تلقي نثر ابن قتيبة باعتباره خطابا تواصليا ينطوي على جملة من الوظائف المعرفية والعقدية والسلوكية. ونعتقد أن هذا النمط من الدراسة واقع في صميم البلاغة بما هي بحث في الأشكال موصولة بالمقاصد، حيث يتداخل في التحليل البلاغي ما هو نصي جمالي بما هو حجاجي تداولي أو إيديولوجي. وعلى هذا الأساس انصرف البحث إلى استخلاص مظاهر التفاعل بين الأدوات البلاغية والغايات الإيديولوجية في أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة عن طريق تحليلها تحليلا بلاغيا يزاوج بين البعد الجمالي والغرض التداولي. وقد تحصلنا من ذلك على جملة من النتائج أبرزها:
-إن ابن قتيبة لم يكن مجرد أديب وناقد وإنما كان، قبل هذا وبعده، متكلما. إنه صاحب مقالة ورئيس نحلة. ولذلك لم يعتن بالجانب الأدبي والجمالي في الخطاب قدر عنايته بفعالية الخطاب ونجاعته؛ أي الجوانب الحجاجية والاستدلالية في الخطاب البليغ. ومن هنا كانت البلاغة، عند ابن قتيبة، منظورا إليها من زاوية وظيفتها العملية والإنجازية؛ أي القدرة على التأثير في المتلقي لتعديل موقفه أو سلوكه .
– إن أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة لا تتنزل في فراغ، ولكنها متنزلة ضمن واقع فكري وثقافي مخصوص. ولأجل ذلك فإنه يغدو من السائغ بل من المطلوب دراسة أنواع الخطاب المختلفة في ضوء العلاقة التفاعلية التي تجمعها بالسياقات الفكرية والعقدية التي ارتبطت بها أو انبثقت عنها.
– إن إدماج أنواع الخطاب التي صاغها ابن قتيبة في سياقات فكرية وأنساق ثقافية أوسع يظهر حاجتها إلى القراءة والتأويل في ضوء النسق الفكري والعقدي الذي صدرت عنه، فقد ثبت لدينا من فحص أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة أنها تترجم مقولات العقيدة السنية التي حكمت إنجازها ووجهت صياغتها.
– إن العودة إلى التراث النثري ضرورية من أجل إعادة الاعتبار إلى مختلف أشكال الخطاب وأجناس الكتابة التي ظلت على هامش الدرس النقدي والبلاغي، ولن يتحقق ذلك إلا بتجاوز النظرة النقدية الضيقة التي لا تحفل سوى بالأجناس التي تلتقي، في تكوينها الأسلوبي، بالمقومات التي رسخها جنس الشعر بينما تقصى أنواع خِطابية أخرى لاعتمادها سمات أسلوبية مغايرة.
– لقد تفتقت قراءة ابن قتيبة لنثر الجاحظ عن أفق بلاغي يحتكم إلى معيار ديني يقوم على المطابقة بين الكتابة والسلوك. ولذلك عمد ابن قتيبة إلى تقييم الموضوعات الأدبية التي عالجها الجاحظ في نثره باعتبارها ظواهر سلوكية وليس خطابات تخييلية. وقد أفضى تباين الخلفية الفكرية والعقدية التي صدر عنها كل من ابن قتيبة والجاحظ إلى تعارضات بلاغية تجسدت بالأساس في ميل الخطاب النثري عند ابن قتيبة إلى تغليب الوظيفة التداولية العملية في حين انحاز نثر الجاحظ إلى الوظيفة الأدبية الجمالية.
-إن تلقي نثر ابن قتيبة في سياق بلاغة أنواعه المخصوصة يشكل بعدا من أبعاد هذه البلاغة المتمثل في تعدد الأشكال والأنواع والصيغ والأصناف في هذا النثر. مما يعني أن أحد وجوه بلاغة الخطاب النثري عند ابن قتيبة تجلى في تعدد أنواعه وأشكاله. وهذه النتيجة تقود المحلل البلاغي إلى دراسة هذا النثر باعتباره مقامات نوعية مخصوصة.
– إن بروز المعيار البلاغي الوظيفي في تلقي نثر ابن قتيبة لا يعني غياب البعد الإمتاعي عنه، فبالرغم من أن انتماء هذا النثر إلى الأدب الكلاسي يجعل منه نثرا وظيفيا، فإن المقصد الإمتاعي لم يغب تماما عن ذهن ابن قتيبة خاصة في نثره السردي الذي لم يقتصر على وظيفة الإبلاغ بل جعل من المقصد الإمتاعي غاية يتطلع إليها. مما يعني أن الخطاب النثري عند ابن قتيبة اتسع للوظيفتين الحجاجية والأدبية. وهو من هذه الناحية يستجيب لمعايير القراءة الأدبية التأويلية كما يستجيب لمتطلبات التلقي التداولي الوظيفي.
– لقد شكل مفهوم النص الجامع مدخلا مناسبا لقراءة بلاغة نص “عيون الأخبار” وتجنيسه، حيث يقوم بناء هذا النص على التأليف بين نصوص عديدة تنتمي إلى أشكال تعبيرية مختلفة مثل الخبر والمثل والشعر والوصية والمناظرة والدعاء والخطبة والرسالة والحكمة؛ فهذا التداخل بين مواد نصية متنوعة أدبية وغير أدبية يمثل سمة بارزة في تكوين بلاغة النصوص التي تتخذ شكلا موسوعيا، حيث يستند المؤلفون في هذا النوع من التأليف إلى مفهوم للكتابة يقوم على تداعي الشواهد وتنوع المصادر. ولعل هذا التداخل بين الأنواع والأشكال والأصناف أن يكون المدخل الملائم لقراءة النص الموسوعي قراءة تتيح الكشف عن بلاغته النوعية.
– إن المناظرة المفترضة أداة حجاجية لاذ بها ابن قتيبة من أجل الدفاع عن جملة من الأفكار المذهبية والآراء العقدية التي تمثل وجهة نظر أهل السنة. ولذلك هيمنت عليها الوظيفة الإقناعية. لقد تمكن ابن قتيبة، باجتنابه المناظرة القائمة على المواجهة واللجوء بدلا من ذلك إلى التأليف، من تحويل الخصم من سامع يمكنه المفاوضة ومقارعة الحجة بالحجة إلى قارئ لا يملك إلا أن يتقبل الخطاب الحجاجي الموجه إليه كتابة. وما من شك أن اختيار هذا الوضع التواصلي في مناظرة الخصوم يمثل استراتيجية بلاغية مكنت ابن قتيبة من تحقيق كثير من المقاصد الحجاجية والغايات الإقناعية التي عينها لمناظرته، حيث كفته التبعات الناجمة عن المواجهة كما أتاحت له أن يحكم تأليف خطابه وترتيب حججه وتجويد عبارته.
– لقد انبثقت النصوص الخبرية عند ابن قتيبة من صميم السياق الثقافي والعقدي الذي نشأت فيه مما جعلها خطابا دائرا في فلك التواصل البلاغي الوظيفي، فهي لا تخفي خدمتها لخطاب إيديولوجي صريح حينا ومضمر أحيانا، حيث اضطلعت جملة من الأخبار بالصياغة السردية لكثير من الآراء العقدية والمبادئ الخلقية التي يدافع عنها المؤلف. ولذلك هيمنت عليها الوظيفة العملية الإنجازية. إذ تحولت في أغلب الأخبار إلى حجة أو قول إنجازي آمر يحرض على الفعل ويحث على اتخاذ موقف. إنها أداة في خدمة رؤية ووسيلة لتحقيق غاية. وهو ما جعل من خطاب الخبر عند ابن قتيبة امتدادا للنسق الفكري والعقدي الذي صدر عنه المؤلف.
– لقد تميزت بلاغة التراجم عند ابن قتيبة بالجمع بين البعد التداولي الوظيفي والقصد الجمالي الإمتاعي. وهو إجراء اقتضته حاجة المؤلف إلى التواصل مع قارئ عام يطلب المتعة النفسية والوجدانية التي تكفلها بلاغة الشعر. ولذلك بث ابن قتيبة كثيرا من الأشعار في ثنايا تراجمه متوخيا من ذلك تجاوز المعاني المباشرة والدلالات الصريحة التي يوفرها النثر السردي إلى الإمتاع النفسي الذي يتحقق عن طريق التخييل الشعري.
– تمثل نصوص الخطب التي اختارها ابن قتيبة سعي المؤلف إلى بناء الكفاية الإقناعية لدى متلقيه. فقد شكلت الخطابة عند زعماء الفرق الإسلامية الوسيلة المثلى في الدعوة إلى المذهب والرد على دعاوى الخصوم. وهو ما استدعى الاعتناء بشروط الإرسال الجيد؛ أي قوانين إنتاج الخطاب الإقناعي. وقد أسهم ابن قتيبة، المجادل على طريقة أهل السنة، في تحقيق هذه الغاية باختيار جملة من الخطب البليغة قدمها للمتلقي من أجل مساعدته على اكتساب مهارة التواصل الإقناعي.
-إن “مقامات الزهاد” التي اختارها ابن قتيبة جزء من السياق الفكري والثقافي الذي نشأت فيه. إنها أداة بلاغية توخى المؤلف من خلالها بث رسائل التهذيب والإصلاح؛ فالمقامات تضع القارئ في دائرة القيم المشتركة التي تعارف عليها الناس، كما أنها تدعوه ضمنا إلى ممارسة تلك القيم في علاقته بأفراد المجتمع الذي ينتمي إليه. ولذلك انبنت “مقامات الزهاد” على تقديم معرفة أخلاقية مطابقة لسلم القيم التي تبنتها الجماعة من أجل دفع المتلقي إلى الانصياع لمتطلبات القيم في سلوكه اليومي. وهو ما يقود إلى السمو بالفرد العربي المسلم لكي يصير إنسانا صالحا في المجتمع.
كانت هذه أبرز النتائج التي انكشف عنها البحث في بلاغة الأنواع النثرية عند ابن قتيبة في ضوء الخلفية الفكرية والعقدية التي صدر عنها صاحب هذه البلاغة.
سادسا: الآفاق التي يفتحها البحث
لسنا ندعي أن بحثنا قد استنفد جميع القضايا التي تثيرها بلاغة الأنواع النثرية عند ابن قتيبة، فالنتائج التي انتهت إليها هذه الدراسة يمكن أن تكون منطلقات لأبحاث أخرى تتولى وصف وتفسير التراث النثري العربي من زوايا مختلفة. ذلك أن فحص صلة الأنواع النثرية بالعقيدة يمكن أن يكون أفقا من آفاق الدراسات الثقافية التي ترمي إلى تلمس دور الأنساق الفكرية والعقدية في توجيه أشكال الخطاب المختلفة وبناء بلاغتها على نحو يساعدها في تأدية مقاصدها العامة. كما أن اهتمامنا بوصف وتفسير الأنواع النثرية في ضوء خصائصها النوعية يمكن أن يقود إلى إعادة النظر في مسألة العلاقة بين تجليات الخطاب المختلفة وسياق النوع الذي تنتمي إليه. وربما فتحت دراسة أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة في ضوء أوضاع التخاطب وسياق التواصل باب التوسع في تقصي مظاهر البعد التداولي في أنواع الخطاب المختلفة بوصفها عملا تواصليا ينبني على جملة من قواعد التفاعل القولي الذي توجهه مقاصد المتخاطبين. فقد أوضح تحليل أنواع مختلفة من الخطاب النثري عند ابن قتيبة أنها تواصل يراعي مقتضيات السياق التخاطبي الذي نشأ فيه. ولذلك هيمنت عليها الوظيفة التداولية الإنجازية. وهي نتيجة يمكن أن تشكل إطارا مهما للبحث عن القيم التداولية في مختلف أشكال الخطاب وأصنافه بما فيها النصوص الأدبية التي تبدو بعيدة عن الغاية الحجاجية الإقناعية. فيمكن لهذا البحث، إذن، أن يكون منطلقا لتعديل النظرة التي لا تلتفت إلى القيمة الخَطابية في النصوص الأدبية. وربما قاد التعمق في هذه الظاهرة من خلال مجالات خِطابية أخرى أدبية وغير أدبية إلى مزيد من النتائج المتعلقة بإبراز دور السياق وأوضاع التخاطب في إظهار الفرق بين بلاغة السياق التواصلي وبلاغة العبارة معزولة عن سياقها. وبالإضافة إلى ذلك يمكن لاعتناء هذا البحث بإبراز أثر العقيدة السنية في بلاغة ابن قتيبة النثرية أن يفتح المجال أمام التعمق في تقصي مظاهر السطوة التي تفرضها الخلفية الفكرية والمذهبية على بلاغة النصوص والخطابات، فقد كشفت الدراسة البلاغية لنثر ابن قتيبة أن أنواع الخطاب المختلفة لا تنقطع عن السياق الثقافي والعقدي الذي انبثقت عنه.
لقد حاولنا في هذا البحث أن نختبر مدى نجاعة الدراسة البلاغية في الكشف عن جوانب من الخطاب النثري عند ابن قتيبة ظلت محجوبة عن الدراسات النقدية المعاصرة. ونعتقد أن هذا النثر كان في حاجة إلى مثل هذا البحث من أجل إبراز القيم البلاغية والأبعاد الإنسانية والإيديولوجية التي زخر بها .ويقتضي الإنصاف أن نعترف في ختام هذا البحث أننا لم نوف أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة حقها من الوصف والدرس، ولكن حسبنا أننا فتحنا مجال البحث في صلة الأنواع النثرية بقضايا العقيدة من منظور البلاغة النوعية مما أسعفنا في وضع اليد على كثير من ملامح البلاغة النثرية التي جسدتها في تراث ابن قتيبة نصوص متغايرة من حيث خصائصها النوعية واستراتيجياتها الخِطابية. ولعل البحث قد اهتدى إلى وجه الحق فيما رجحه ودافع عنه. وإن كان هناك تقصير فمرده إلى تعجلي وقلة صبري. وإن كان ثمة من فضل فمرجعه إلى الله الذي أستمد منه العون والسداد.
في الختام أجدد شكري وامتناني لأستاذي الفاضل الدكتور محمد مشبال الذي أشرف على جميع بحوثي الجامعية (الإجازة والدبلوم والدكتوراه). عرفت في الدكتور صرامة علمية ودقة منهجية لا يفرط فيهما تحت أي ظرف، كما عرفت فيه الإنسان الذي يأخذه الحدب على طلابه فلا يدخر جهدا في سبيل إرشادهم وتقويم ما اعوج من بحوثهم. كما أجدد شكري وامتناني للجنة العلمية الموقرة على تفضلها بقراءة البحث ومناقشته وعلى ما ستقدمه من ملاحظات علمية حصيفة مؤكدا لهم اعتزازي المسبق بتوجيهاتهم الرشيدة وتصويباتهم السديدة التي سأفيد منها حتما في تجاوز ما قد يكون اعتور البحث من نقص أو قصور.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.


ويبقى العشق للأدب خالدا لدى الشاعر والباحث مصطفى الغرافي الذي يعتبر الأدب هو إكسير حياة الإنسان الذي يرقى به إلى مستوى الكائن المبدع والمبتكر، وبهذه المناسبة نحيي الأم السيدة حليمة التي أنجبت وربت هذه الفراشة التي خرجت من شرنقة الأوبيدوم لتحلق في سماء الأدب . لك كل الدعاء بالصحة والعافية والفخر بما أنجبت من القصر الكبير إلى اخر بقعة في هذا العالم.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع