أخر تحديث : الخميس 6 يناير 2011 - 7:17 مساءً

حوار محمَّد حلمي الرِّيشة: الشَّاعرُ مُنشِدُ الحريَّةِ الأَبديِّ..

أنس الفيلالي | بتاريخ 6 يناير, 2011 | قراءة

 

  

يظلّ يرتّل الشاعر محمد حلمي الريشة مقطوعةً بسدول تفتح نواقيسها الخضراء على درب جذور في ليالٍ تعبق القصيدة بمخيلتها وأسئلتها الثكلى تحت النار، من مشيئة توقظ لون الريح باتجاه الأغصان السرمدية المترجمة شجونها إلى الغناء أيّما أسدلت البحار حقولها وخضرة زرقتها بين الأنوار، ومن رفرفات تفرش للبحث ساعته.

مثل ذاك الموج الذي يحركه أثناء السكون على الغبار، والنظر في الحياة الشاحبة بالماء، إذ يحرك سكينة العراة حوافر وحلِهم وخضرته. أما الجهة الأخرى من البحر اللازوردي، فيسوق حقل العسل خلف القمر، بأذرع منقوشة ترتل الأناشيد الورقاء بإيقاع الأحمر الساكن، والأخضر العذب، والأسود الخاثر في ملوحته وبيوضة الغد.

 

تحاكيه الكلمات في الجهة الأخرى من الرماد الأخير، فترتل حتى الماء ما جاد به الوقت في أخطبوطه: القصيدة هنا في اتجاه كل الريح.. القصيدة وجهان للخلود، في الظلال الوارفة خلف سيمفونيته، وفي قصيدته القصيدة وقت شعره.

* من هو الشاعر محمد حلمي الريشة في كلمات؟
– اسأَلُوها.. اسأَلُوا القصيدةَ.. قَصيدتي.

* ما لا شك فيه، أن الأماكن الأولى للشاعر تنقش في أحاسيسه مذاقًا خاصًّا، فماذا نقشت مدينتك “نابلس” في ذاتك وفي قصيدتك؟
– تُشعِرني”نابُلُس” بأَنَّها معنَى/ دلالةُ الجاذبيَّةِ الأَرضيَّةِ؛ فهيَ مشكَّلةٌ منْ جبلَيْنِ مقوَّسينِ ووادٍ بينَهما، كأَنَّها النِّصفُ العُلويُّ لجسدِ امرأَةٍ في تأَلُّقِها الأَبديِّ، فلاَ يهرمُ أَو يشيخُ. “هيَ رابعُ مدينةٍ في العالمِ منْ حيثُ النَّشأَةِ”. لذَا فإِنَّ نظَري كانَ يَصطدمُ بجبلَيْها “ثديَيْها” وأَنا واقفٌ في المسافةِ الضَّيَّقةِ جدًّا بينَهما، فأَرفعُ بصَري إِلى الأَزرقِ العاليِّ، وأُردِّدُ: “أَنَا مِنْ هُنَاكَ مِنَ السَّمَاء / فَمَنْ عَلَى الدُّنْيَا رَمَانِي؟” “أَبو الطَّيب المتنبِّي”.
لمْ أَكتبْ عنْها/ لهَا سِوى قصيدةٍ واحدةٍ/ يتيمةٍ عُنوانها “ن.. هذهِ الغابةُ وخرِيفي أَنا”، أَقطِفُ منْها: “صَدْرُكِ يَكْسِرُنِي غُصْنًا فِي غَابَتِهِ/ تُوجِعُنِي الرِّيحُ المُتَلَعْثِمَةُ الحَرَكَاتْ/ وَيَهُبُّ عَلَى رَفَّةِ عَيْنِي../ وَجْهُكِ.. تَوْأَمُ أَفْكَارِي/ لَوْنُكِ.. لَوْنِي/ فَلِمَاذَا تَتَحَوَّلُ عَنِّي الأَحْلَامُ الصَّعْبَةُ وَالنَّجْمَاتْ؟”.

قدْ تستغربُ منْ أَنَّني لمْ أُغادِرْها إِلاَّ بعدَ أَنْ بلغتُ الأَربعينَ منَ العمرِ! ثُمَّ كانتْ خروجاتٌ مؤقَّتةٌ لأَهدافٍ ثقافيَّةٍ- أَدبيَّةٍ لبضعةِ أَيَّامٍ.
أَشعرُ أَنَّ مَا يَعنيني منْها، شخصًا وشعرًا، هوَ أُناسٌ عرفتُهم وأَحببتُهم فِيها.
لاَ أَستطيعُ الآنَ أَنْ أَستعيدَ مذاقَ أَحاسيسي بِها، فهيَ مختلطةٌ بأَشياءَ كثيرةٍ مبهَمةٍ، ومدغدِغةٍ، ومؤلمةٍ، و… معًا!

عمومًا؛ لستُ متعلِّقًا بالأَمكنةِ أَوِ الأَزمنةِ على المستَوى الإِبداعيِّ، لأَنَّ المبدعَ، وخصوصًا الشَّاعرَ، إِنسانٌ كونيٌّ، لاَ يقدِرُ على احتمالِ التَّأْطيرِ، أَوِ الحصار، أَوِ الحدودِ. هوَ، بأَهمَّ الأَوصافِ، مُنشِدُ الحريَّةِ الأَبديُّ.

* ما فاتحة النص الذي ورّطك في عالم الكتابة؟
– “في شتاءٍ مَا، في منزلٍ قربَ جبلِ عالٍ، وهوَ على فِراشِ مرضٍ باتَ مرضَ فِراشٍ أَصابَهُ بعدَ إِصابتهِ في مَفاصلهِ الطَّريَّةِ، كانَ يقرأُ كتابًا، والغيومُ تُعاكسُ الشَّمسَ وتُلاعبُ حضورَها وغيابَها، مَا عذَّبَ حدقةَ عينهِ الَّتي يُطلُّ طرفُها على النَّافذةِ المُشرَّعةِ للهواءِ الَّذي يحبُّه.. حملَ هذا المريضُ؛ مريضُ الفِراشِ والفَراشةِ قلمًا، وعلَى آخرِ صفحةٍ منْ كرَّاسةٍ مدرسيَّةٍ كانَ أَلقاها جانبًا بعدَ أَنْ ملَّ حوارَها؛ خطَّ بعضَ الكلماتِ المرتَّبةِ كسلَّمٍ بقدمٍ واحدةٍ ودرجاتٍ لاَ تتساوَى في أَطوالِها. وعندَما هبطَ عليهِ صمتُ الكتابةِ الَّذي لمْ يكُنْ يَعرفُ سببَه آنذاكَ، أَلقَى نظرةً عابرةً على كلماتِها المرتَّبةِ مثلَ شعرٍ حديثٍ، وببراءةِ القولِ أَعادَ القراءةَ، وسريعًا تذكَّرَ ترتيبًا بِهذا الشَّكلِ تضمُّهُ عدَّةُ مجموعاتٍ شعريَّةٍ في مكتبةِ البيتِ…” “منْ شهادةٍ لِي بعُنوان: “تخطيطٌ أَوليٌّ لِـمَا كانَ بعدُ””.

* كيف كانت بدايتك الأولى في النشر؟
– “أَمسكَ طرفَ الخيطِ الَّذي لاَ نهايةَ لهُ؛ الخيطِ الَّذي لمْ يكُنْ يعرِفُ، ومَا زالَ، إِلى أَينَ يقودُ؟ خيطِ الحبرِ وحبرِ الخطِّ الَّذي أَعادَ بهِ كتابةَ “المرَّةِ الأُولى” ليدفعَها إِلى فراغٍ في صحيفةٍ، كأَنَّ الفراغَ كانَ ينتظرُ أَنْ تدخلَ إِليهِ كلماتُه كفاتحٍ للبياضِ المُعكَّر. أَيُّ شيءٍ حكَّ يدَهُ لتفعلَ هذَا؟

-: ماذَا أَرى؟ أَهوَ أَنا هذَا الَّذي ينظرُ إِليَّ بحروفهِ السَّوداء؟
ومنْ شدَّةِ دهشتهِ ونشوتهِ، ظلَّ يطيلُ النَّظرَ إِلى اسمهِ الَّذي تآلفتْ حروفُ المطبعةِ لتظهرَهُ أَوَّلَ مرَّةٍ، ونسيَ مَا يليهِ وهوَ يسيرُ علَى رصيفٍ ضيِّقٍ فاتحًا ذراعيْهِ كجناحينِ نَبتا لهُ فجأَةً…” “منْ شهادةٍ لي بعُنوان “تخطيطٌ أَوَّلي لما كانَ بعدُ””.

* ما هي تفاصيل طقوس كتاباتك؟
– مَا منْ طقوسٍ معيَّنةٍ لكتابةِ الشِّعرِ الإِبداعيِّ، ولاَ لأَيِّ جنسٍ إِبداعيٍّ آخرَ. أَستغربُ جدًّا حينَ أَسمعُ عنْ طقوسٍ، لاَ بدَّ مِنها للشِّاعرِ، لكتابةِ الشِّعرِ! هذَا الكلامُ تكشِفُ نقيضَهُ إِشراقةُ القصيدةِ البرقيَّةُ في أَيِّ زمانٍ ومكانٍ وحالةٍ. هذهِ الإِشراقةُ تَنْدهُ الشَّاعرَ منْ ذاتهِ الشِّعريَّةِ، حتَّى لَو أَنَّ الفاعلَ فِيها عاملاً خارجيًّا.

“الشِّعرُ في نهايةِ الأَمرِ ذاتيٌّ قلبًا وقالبًا، ولكنَّهُ يجبُ أَنْ يكونَ بمعنًى منَ المعَاني إِنسانيًّا عامًّا أَيضًا.” “ماريان مور”.
كمْ منَ القصائدِ لمْ تكُنْ بسببِ أَنَّ شاعرَها لمْ يكُنْ جاهزًا لإِشراقتِها، أَو غافلاً عَنها، أَو غائبًا في حضورِها اللَّحظيِّ؟ إِنَّ التقاطَ الشَّاعرِ لإشراقةِ القصيدةِ تكونُ في انتباهتهِ الدَّائمةِ، فيسرِعُ لتدوينِها في الذَّاكرةِ بترديدِها، أَو على قصاصةِ ورقٍ، أَو علَى علبةِ لفائفِ تبغٍ، أَو علَى كفِّهِ، لأَنَّها قدْ تكونُ مشروعَ/ بدايةَ قصيدةٍ، أَو قصيدةً كلَّها.

* هل هناك مناطق محظورة في شعرك؟
– يُفتَرضُ في الإِبداعِ أَنْ لاَ شيءَ محظورٌ. هذهِ القاعدةُ الأَهمُّ للمبدعِ، وطبعًا نعرِفُ ما تَعنيهِ.

بالنِّسبةِ إِليَّ أَعتبرُ أَنَّ ذاتِي الشِّعريَّةَ استطاعتْ الدُّخولَ إِلى كلِّ مَا أَرادتهُ أَنْ يكونَ شعرًا، ولاَ شكَّ أَنَّ فنِّيَّةَ الشِّعرِ “مَا تجعلُه شعرًا” تساعدُ جدًّا في دخولِ كلِّ المناطقِ “ثَمَّ مناطقُ محظورةٌ جهلاً، أَو خوفًا، أَو هروبًا، أَو ضعفًا، أَو …، علَى الرَّغمِ منْ حقيقتِها الوجوديَّةِ بتأْثيراتِها علَى حياتِنا” الَّتي يَنقادُ إِليها الشَّاعرُ برغبةِ القصيدةِ/ الشِّعرِ.

* ما هي المدارس التي تميل إليها والكتّاب الذين تأثرت بهم؟
– مَا منْ مدرسةٍ معيَّنةٍ علَى الشَّاعرِ أَن يتَّبعها أَو يميلَ إِليها وحدَها، وَلا منْ شاعرٍ أَو كاتبٍ أَيضًا. هذَا تحديدٌ مؤطِّرٌ للإِبداعِ الشِّعريِّ الَّذي هوَ معَ الحرِّيَّةِ الإِبداعيَّةِ، حتَّى المدارسَ/ المذاهبَ الشِّعريَّةَ الَّتي عرَفنا، فإِنّها لمْ تكُنْ وليدةَ/ نسيجَ ذاتِها، بلْ كانتْ إِمَّا تطوُّرًا، أَو تغييرًا، أَو ثورةً علَى مَا سبقَها، وذلكَ طِبقًا للمتغيِّراتِ في كُلِّ مناحِي الحياةِ.

الشَّاعرُ المبدعُ يلتقطُ بحواسِّهِ النَّشطةِ أَيَّ/ كلَّ شيءٍ، حيثُ تأْخذُ مكانَها في ذاكرتهِ المُنتبهةِ، وحينَ الشِّعرُ، فإِنَّ الذَّاكرةَ المنتبهةَ والمخيلةَ التَّأْويليَّةَ، وبوساطةِ الحواسِّ الشَّاعرةِ لدَى الشَّاعرِ، تشتغلانِ معًا لإِنتاجِ نصٍّ شعريٍّ مُغايرٍ. يقولُ “تي. إس. إليوت” في هذَا الصَّددِ: “عقلُ الشَّاعرِ في الحقيقةِ إِناءُ صيدٍ وتخزينِ لِـمَا لاَ حصرَ لهُ منَ المشاعرِ والعباراتِ والصُّورِ الَّتي تبقَى فيهِ إِلى أَنْ تجتمعَ جميعُ الأَجزاءِ الَّتي يمكِنُ لهَا في اتِّحادِها أَنْ تُنشئَ خلقًا جديدًا”.

* الملاحظ في أسلوبك الشعري، أنه مدرسة بأسلوبها ومنهجها في العالم العربي، وهي تميل قليلاً إلى مدارس أميركا اللاتينية، فما رأيك بذلك؟ ومن هو القارئ الذي تحب أن تخاطبه؟

– لاَ أَعتقدُ أَنَّه مدرسةٌ شعريَّةٌ لأَنِّي أَجدُني أَكتبُ بأَكثرَ منْ أُسلوبٍ كلَّ قصيدةٍ ، بلْ لاَ أُحبِّذُ هذَا المصطلحَ الَّذي يقيِّدُ الشِّعرَ، ثُمَّ إِنَّ عصرَ المدارسِ/ المذاهبِ الأَدبيَّةِ انتهَى منذُ سنواتٍ كثيرةٍ، حتَّى السُّورياليَّة لمْ تكُنْ سورياليَّةً فقطْ، وكذلكَ مصطلحاتٌ مثلَ الحداثةِ، ومَا بعدَ الحداثةِ، فهيَ مصطلحاتٌ نسبيَّةٌ، ولاَ تشكِّلُ أَيَّ نصٍّ مهمَا كانتْ هويَّتهُ الإِبداعيَّةُ، لأَنَّ النَّصَّ الشِّعريَّ يتشكَّلُ في اللاَّوعيِ، ولاَ يمكِنُ لشاعرٍ أَنْ يكتبَ نصًّا بوعيٍ ومذهبٍ معيَّنٍ مَا إِلاَّ إِذا أَجبرَ نفسَهُ علَى هذَا.

والنَّتيجةُ الحتميَّةُ نصٌّ باهتٌ/ قليلُ الشِّعرِ، وأَميَلُ كثيرًا إِلى الافتعالِ، و”كمبدأٍ ودليلٍ، أُؤمنُ أَنَّ كلَّ قصيدةٍ لاَ بدَّ أَنْ تُكوِّنَ لنفسِها كونًا طازجَ الصُّنعِ، لذلكَ لاَ أُؤمنُ بـ “تراثٍ”، أَو بقاعدةٍ أُسطوريَّةٍ مشترَكةٍ.” “فيليب لاركن”.

أَمَّا مَن هوَ القارئُ الَّذي أُحبُّ أَنْ أُخاطبَهُ، فهوَ القارئُ المبدعُ “القارئُ خلاَّقٌ آخرُ” الَّذي يتقِنُ القراءةَ بحواسِّهِ، وكأَنَّه يُنشِئُ النَّصِّ الشِّعريَّ أَوَّلَ مرَّةٍ.

* تبدو ملهمًا بأدب الغرب، أليس كذلك؟
– وبأَدبِ الشَّرقِ، وأَيَّةِ آدابٍ أُخرى، فالآدابُ الإِنسانيَّةُ المختلفةُ هيَ حدائقُ جماليَّةٌ للشَّاعرِ وللقارئِ في آنٍ.

أَعتقدَ أَنَّ التَّركيزَ على أَدبٍ مَا، فيهِ حشْرٌ لأَجنحةِ الشِّعرِ اللاَّنهائيَّة في فضاءٍ ضيِّقٍ.
إِجمالاً؛ أَرى أَنَّ كثيرًا منَ الآدابِ الأُخرى أَجمل حريَّةً منْ آدابِنا/ ثقافتِنا الآنَ “نحنُ السَّببَ في قَفَصِها”، بدونِ الانتقاصِ منْ أَدبِنا الأَصيلِ في/ منذُ عصرِ الجاهليَّةِ القديمِ/ المعاصرِ/ الحداثيِّ.

* المتتبع في سيرتك الأدبية، يجد أنه إضافة إلى ريادتك الشعرية لأكثر من ثلاثة عقود مع بعض الأسماء الشعرية في العالم العربي، فأنت تترجم على مستوى عالٍ من الإبداع، وتنشر لك باستمرار أبحاث أدبية في المجلات العربية المحكمة، فما هو الجنس الأدبي الذي تجد فيه نفسك؟

– الشِّعرُ، بالتَّأْكيدِ، أَوَلاً وأَخيرًا؛ أَجدهُ في نفسِي وأَجدُ نفسِي فيهِ. لاَ إِراديًّا؛ نذرتُ لهُ جلَّ حيَاتي. أَعرِفُ أَنَّ هذَا كانَ على حسابِ أَشياءَ كثيرةٍ أُخرى لهَا ضروراتُها لِي “يمكِنُ للشَّاعرِ أَنْ يكونَ ذاتيًّا، لكنْ لاَ يليقُ بهِ أَنْ يكونَ أَنانيًّا” ولآخرينَ يخصُّونني “أَعتذرُ لهمْ بعدَ كلِّ قصيدةٍ” في الحياةِ، لكنِّي لمْ أَستطعِ الفرارَ منْ إشراقاتهِ المُذهلةِ بهزَّاتِها الوحشيِّةِ، والَّتي تَردُّكَ وتُردِيكَ حيًّا في حضنهِ الأُنثويِّ.

“الشَّاعرُ الجيِّدُ هوَ الشَّخصُ الَّذي يتمكَّنُ في عمرٍ كاملٍ منَ الوقوفِ في مهبِّ عاصفةٍ رعديَّةٍ فيصعقُه البرقُ خمسَ مرَّاتٍ أَو ستَّ، أَو عشرَ مرَّاتٍ أَو عشرينَ، والشَّاعرُ الجيِّدُ إِنسانٌ عظيمٌ” “راندول جاريل” علَى الرَّغمِ منْ بضعةِ محاولاتٍ إِراديَّةٍ “في الشِّعرِ يغلبُ اللاَّإِراديُّ الإِراديَّ” حاولتُ افتعالَها، خلالَ حيَاتي في الشِّعرِ، لعدَّةِ أَسبابٍ معنويَّةٍ وماديَّةٍ، لكنَّ فشلَ نجاحِها كانَ ينتصرُ للشِّعرِ ضدَّ “سُوءِ” نيَّةِ الشَّاعرِ بالإِفلاتِ منَ استدارةِ يديِّ الشِّعرِ حولَه بحنانٍ.

* الملاحظ في الترجمة العربية والمغربية خصوصًا، محدوديتها في الغالب على المؤسسات الحزبية والعلاقات الشخصية، والملاحظ أنك تترجم، بصفة أكثر، للشعراء الكبار في الغرب. لماذا لا تنكبّ قليلاً على الأسماء المحلية، أو العربية، أو نصوص المبدعين الشباب؟
– لمْ أَشتغلْ علَى مشروعِ ترجمةٍ شعريَّةٍ محدَّدٍ. مَا ترجمتُه كانَ لأَسبابٍ عدَّةٍ؛ مِنها مَا كانَ لهوًى شعريٍّ ذاتيٍّ، ومِنها لإِعجابي بأَشعارِ شاعرٍ، ومِنها منْ بابِ التَّجريبِ، ومِنها للوصولِ إِلى القصيدةِ بالنَّثر في أَصلِها، ومِنها منْ بابِ “الهايكو” اليابانيِّ، ومِنها منْ بابِ الهديَّةِ، ومِنها منْ بابِ الشِّعريَّةِ الأُنثويَّةِ “تصنيفٌ مجازيٌّ لاَ أَكثرَ”، ومِنها منْ بابِ الطَّلبِ، ومِنها منْ بابِ شعرِ أَمريكا اللاَّتينيَّةِ، ومِنها حينَ لاَ يكونُ الشِّعرُ في حَضرتي، وغيرُها منَ الأَسبابِ.

مَا لاَحظتُه، بعدَ النَّشرِ الأَوَّلِ للنُّصوصِ المترجَمةِ، هوَ تهافتُ الكثيرِ منَ المواقعِ الإِلكترونيَّةِ والشُّخوصِ الأَدبيَّةِ علَى إِعادةِ نشرِها لديهمْ، حتَّى بدونِ إِذنٍ منِّي، أَو إِعلاَمي بذلكَ! لاَ بأْسَ، فهيَ مثلُ أَشعارِي وكتاباتِي الأُخرى الَّتي أُطيِّرها في فضاءاتِ النَّشرِ، ولاَ أَربطُها بخيطٍ موصولٍ إِلى يدِي أَشدُّهُ إِليَّ متَى أَشاءُ، وأَصلاً لاَ فائدة ماديَّةً منْ هذَا العملِ الجميلِ.

بخصوصِ ترجماتٍ لشُعراءَ محلِّيِّينَ، أَو عربٍ، أَو شبابٍ، فهذَا يحتاجُ إِلى عملٍ كثيرٍ، يكونُ ضمنَ سياقٍ مؤسَّساتيٍّ ومدروسٍ، وليسَ خارجَ سياقٍ مشتَّتٍ وعشوائيِّ.
أَنا أَعيشُ الآنَ حياةً متعبِةً جدًّا، إِضافةً إِلى صَديقي المرضِ، وأَشتغلُ على إِنهاءِ مَا بينَ يديَّ منْ أَعمالٍ أَدبيَّةٍ واجبةِ الإِنجازِ، ومنْ ثُمَّ قدْ أَتفرَّغُ لكتابةِ سيرَتي الشِّعريَّةِ كخاتمةٍ لإِنجازاتي الأَدبيَّةِ.

* ماذا أضافت إلى تجربتك نصوصك المترجمة إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والبلغارية والإيطالية والإسبانية؟
– لستُ أَعرفُ، فلَمْ يصِلْني، أَو رأَيتُ، أَو توصَّلتُ إِلى أَيِّ أَثرٍ. كانتْ ترجماتٌ لها أَسبابُ مترجمِيها؛ مِنها مَا كانَ بفعلٍ شخصيٍّ مِنهم، ومِنها مَا كانَ لأَنطولوجيا فلسطينيَّةٍ، وربَّما لأَهدافٍ أُخرى.

مؤخَّرًا رأَيتُ صدفةً نصًّا شعريًّا لِي مترجمًا إِلى الفارسيَّةِ، ويبدُو أَنَّهُ أَعجبَ المترجمَ، فأَخذهُ منْ مجموعةٍ، أَو مجلَّةٍ، أَو جريدةٍ، أَو موقعٍ إِلكترونيٍّ، وترجمهُ، ومنْ ثُمَّ نشرهُ في موقعٍ لغتهُ الفارسيَّةُ. هذا يُغبطني دونَ شكٍّ، وأَفرحُ للشَّاعرِ فيَّ علَى مَا يتمُّ ترجمتهُ.

* أنت مدير دائرة المطبوعات والنشر في بيت الشعر الفلسطيني منذ سنة 2000، هل استطاعت المطبوعات والمجلة أن تقوم بما أسس من أجله أول مرة؟ وما الإضافة التي قام بها للثقافة الفلسطينية؟
– بالتَّأْكيدِ لاَ؛ إِذْ إِنَّ الأَحلامَ، والطُّموحاتِ، والأَهدافَ الواردةَ في بيانِ التَّأْسيسِ، وهيَ كثيرةٌ ومتنوِّعةٌ، مَا كانَ لنَا أَنْ نُحقِّقها كلَّها لأَكثرَ منْ سببٍ داخليٍّ وخارجيٍّ. خلالَ عشرِ سنواتٍ “1998-2008” أَخرجْنا عشراتِ المجموعاتِ الشِّعريَّةِ وغيرِها في الأَجناسِ الأَدبيَّةِ الأُخرى، وكانتْ محليَّةً وعربيَّةً، مِنها لشعراءَ وكتَّابٍ نصدِرُ لهُم العملَ الأَوَّلَ، ومنهُم مَنْ هوَ مكرَّسٌ، أَو قيدُ التَّكريسِ، وكانتِ المجلَّةُ، إِضافةً إِلى بُعدِها الفلسطينيِّ العربيِّ، جسرًا للتَّواصلِ عربيًّا سعيًا منَّا لاختزالِ الجغرافيَا العربيَّةِ. منذُ سنتينِ توقَّفَ عملُ بيتِ الشِّعرِ، حتَّى في منشوراتهِ الَّتي كانتْ تميِّزهُ، بسببِ أَنَّهُ أُلحِقَ مديريَّةً بوزارةِ الثَّقافةِ “موازنتُها 07% منَ الموازنةِ العامَّةِ”.

وبالتَّالي خضعَ للبيروقراطيَّةِ الإِداريَّةِ “لاَ يمكِنُ اجتماعُ حتَّى هَواء البيروقراطيَّةِ معَ هواءِ الإِبداعِ مطلقًا”، بعدَ أَنْ كانَ شبْهَ مُستقِلٍّ، لذَا أَصبحَ معطَّلاً “مثلَ بئرٍ معطَّلةٍ”، إِضافةً إِلى الأَهواءِ/ الأَمزجةِ/ الأَطماعِ/ الأَهدافِ الشَّخصيَّةِ النَّاخرةِ الَّتي كانتْ تشوبهُ مَا عجَّلَ وساهمَ بتَجميدهِ إِداريًّا وإِنجازًا كذلكَ.
للأَسفِ؛ ما زالتِ الأَخطاءُ الثَّقافيَّةُ- في مُعظمِها- أَخطاءَ بَشرِ الثَّقافةِ أَنفسِهمْ، ولمْ تَزلْ تتكرَّرُ. أَفهمُ مرضَ الكَتَبةِ الكَذَبةِ، مثلَما أَفهمُ أَشباهَهمْ، وشيَعَهمْ، وأُطرَهمْ “لستُ أَعنِي الشَّخصَ لشخصهِ، بلْ لمركزهِ الَّذي لاَ يستحقُّه بسببِ الضَّحالةِ، وشهوةِ الظُّهورِ، والأَنانيَّةِ، ومَا في هذَا المعجمِ منْ مُصطلحاتٍ”.

لمناسبةِ السُّؤالِ هذَا؛ أُكرِّرُ دعوَتي هُنا إِلى إِلغاءِ وزاراتِ الثَّقافةِ العربيَّةِ “ثَمَّ دولٌ أَجنبيَّةٌ فعلَتْها بعدَ أَنْ تأَكَّدتْ أَنْ لاَ حاجةَ/ ضرورةَ/ أَهميَّةَ لهَا”، وكذلكَ إِلى إِنهاءِ الاتِّحادِ العامِّ للكتَّابِ العربِ والاتِّحاداتِ الفرعيَّةِ لهُ في كلِّ دولةٍ عربيَّةٍ، لأَنَّه لمصلحةٍ شخصيَّةٍ/ فائدةٍ منصبيَّةٍ لرئيسِها العامِّ/ رؤسائِها فقطْ، ويَكفي أَنْ نقرأَ فنعرِفَ منْ وسائلِ الإِعلامِ عنْ هذَا، وعنْ أَهدافِ اتِّحادِ/ اتِّحاداتِ الكتَّابِ العَربِ المكتوبةِ في بيانِ تأْسيسهِ الَّتي تحقَّقتْ، وكيفَ، ولِـمَنْ، و…! للأَمانةِ؛ لستُ أُنكرُ ذرَّاتٍ هُنا وذرَّاتٍ هناكَ منْ إِصدارِ كتَابٍ، وتأْبينِ كاتبٍ، و… الخ.

الحقُّ يقالُ: عددُ الكتَّابِ والكتَبةِ العربِ بالآلافِ، فكيفَ يمكِنُ لرئيسِ الاتِّحادِ أَنْ يهتمَّ “حتَّى بأَقلِّ درجاتِ الاهتمامِ” بهذَا الكمِّ الهائلِ بعدَ أَنِ انتخبهُ كمٌّ غيرُ هائلٍ بصورةٍ من صورِ الانتخابِ “الدِّيمقراطيِّ” الَّتي يَعرِفونَ؟!

* كشاعر وباحث، كيف تقيّم التجربة الشعرية الفلسطينية على الساحة العربية بعد رحيل أحد أعمدة الشعر العربي والفلسطيني محمود درويش؟
– رحمَهُ اللهُ ورحِمَ كلَّ الشُّعراءِ المبدعينَ.
ليسَ الشِّعرُ معبدًا/ صرحًا/ بناءً على أَعمدةٍ. الشِّعرُ يشبِهُ السَّماءَ الَّتي بلاَ عمدٍ. إِنَّهُ شيءٌ يحلِّقُ إِنسانيًّا في فضاءاتِ الرُّوحِ والقلبِ والجسدِ، وهوَ مثلُ لوحةٍ فسيفسائيَّةٍ يُساهمُ في تشكيلِها كلُّ شاعرٍ بقَدْرِ موهبتهِ، وثقافتهِ، وعطائهِ الشِّعريِّ.

الشِّعرُ لاَ يتوقَّفُ، أَو يتعطَّلُ، أَو يخلدُ إِلى السُّباتِ، حينَ يفقدُ شاعرًا مهمًّا، فلمْ يَحدثْ مثلُ هذَا برحيلِ “امرئِ القيسِ”، أَو “أَبي الطَّيبِ المتنبِّي”، أَو “أَبي تمَّام”، أَو “بدر شاكر السَّياب”، أَو “محمود درويش”، أَو…، ممَّا لاَ أَستطيعُ إِحصاءَهم الآنَ، تمامًا كمَا هوَ الحالُ برحيلِ “هوميروس”، أَو “بودلير”، أَو “رامبو”، أَو “شكسبير”، أَو “تي. إس. إليوت”، أَو “أُوكتافيو باث”، أَو… ممَّا لاَ يمكِنُني حصرَهم الآنَ كذلكَ.

الشِّعرُ يظلُّ حالةَ ولادةٍ دائمةً. نعرِفُ أَنّهُ شابَهُ/ يشُوبهُ علَى مدارِ التَّاريخِ انحدارٌ/ خفوتٌ/ لونٌ باهتٌ، ومَا إِلى ذلكَ، يعتَلي بفعلِ فاعلينَ مكانتَهُ الجماليَّةَ، لكنَّه يكونُ قادرًا، في الوقتِ ذاتهِ، على صبرِهِ الإِبداعيِّ، حتَّى وإِنْ لمْ يَستطعْ الظُّهورَ في أَوانِ شاعرِه/ شعرائهِ.

التَّجربةُ الشِّعريَّةُ الفلسطينيَّةُ هيَ جزءٌ منَ التَّجربةِ الشِّعريَّةِ العربيَّةِ والعالميَّةِ في آنٍ “الشِّعرُ/ الإِبداعُ لاَ يَقبلُ الهويَّةَ، أَوِ الجنسيَّةَ، أَوِ الأُطرَ المحدِّدةَ أَيًّا كانتْ. هوَ حرٌّ في فضاءٍ حرٍّ”، وإِنَّ النَّظرَ إِلى قداسةِ مصدَرهِ.

وبالتَّالي قدسيَّتِه، لمْ تَعدْ قائمةً كمَا كانتْ، وهذَا جيِّدٌ لهُ بالتَّأْكيدِ. هوَ تجربةٌ شعريَّةٌ معَ تجاربَ شعريَّةٍ أُخرى خاضِعةً للقراءةِ الإِبداعيَّةِ مثلهُ مثلَ كلِّ التَّجاربِ، وهوَ مُساهِمٌ فعَّالٌ في النَّسيجِ الشِّعريِّ الكلِّي، منْ حيثُ أَنَّهُ لمْ يَعدْ، في أَكثرهِ، ذَا موضوعةٍ واحدةٍ، بلْ أَصبحَ منَ/ عنِ/ في الذَّاتِ كمنطلَقٍ إِبداعيٍّ أَوَّلاً وأَخيرًا نحوَ الحياةِ بكلِّ مَا فِيها وحشيَةٍ وجمالٍ.

* كيف تقيّم حركة الشعر العربي الحديث؟
– لاَ أَستطيعُ هُنا تقييمَ حركةِ الشِّعرِ العربيِّ الحديثِ حتَّى لَو بجُملٍ مكثَّفةٍ، أَو عناوينَ عريضةٍ، لأَنَّهُ يحتاجُ لأَوسعَ منْ جوابٍ مختزَلٍ لسؤالٍ كبيرٍ، وأَيضًا لمطَّلعينَ لهمْ نظرةٌ مختصَّةٌ أَعمُّ وأَشملُ، فمَنْ يقِيمُ في الشَّيءِ قدْ لاَ يستطيعُ- وربَّما بالتَّأْكيدِ- إِدراكَهُ والإِحاطةَ بهِ.
ولكيْ لاَ تظنُّ، وغيرُكَ، أَنَّ ردِّيَ هذَا هروبٌ “أَو دبلوماسيَّةٌ”.

فإِنِّي سأُشيرُ إِلى مَسائلَ مهمَّةٍ في الكتابةِ الشِّعريَّةِ العربيَّةِ، والَّتي لاَ نزالُ نَراها في معظمِ النُّصوصِ؛ مِنها الكتابةُ بالشُّعورِ فقطْ “لأَنَّ القصائدَ ليستْ- مثلَما يحسبُ النَّاسُ- مجرَّد مشاعرٍ.. بلْ تَجارب. فإِنَّكَ وصولاً إِلى قصيدةٍ واحدةٍ، لاَ بدَّ أَنْ تَرى مدنًا كثيرةً، وناسًا كثيرةً، وأَشياءَ كثيرةً، لاَ بدَّ أَنْ تفهمَ الحيواناتِ، لاَ بدَّ أَنْ تشعُرَ كيفَ تحلِّقُ الطُّيورُ، وتعرِفَ أَيَّةَ إِيماءةٍ تقومُ بِها الوردةُ لحظةَ تَتفتَّحُ في الصَّباحِ.” “راينر ماريا ريلكه”، ومِنها كتابةُ الماءِ بالماءِ “الشِّعرُ مسأَلةُ كلماتٍ. الشِّعرُ تشبيكٌ للكلماتِ يجعلُ مِنها خريرًا، وصلصلةً، وانفجارةَ أَلوانٍ.

الشِّعرُ لعبٌ داخليٌّ بالصُّورِ. الشِّعرُ مقتَرحٌ لونيٌّ لفكرةٍ. الشِّعرُ هوَ ذلكَ كلُّه، وهوَ أَيضًا شيءٌ آخرُ. فَفي وجودِ كلِّ هذهِ المكوَّناتِ يكونُ لديكَ شيءٌ شبيهٌ للغايةِ بالشِّعرِ… ولكنَّ الشِّعرَ يَبقى شيئًا آخرَ.” “دي إتش لورنس”، ومِنها الجملُ الأُفقيَّةُ المنتهيةُ الصُّورةُ- كلُّ واحدةٍ على حدةٍ- دونَ حبلٍ سُرِّيٍّ يغذِّيها، وغيرُها منَ المسائلِ الَّتي على الشُّعراءِ أَنْ ينتبِهوا لهَا جيِّدًا.

* هل تتابع الحركة الشعرية المغربية؟ ما رأيك بها؟
– ليسَ بشكلٍ تستحقُّهُ، نظرًا لقلَّةِ مَا يصلُني منهُ، وهُنا أَلومُ طرفينِ؛ الشُّعراءَ وأَنا، لعدمِ بحثِنا عن بعضِنا منْ أَجلِ تواصلٍ شعريٍّ، وغيرِ شعريٍّ، ضروريٍّ للطَّرفينِ، لكنَّ هذَا لاَ ينفِي توصُّلي وتواصُلي معَ بعضٍ مِنهمْ، وكانتِ البدايةُ معَ الشَّاعرِ المبدعِ محمَّد بنِّيس، والَّذي أَطلعَني علَى عدَّةِ تجاربَ شعريَّةٍ مغربيَّةٍ ونقديَّةٍ “أُشيرُ هُنا إِلى أَنَّني لاَ أُؤمنُ بجنسيَّةِ الشِّعرِ”، وأَستطيعُ اختصارَ نظرَتي بأَنَّني أَرى أَنَّ حركةَ الشِّعرِ المغربيِّ- وهيَ حركةٌ أَصيلةٌ في المشهدِ الشِّعريِّ العربيِّ- فِي شهيَّةٍ إِبداعيَّةٍ مدهشةٍ نوعًا لاَ كمًّا، كمَا هوَ الحالُ في أَيِّ مشهدٍ في العالمِ.

* يلاحظ في المشهد الثقافي العربي، هيمنة الشعرية المشرقية على المغربية عبر التاريخ، وهو موضوع سال العديد من الأقلام لاجتثاث الأسباب في ذلك خصوصًا في المغرب، ما السبب في رأيك؟
– ليستْ بمَعنى الهيمنةِ، بلْ بمَعنى الحضورِ والتَّواجدِ والفاعليَّةِ في مساحاتِ وساحاتِ المشهدِ الثَّقافي العربيِّ، منْ خلالِ وسائلِ النَّشرِ والإِعلامِ والانتشارِ، والَّتي استطاعَ بِها المشرقُ العربيُّ “ليسَ كلُّه؛ نذكُر مصرَ والعراقَ ولبنانَ، لأَكثرَ من عاملٍ” تقديمَ وتعميمَ خطابِه الثَّقافيِّ، في حينِ أَنَّ المغربَ العربيِّ كانَ يُنتِجُ/ يظلُّ في مكانهِ، وكمَا نعرِفُ فإِنَّ النَّتاجَ الثَّقافيَّ لاَ يستطيعُ عبورَ المسافاتِ الأُفقيَّةِ بقوَّةِ الإِبداعِ فقطْ، لأَنَّ تناميهِ يرتفعُ عموديًّا في/ منْ مكانهِ بمكانتهِ، ولذَا فهوَ يحتاجِ إِلى وسائلَ/ حواملَ سابحاتٍ كيْ تنقُلَه إِلى أَفضيةٍ أُخرى.

الحقيقةُ الَّتي أَراها/ أَقرؤها/ أَشعرُها أَنَّ المغربَ العربيَّ، ومنذُ مدَّةٍ لاَ بأْسَ بِها، يتفوَّقُ ثقافيًّا/ إِبداعيًّا، خصوصًا في الدِّراساتِ الأَدبيَّةِ النَّقديَّةِ، والإِبداعِ الشِّعر يِّ، والقصصيِّ. والحقيقةُ الأَجملُ أَنْ ننظُرَ إِليهِما “المشرقُ المغربيُّ والمغربُ المشرقيُّ” أَنَّهما يدانِ تعملانِ بإِتقانٍ منْ أَجلِ جسدِها/ جسدِ الثَّقافةِ العربيَّةِ؛ المُنادَى علَيها/ المأْمولِ بها/ المُنتفضةِ حرِّيَّةَ إِبداعٍ، وإِبداعَ حرِّيَّةٍ.

* يقودنا ذلك إلى مدى التفاعل الثقافي بين المشرق والمغرب؟
– لاَ أَعتقدُ أَنَّ التَّفاعلَ بينَهما يعملُ كمَا ينبَغي لهُ، بلْ إِنَّهُ حتَّى في الجانبِ الواحدِ هوَ حراكٌ لاَ يعوَّلُ عليْهِ، فكلُّها لاَ تتعدَّى المظاهرَ الثَّقافيَّةَ الشَّكليَّةَ لاَ الإِشكاليَّةَ؛ “ندواتٌ، وأُمسياتٌ، وتأْبيناتٌ لاَ أَحدَ فِيها يندَهُ علَى أَحدٍ ولاَ أَحدَ يُصغِي لأَحدٍ، ومعارضُ كتبٍ سنويةٍ في بعضِ الدُّولِ، ومَا شابَه هذهِ وشابَ الحالةَ الثَّقافيَّةَ. لذَا لاَ نَرى أَنَّ الفعلَ الثَّقافيَّ يعتمِلُ في الذَّاتِ العربيَّةِ كباعثِ وعيٍ، بلْ ينحسرُ أَكثرَ إِلى أَضيقَ دائمًا، وبالتَّالي تنتصرُ ثقافةُ التَّوهُّمِ، والتَّخويفِ، والفقدِ، والقيدِ، والتَّشظِّي، والاستلابِ، والتَّشتُّتِ، و…الخ.

المشكلةُ لهَا أَكثرُ منْ بُعدٍ وطرفٍ، إِضافةً إِلى أَنَّ ثَمَّ مَن لاَ يزالُ، بعدَ انتصارهِ بشهوةِ الحقدِ على تفكيكِنا، يعملُ جاهدًا “معَ آخرينَ منَّا!”، علَى تغييبِ ثقافتِنا المضيئةِ/ التَّنويريَّةِ، إِنْ لمْ يكنْ مَحوها، وعلَى تعطيلِ تفعيلِها، وذلكَ بوسائلَ برَّاقةٍ تخلِبُ الأَبصارَ، وتردِمُ القلوبَ، وتمزِّقُ الأَرواحَ، وتعثِّرُ النُّهوضَ، وتُفشِلُ الإِبداعَ.
المسأَلةُ الأَهمُّ تكمنُ في كيفيَّةِ التَّحفيزِ/ التَّحريضِ علَى ثقافةٍ عربيَّةٍ فاعلةٍ في الإِنسانِ العربيِّ. لَسْنا نعدَمُ هذهِ حتَّى وإِنْ كنَّا لاَ نزالُ نغرقُ ونطفُو في محيطٍ داكنِ الماءِ، مالحِ الرُّؤيةِ، وشهيِّ الوأْدِ!

* تبدو حياتك الثقافية والشعرية خصوصًا، أشبه بسفر دائم إلى الملتقيات العربية والدولية، أي المحطات الراسخة في مخيلتك والتي تستحضرها أكثر؟
– أَعتقدُ أَنَّ السَّفرَ، عمومًا، ضرورةٌ منْ ضروراتِ الإِبداعِ؛ إِذْ ليسَ كلُّ شيءٍ في الكتبِ مهمَا قرأَ الواحدُ مِنها كمٍّا ونوعًا. الحياةُ بحدِّ ذاتِها كتابٌ لاَ يكفيهِ عمرُ الإِنسانِ القصيرِ.
لاَ أَعتبرهُ سفرًا دائمًا، فأَنا سرعانَ ما أَعودُ منهُ كلَّ مرَّةٍ بعدَ بضعةِ أَيَّامٍ. خلالَ كلِّ سفرٍ أُحاولُ التقاطَ مَا استطعتُ منْ أَشياءَ كثيرةٍ، فأَشغِّلُ حواسِّي كيْ تقدِّمَ للذَّاكرةِ ثقافةً علَى اختلافِ أَهمِّيتها وحاجتِي إِليها للعمليَّةِ الإِبداعيَّةِ.

معظمُ أَسفاري، كمَا تشيرُ أَنتَ في سؤالِكَ، كانتْ ثقافيَّةً. لعلَّ الراسخَ، وليسَ الأَهمَّ بالضَّرورةِ، هوَ سَفري أَوَّلَ مرَّةٍ إِلى القاهرةِ، وكمَا نعرِفُ، فإِنَّ للمرَّةِ الأُولى، في أَيِّ شيءٍ، نكهتهُ في كلِّ شيءٍ. كانَ ضمنَ رحلةٍ سياحيَّةٍ عبرَ البرِّ، لكنِّي منذُ اللَّحظةِ الأُولى لِوصولي جعلتُها كلَّها رحلةً ثقافيَّةً، وكانَ أَوَّلَ مَن حرِصتُ علَى مقابلتهِ هوَ الصَّديقُ الروائيُّ “جمال الغيطاني”، والَّذي شرَّفني بلقاءِ الأَديبِ “نجيب محفوظ”، برفقةِ الروائيِّ “يوسف القعيد”، حيثُ دارَ حوارٌ ثريٌّ بينَنا آنذاكَ. “كتبتُ عنْ تلكَ الرِّحلةِ الأُولى، بعدَ عودَتي، لصفحةِ “ضواحي الفضفضة” في “أَخبار الأَدب”، وكانتْ تحتَ عُنوان “ماءُ القاهرةِ.. و.. وجهُ النِّيلِ””.

المهمُّ.. تُعلِّمكَ الملتقياتُ الثَّقافيَّةُ العربيَّةُ أَنَّ ثَمَّ مَن تقرأُ لهمْ وتودُّ أَنْ تلتقيهمْ، ومَن تقرأُ لهمْ ولاَ تفضِّلُ أَنْ تلتقيهمْ، ومَن لاَ تقرأُ لهمْ ولاَ تحبِّذُ أَنْ تلتقيهمْ!

* العالم العربي يعيش مرحلة صعبة، خصوصًا القضية الفلسطينية، ما هو دور الشاعر أو المثقف في هذه المرحلة في هذا الصدد؟
– لاَ دورَ ولاَ تأْثيرَ للشَّاعرِ أَوِ المثقَّفِ العربيِّ في عالَمنا العربيِّ. كانَ هذَا منذُ أَمدٍ بعيدٍ. الصِّراعاتُ، والتَّبعيَّاتُ، والخُضوعاتُ، ومَا شابهَ ذلكَ، والَّتي لمْ يزلِ الاستعمارُ، وهوَ مُسترخٍ في حديقةِ مصالحهِ وأَطماعهِ، يفرزُ علقمَها الحادَّ في حلقِنا، إِضافةً إِلى الاستسلاماتِ السِّياسيَّةِ للآخرَ النَّقيضِ، لهَا الكلمةُ الفعلُ.

إِنْ سُمحَ للشَّاعرِ، أَوِ المثقَّفِ، العربيِّ أَنْ يصرُخَ، فهوَ صراخٌ في بريَّةِ موتَى، مضافًا إِليها ضجيجَ الخوفِ والتَّرهيبِ والمنعِ؛ هذا هوَ المتاحُ لهُ فقطْ.
صحيحٌ أَنَّ للقضيَّةِ الفلسطينيَّةِ خصوصيَّةً أَكبرَ احتلالاً، لكنْ مَا عادتْ لهَا تلكَ الخصوصيَّةُ/ الاهتمامُ، بأَسبابٍ منَ الفلسطينيِّينَ أَنفسِهمْ، ومنَ السِّياسيِ الخاضعِ/ التَّابعِ/ الخانعِ للقطبِ الأَوحدِ، والَّذي تحرِّكُ قراراتِه طفلةٌ شرسةٌ باتتْ بحجمِ فلسطينَ كلِّها، بلْ والعالمِ العربيِّ وغيرِ العربيِّ كلِّه.

كيفَ يُمكِن، في هذهِ الحالةِ/ الاحتضارِ/ النَّزفِ الآنيِّ، لصوتِ للشَّاعرِ المبدعِ أَوِ المثقَّفِ المخلِصِ أَنْ ينموَ دورًا وتأْثيرًا وقدْ تعطَّلَ لسانُه “خوفًا وطمعًا!”، ورُدِمتْ آذانُ ناسِه؟! مَن سيسمَعُ إِنْ تمكَّنَّ الشَّاعرُ منْ قرعِ جرسِ الجمالِ، وتمكَّن المثقَّفُ من قرعِ جرسِ الوعيِ، وقدْ باتَ يقرعُه الصَّدأُ، ويبتلعُ رنينَه الصَّدى؟!

* هل ما زلنا في حاجة إلى الشعر في هذا الصدد؟
– لاَ أُغالي إِنْ قلتُ: كحاجتِنا للأُوكسجين، لأَنَّهُ حاجةُ الإِنسانِ للوعيِ الجماليِّ، علَى الرَّغمِ منْ أَنَّ منابعَهُ أَضحتْ مصبَّاتِه؛ أَنَّ كُتَّابَهُ أَصبَحوا قرَّاءهُ في الأَغلبِ. لكنَّ هذهِ الحاجةَ لاَ تَنتهي، ولاَ يُستغنَى عَنها نهائيًّا.

لقدْ مرَّتْ عبرَ العصورِ الماضيةِ فتراتُ فتورٍ كانتْ أَشدَّ إِيلامًا، وإِهمالاً، وإنكارًا للشِّعرِ ولشعرائهِ، ولكنَّ الشُّعراءَ لمْ يتوقَّفوا عنْ كتابتهِ، حتَّى لَو بقيَ حبيسَ ذاكراتِهم، أَو أَوراقِهم، أَو حتَّى مَا يشبِهُ قبورَهم، كأَنَّهمْ، في حالتهِم الانحساريَّةِ هذهِ، يعملونَ بمقولةِ “إي. إي. كَنِنْجْسْ”: “اكتُبوا الشِّعرَ لوجهِ اللهِ، مَا لشيءٍ آخرَ أَيَّةُ أَهميَّةٍ”.

* من يحاصرك الآن؟
– كلُّ شيءٍ يحاصِرُ المبدعَ العربيَّ؛ منْ إِطارِ رغيفِ الخبزِ “حاجتهُ إِلى العملِ لتوفيرِ ضروراتِ الحياةِ لآخرينَ ولَهُ” إِلى قِصَرِ العمرِ أَمامَ قامةِ طموحِ الإِبداعِ.
ثَمَّ مبدعونَ قلَّةٌ “شعراءُ مثلاً” على مدارِ العصورِ، وإِلى عصرِنا هذَا، لمْ تَستنزِفْ قُواهمُ الإِبداعيَّةَ حاجاتُ الحياةِ الضَّروريَّةُ، حيثُ فَقدتْ/ وأَدَتْ كثرةٌ كثيرًا منْ إِبداعاتِها بسببِ انشغالِها بأَشياءَ أُخرى ضروريَّةٍ ملحَّةٍ، مقابلَ قلَّةٍ “متكسِّبةٍ” تفرَّغتْ للإِبداعِ “تحتَ أَيِّةِ مظلَّةٍ”، وإِنْ كانَ بدرجاتٍ متفاوتةٍ، فكانت لهَا، أَيضًا، صدارةُ الظُّهورِ والحضورِ والانتشارِ.

مَا أَردتُ قولَه أَوضحَ هوَ: أَنْ يتساوَى المبدعونَ في تأْمينِ حاجاتِهمْ، وطبعًا دونَ شروطٍ سِوى الإِبداعِ “رغمَ أَنَّ تحقيقَ هذَا عربيًّا ضربٌ منَ الحُلمِ أَوِ الخيالِ” كيْ يتفرَّغوا لإِنجازاتِهمْ الَّتي هيَ للكلِّ الإِنسانيِّ، لأَنَّها الأَبقَى مِنهمْ بعدَهمْ.

* ما هي مشاكل المبدع العربي؟ ومشاكلك أنت بالتحديد التي يمكن أن تؤثر على العملية الإبداعية بصفة سلبية؟
– لاَ يغيبُ عنْ بَالي المبدعُ الدَّهريُّ “أَبو حيَّان التَّوحيديِّ” أَبدًا، حيثُ شكَّلَت لي سيرتُه الشَّخصيَّةُ- الأَدبيَّةُ صدمةً صاعقةً كُبرى، والَّتي أَحرقتني، فحرقتُ كلَّ مَا كنتُ كتبتهُ، كمَا كانَ فعلَ في معظمِ كتبهِ، علَى الرَّغم مِن أَنِّي كنتُ في بِداياتي الأَدبيَّةِ/ الشِّعريَّةِ:
“تسلَّقَ، ذاتَ عصرِ يومٍ، ملاذَهُ بعدَ عدَّةِ محاولاَتٍ.. أَشعلَ النَّارَ في كلِّ مَا خطَّهُ منْ عذاباتٍ حتَّى لحظةِ الحريقِ.. هكذَا علَّمهُ أَبو حيَّان التَّوحيدي بعدَ أَن قرأَهُ.
صوتٌ: لماذا؟
صدًى: “…..”
إِذًا؛ إِنَّ كلَّ مَا في الأَمرِ أَنَّهُ أَطاعَ معلِّمَهُ الكبيرَ الَّذي سبقَه، في زمانٍ مَا بعيدٍ، إِلى ذلكَ الطَّقسِ الَّذي كادَ أَنْ يحرِقَ بهِ، أَيضًا، أَصابعَه ويطفئَ بصرَهُ.” “من شهادةٍ لي بعنوان “تخطيطٌ أَوَّلي لِـمَا كانَ بعدُ””.

مشاكلُ المبدعِ العربيِّ مشاكِلي، ومشاكِلي مشاكلُه، على الرَّغمِ منْ بعضِ الاختلافاتِ في نوعيَّتِها وكيفيَّتِها. هذهِ المشاكلُ، علَى كثرتِها، ليسَ المبدعُ سببَها.
لاَ يزالُ المبدعُ العربيُّ أَسيرَ حاجاتهِ الضَّرورية، ولاَ يزالُ غيرَ قادرٍ علَى امتلاكِ حقَّهِ منْ الحرِّيَّةِ الإِبداعيَّةِ، ولاَ يزالُ حيِّزُ الطِّباعةِ ضيِّقٌ جدًّا وهوَ في الأَغلبِ علَى حسابهِ الشَّخصيِّ، ولاَ يزالُ غيرَ قادرٍ على العيشِ منْ إِبداعهِ للتَّفرُّغِ لهُ، ولاَ يزالُ يُعاني منَ المؤسساتِ الرَّسميةِ وغيرِ الرَّسميَّةِ إِنْ لمْ يَقبلْ بِشروطِها المُهِينةِ والَّتي يجلِسُ علَى “عروشِها” ذوو “الفكهِ” الَّذينَ لاَ يعرفونَ منْ واجباتهمْ/ أَدائهمْ سِوى الرَّاتبِ أَوَّلَ كلِّ شهرٍ والسَّعيِ وراءَ الامتيازاتِ الشَّخصيَّةِ، ولاَ يزالُ يُذهِبُ ببصرهِ وصحَّتهِ وحصَّتهِ منَ الحياةِ “دونَ انتظارِ كلمةِ شكرٍ أَو تقديرٍ” من أَجلِ استمرارِ حركيَّةِ الإِبداعِ المحلِّي والعربيٍّ كلِّهِ مساهمًا فِيها، ولاَ يزالُ …، ولاَ يزالُ …، جاءَني وجعُ رأْسٍ الآنَ!

* في ظل تعملق الكائن “النِّيتِّي” وتقزّم الورقي، هل بقي للشعر قيمة بينهما؟
– لاَ شكَّ أَنَّ الشَّبكةَ العالميَّةَ أَحدثتْ ثورةً في الاتصالِ والتَّواصلِ الجمعيِّ، وهذَا جيِّدٌ جدًّا، خصوصًا لنَا نحنُ العربَ الَّذينَ قُطِّعتْ أَوصالُنا مثلَ كعكةٍ في ليلةِ عيدِ الاستعمارِ، ولذَا شكَّلتْ هذهِ الشَّبكةُ أُسلوبَ اجتيازٍ سهلٍ “دونَ جوازِ سفرٍ” لتلكَ الحدودِ المقدَّسةِ بالجنسيَّاتِ العربيَّةِ الكثيرةِ، حيثُ قاماتُ الأَسلاكِ الشَّائكةِ العاليَةِ، وينابيعُ الأَلغامِ. “يحتاجُ العربيُّ- كمَا أَقولُ باستمرارٍ- أَنْ يعيشَ الحياةَ بالحيلةِ”.

لقدْ وفَّرتِ السَّفرَ إِلى كلِّ أَنحاءِ العالمِ بدونِ أَنْ يضطرَّ الواحدُ أَنْ يقومَ منْ مقعدهِ. إِنَّها نافذةٌ مفتوحةٌ علَى العالمِ أَسهلَ منْ بساطِ الرِّيحِ الأُسطوريِّ. لكنْ، وكمَا في كلِّ ثورةٍ عربيَّةٍ، ولأَنَّنا مَا زِلنا نتهجَّى أَبجديَّةَ الحرِّيَّة الإِنسانيَّةِ الَّتي لمْ يُسمحْ لنَا بتعلُّمِها والعملِ بِها، فإِنَّ الشَّبكةَ مثلَها مثلَ أَيِّ شيءٍ آخرَ لهُ وجههُ النَّقيضُ الآخرُ.

شَبكيًّا وشِعريًّا؛ أَنتَ تَرى كمًّا هائلاً منَ “النُّصوصِ الشِّعريَّةِ!” الَّتي ليستْ منَ الشِّعرِ في شيءٍ، في كثيرٍ منَ المواقعِ الأَدبيَّةِ/ الثَّقافيَّةِ. “يصعبُ دائمًا علَى الشُّعراءِ أَنْ يصدِّقوا أَنَّ أَحدًا يقولُ عنْ قصائدِهم إِنَّها رديئةٌ، لاَ لأَنَّهُ شيطانٌ رجيمٌ، بلْ لأَنَّ قصائدَهمْ فعلاً رديئةٌ.” “راندول جاريل”. مَا يؤسفُ لهُ أَكثرَ، هوَ دورُ المشرفينَ “غيرِ المشرِّفِ” الأُمِّيِّين أَدبيًّا، أَو أَنَّهم ليسُوا منْ أَهلِ الأَدبِ في شيءٍ، علَى تلكَ المواقعِ! عدَا عنْ دَورِ الكتبةِ المنافقينَ/ المخادعينَ/ المعلِّقينَ علَى “الرَّوائعِ” المنشورةِ فِيها، كأَنَّها إِبرٌ مؤلمةٌ تُشَكُّ في صدرِ الشِّعرِ، إِضافةً إِلى اختلاطِ الجيِّدِ بالرَّديءِ معَ عدمِ القدرةِ علَى التَّمييزِ والانتقاءِ منْ قبلِ القرَّاءِ المغشوشينَ.

بخصوصِ الكتابِ الورقيِّ؛ أَنا لاَ أَعتقدُ بأَنَّهُ سوفَ يَنتهي مهمَا بلغتِ الشَّبكةُ منْ حضورٍ، وليسَ أَدلَّ علَى ذلكَ أَنَّهُ في الدُّولِ المتقدِّمةِ مادِّيًّا لاَ يزالَ الكتابُ الورقيُّ حاضرًا وبقوةٍ في مجتمعِ القرَّاءِ “إِشارةٌ: تستهلكُ دارَ نشرٍ فرنسيَّةٍ سنويًّا أَكثرَ ممَّا يستهلكهُ العربُ منَ الورقِ في كلِّ شيءٍ!”. مشكلتُنا، عربيًّا، ليستْ معَ تعملُقِ الشَّبكةِ علَى حسابِ الورقيِّ، بلِ المشكلةُ الأَساسُ أَنَّنا لَسْنا أُمَّةً تقرأُ. “عِندي مشكلةٌ معَ أَولادِ الـ… أُولئكَ الَّذينَ يزعمونَ أَنَّهم يُحبِّونَ الشِّعرَ ثُمَّ لاَ يشترونَ ديوانًا واحدًا.” “كينيث ركسروث”.

لمْ نَعدْ أَمَّةَ فكرٍ، وفلسفةٍ، وعلمٍ، وأَدبٍ، ووعيٍ، و…، بلْ بِتْنا أَمَةً تشاهدُ فقطْ “كأَنَّه أُسقِطتْ علَيْها قنبلةٌ تلفازيَّةٌ”، ولاَ تشاركُ حتَّى في صُنعِ خبزِها وقرارِها ومصيرِها وحياتِها.

* نظَّمتْ أخيرًا في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان “جائزة الشاعر محمد حلمي الريشة للشعراء الجامعيين الشباب”، وكذا تكريم خاص بك في الأمسية الشعرية الختامية التي قدمت فيها الحياة الثقافية للمحتفى من أولها لآخرها، كما أعلن فيها على الأسماء الفائزة بالجائزة، وأخيرًا قراءة الطلبة الشعراء قصائد لك، وهي سابقة بالمغرب بهذا الشكل والنوع في مكرم على قيد الحياة، ما رأيك؟

– أُكرِّرُ تقديمَ شُكري العارمَ لكليَّةِ الآدابِ والعلومِ الإِنسانيَّة في “تطوان”، ولكلِّ مَن كانَ في/ حولَ هذهِ الجائزةِ، ولعلَّ أَبرزَ مَا أَثارَ/ يثيرُ غِبطتي هيَ أَنَّها للشُّعراءِ الجامعيِّينَ الشَّبابِ؛ هذَا الاهتمامُ الجميلُ/ المشجِّعُ/ المكافِئُ لمْ يكُنْ إِبَّانَ خطواتِنا الشِّعريَّةِ الأُولى، ولاَ حتَّى مَا بَعدَ خطواتِنا الفسيحةِ، فكنَّا نشتعلُ/ نشتغلُ شعرًا بقوَّةِ الموهبةِ/ الدَّفعِ الذَّاتيِّ. لاَ بأْسَ، فالإِبداعُ الأَدبيُّ عملٌ ذاتيٌّ/فرديٌّ/ إِنسانيٌّ أَوَّلاً وأَخيرًا.

كنتُ لاَ أُريدُ أَنْ أُشيرَ هُنا، بإِصبعِ الابتسامِ الطَّويلةِ، إِلى انفعالاتِ البعضِ “منْ شعراءَ وغيرِهم” جرَّاءَ هذهِ الجائزةِ الموسومةِ باسْمي، لكنِّي لمْ أَستطعْ احتمالَ الماءِ العكرِ في فَمي: أَحدُهمْ يُقيمُ في لندنَ “مَربطِ خيبةِ خيلِنا”، ويعملُ مشرفًا علَى صفحةٍ ثقافيَّةٍ في جريدةٍ عربيَّةٍ تصدرُ هناكَ، أَرسلَ لي رسالةً عبرَ البريدِ الإِلكترونيِّ “مَا زلتُ محتفظًا بِها.
سأَنشرُها في كتابِ سِيرتي الشِّعريَّةِ”، أَوضحتْ لِي حجمَ الحسدِ/ الحقدِ/ القهرِ… الَّذي استبدَّ بهِ، متَّهمًا إِيَّاي بِأَنَّني وراءَ هذهِ الجائزةِ، وحتَّى تمويلِها أَيضًا! “يَبدو أَنَّني لمْ أَعرفْ بعدُ بِأَنَّني لمْ أَزلْ موظَّفًا، أَتنقَّلُ يوميًّا، لأَكثرَ منْ أَربعِ ساعاتٍ، بينَ مدينتينِ همَا نابلسَ ورامَ الله في فلسطينَ المحتلَّةِ، لأُداومَ في عَملي، عبرَ حواجزِ وكمائنِ جيشِ الاحتلالِ، وحيثُ بإِمكانِ أَيَّةِ مجنَّدةٍ مُسترخيةٍ علَى كرسيٍّ أَنْ تمدَّ ساقَها مشيرةً بِها إِليكَ أَنْ تعودَ أَدراجكَ بعدَ عناءِ سفرٍ!”.

هذا “الشَّاعرُ” ومَن يَعرِفني، يعرفُ عنْ هذَا وأَكثر، فوا أَسفاه!
هُنا، في فلسطينَ المحتلَّةِ؛ لمْ أَعدمْ ردودَ فعلٍ انفعاليَّةٍ وغيرِ منطقيَّةٍ منْ قبلِ “شعراءَ وغيرِهم”، مِنهمْ مَن هوَ في مناصبَ أَرفع منهُ، ومِنهمْ مَن يشرِفُ علَى صفحةٍ ثقافيَّةٍ في جريدةٍ فلسطينيَّةٍ “مثلَ- صاحبِنا- هناكَ، في بلادِ الضَّبابِ، حيثُ انعدامُ الرُّؤى والرُّؤيةِ!”. لكنَّ هذَا لاَ يشغلُني عنْ تقديمِ كاملِ شُكري لآخرينَ هُنا هُمْ مثالُ الإِنسانِ الإِنسانِ قبلَ مثالِ الإِنسانِ المثقَّفِ.

* قالت سيدوري لجلجاماش: إلى أين تسعى؟ فإلى أين تسعى شعريًّا وغير شعريٍّ؟
– لمْ أَكُنْ أَهتمُّ كثيرًا بِما هوَ غيرُ شعريٍّ منذُ أَنِ امْتزَجنا معًا، الشُّعرُ وأَنا، فكانَ لاَ فكاكَ.
المهمُّ في الشِّعرِ أَنْ تحلُمَ، وتطمحَ، وتعملَ، وتُنجزَ، و… دونَ أَنْ تعرِفَ إِلى أَينَ تسعَى، لأَنَّ تحديدَ/ معرِفةَ السَّعيِ/ الهدفِ/ العنوانِ/ المحطَّةِ/ الميناءِ/ … فِيها ذبْحٌ للشَّاعرِ وتضحيةٌ بالشِّعرِ، ذلكَ أَنَّ الشِّعرَ سَفرٌ بدمِ الذَّاكرةِ وعيونِ المخيَلةِ إِلى لاَ يعرِفُ الشَّاعرُ. يقولُ “روبرت فروست”: “لمْ أَكتبْ قصيدةً وأَنا علَى علمٍ بِما ستنتَهِي بهِ. كتابةُ القصيدةِ اكتشافٌ”. أَنا سِرتُ/ أَسيرُ علَى هذهِ المقولةِ المعبِّرةِ جيٍّدًا عنِ القصيدةِ الجيَّدةِ، وبِما أَنَّ القصيدةَ هيَ الشاعرُ والشاعرَ هو القصيدةُ، لذَا فلاَ عُنوانَ وصولٍ لأَيٍّ مِنهما.

بعدَ خُطواتي الحافيةِ الأُولى علَى بردِ البياضِ، شعرتُ أَنَّني قدْ أَكونُ شاعرًا كمَا تمنَّيتُ واشتهيتُ، ولكنِّي أَدركتُ، لكيْ أَظلَّ شاعرًا ومغايرًا باستمرارٍ، فإِنَّ عليَّ مواكبةَ المجهولِ إِلى مَا لاَ نهايةٍ.
لمْ تسأَلْني هذَا السُّؤالَ “سيدوري” خاصَّتي/ “فاتن” زَوجتي- إِلهةُ نبيذِ التَّضحيةِ، والَّتي قدَّمتْ لِي أَكثرَ ممَّا قدَّمتهُ “سيدوري” لـ “جلجامش”، بلْ عمِلتْ علَى عزلِ عُزلَتي بتضحياتِها الغزيرةِ، وإِن كانَ “جلجامش” قدْ سعَى بحثًا عنْ عشبةِ الخلودِ، وإنْ كنتُ أَنا بحثتُ بجنونٍ جميلٍ عنْ خلودِ القصيدةِ بَعدِي، فهيَ كانتِ القصيدةُ الخالدةُ في القلبِ منْ قَبل أَنْ يتفتَّحَ عمايَ رؤيةً نقيَّةً علَى أُبَّهتِها العاليةِ.

* تمرّ في حالة صحية مقلقة في السنوات القليلة الماضية، كيف حالك الآن؟
– لاَ بأْسَ. لاَ بدَّ منْ تَرويضِ ومُصادقةِ المرضِ العُضالِ؛ أَحدُ أشكالِ/ حالاتِ الموتِ. أَلمْ يقلْ “أَبو الطيِّب المتنبِّي”: “ومنْ نَكدِ الدُّنيا على الحُرِّ أَنْ يَرى/ عدوًّا لهُ ما منْ صَداقتهِ بدُّ”. كذلكَ لاَ بدَّ منْ قَهرهِ بالإِبداعِ، كما فعلتُ وأَفعلُ. “هزمَتْكَ يا موتُ الفنونُ جميعُها” “محمود درويش”. الحمدُ للهِ على كلِّ شيءٍ وحالٍ.

* ما الكلمة التي تحب توجيهها لقرائك من خلال هذا الحوار؟
– لمْ أَجدْ الآنَ أَبلغَ منْ “في هذَا الجسدِ البائسِ ذِي العظامِ المائةِ، والفتحاتِ التِّسع، ثمَّةَ شيءٌ اسمهُ الرُّوحُ، ستارٌ شفيفٌ يتقاذفهُ ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشِّمالِ أَرقُّ النَّسيمِ. هيَ الرُّوحُ، بِحالها هذَا، هيَ الَّتي ساقَتْني إِلى الشِّعرِ، فمَا كانَ في أَوَّلِ الأَمرِ إِلاَّ تسليةً أُزجي بِها الوقتَ، ثُمَّ صارَ منْ بعدُ شغلَ حيَاتي الشَّاغلَ. عشتُ لحظاتٍ أَوشكَتْ فِيها رُوحي وقدْ نالَ مِنها الوهنُ أَنْ تيأَسَ منَ السَّعيِ، ولحظاتٍ ازدَهتْ فِيها رُوحي بالانتصارِ.

منذُ أَوَّلِ الأَمرِ وهيَ لاَ تعرِفُ للسِّلامِ طعمًا، ولاَ للدِّعةِ مذاقًا، طوالَ الوقتِ في حالةِ شكٍّ دائمٍ في قيمةِ مَا تفعلُه.” “الشاعر الياباني باشو”. ربَّما لهذَا السَّببِ عَنونتُ، لاَ شعوريًّا، مُختاراتي الشِّعريَّةَ، والَّتي هيَ منْ معظمِ مَجموعاتي الشِّعريَّةِ، بِـ”مدرجٌ إِلى الهباءِ”.

* ماذا تقول لكلّ مِن؟
نابلس: أَنتِ الحبلُ السُّريُّ الَّذي لاَ ينقطعُ بعدَ الولادةِ!
الخيل والأنثى: يَا فِتنتي الأُولى.. يَا قوَّةَ ضَعفِي الشَّهيَّةِ حتَّى آخرِ قصيدةٍ لِي!
فلسطين: إِذا لمْ يتبقَّ منكِ سِوى الاسْمِ/ فَما اسمُكِ الآنَ يَا …؟
محمد حلمي الريشة: لَو مِتَّ وَحدَك/ ستعِيشُ بَعدَك!

* ما كلمتك الأخيرة في الحوار؟
لمْ أَزلْ أَتنفَّسُ فاتنَ وردتِي الواحدةِ؛ لمْ تَذبلْ فيَّ، ولمْ أَذبلْ فِيها. أَنتِ أَيَّتها الحبُّ: أَشكرُ يديكِ باعتذارٍ باذخٍ.

محمَّد حلمي الرِّيشة
بطاقة ذاتيَّة – أَدبيَّة

شاعر وباحث ومترجم. مواليد مدينة نابلس- فلسطين. نال درجة البكالوريوس في الاقتصاد والعلوم الإدارية، ودرجة البكالوريوس في الأدب العربي. عمل في عدة وظائف في مجال تخصصه حتى سنة “2000”. انتقل للعمل في بيت الشعر الفلسطيني، وتفرغ للعمل الشعري. عمل محررًا ثقافيًّا. شارك ويشارك في عديد من المؤتمرات والندوات المحلية والعربية والدولية. ترجمت له عديد من النصوص الشعرية والنثرية إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والبلغارية والإيطالية والإسبانية والفارسية. يعمل مدير دائرة المطبوعات والنشر/رئيس التحرير في بيت الشعر الفلسطيني.

الأَعْمَالُ الُمنْجَزَةُ

الأَعْمَالُ الشِّعْرِيَّةُ:
الْخَيْلُ وَالأُنْثَى “1980”. حَالَاتٌ فِي اتِّسَاعِ الرُّوحِ “1992”. الْوَمِيضُ الأَخِيرُ بَعْدَ الْتِقَاطِ الصُّورَةِ “1994”. أَنْتِ وَأَنَا وَالأَبْيَضُ سَيِّءُ الذِّكْرِ “1995”. ثُلاَثِيَّةُ الْقَلَقِ 86-90 “1995”. لِظِلَالِهَا الأَشْجَارُ تَرْفَعُ شَمْسَهَا “1996”. كَلاَمُ مَرَايَا عَلَى شُرْفَتَينِ “1997”. كِتَابُ المُنَادَى “1998”. خَلْفَ قَمِيصٍ نَافِرٍ “1999”. هَاوِيَاتٌ مُخَصَّبَةٌ “2003”. أَطْلَسُ الْغُبَارِ “2004”. مُعْجَمٌ بِكِ “2007”. الأَعْمَالُ الشِّعْرِيَّةُ- ثَلاَثَةُ مُجَلَّدَاتٍ “2008”. كَأَعْمَى تَقُودُنِي قَصَبَةُ النَّأْيِ “2008”.

الأَعْمَالُ الأُخْرَى:
زَفَرَاتُ الْهَوَامِشِ “2000”. مُعْجَمُ شُعَرَاءِ فِلَسْطِين “2003”. شُعَرَاءُ فِلَسْطِين فِي نِصْفِ قَرْنٍ “1950-2000” تَوْثِيقٌ أَنْطُولُوجِيٌّ/ بِالاشْتِرَاكِ “2004”. الإِشْرَاقَةُ المُجَنَّحَةُ- لَحْظَةُ الْبَيْتِ الأَوِّلِ مِنَ الْقَصِيدَةِ- شَهَادَاتٌ/ بِالاشْتِرَاكِ”2007″. إِيقَاعَاتٌ بَرِّيَّةٌ- شِعْرِيَّاتٌ فِلَسْطِينِيَّةٌ مُخْتَارَةٌ- جزْءَانِ/ بِالاشْتِرَاكِ “2007”. نَوَارِسٌ مِنَ الْبَحْرِ الْبَعِيدِ الْقَرِيبِ- الْمَشْهَدُ الشِّعْرِيُّ الْجَدِيدُ فِي فِلَسْطِين المُحْتَلِّةِ 1948/ بِالاشْتِرَاكِ “2008”. مَحْمُود دَرْوِيش- صُورَةُ الشَّاعِرِ بِعُيُونٍ فِلَسْطِينِيَّةٍ خَضْرَاءَ/ بِالاشْتِرَاكِ “2008”. مَرَايَا الصَّهِيلِ الأَزْرَق- رُؤيَةٌ. قِرَاءَاتٌ. حِوَارَاتٌ “2010”.

الأَعْمَالُ المُتَرْجَمَةُ:
لِمَاذَا هَمَسَ الْعُشْبُ ثَانِيَةً؟ مُخْتَارَاتٌ شِعْرِيَّةٌ مِنْ “مُشَاهَدَةُ النَّارِ” لِلشَّاعِرِ كِرِيسْتُوفَرْ مِيرِيلْ “2007”. بِمُحَاذَاةِ النَّهْرِ البَطِيءِ- مُخْتَارَاتٌ شِعْرِيَّةٌ وَقَصَصِيَّةٌ “2010”.

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع