أخر تحديث : السبت 7 سبتمبر 2013 - 11:01 مساءً

المقهى تستضيف الشاعر والباحث المغربي مصطفى الغرافي

فاطمة الزهراء المرابط | بتاريخ 7 سبتمبر, 2013 | قراءة

من مدينة القصر الكبير، مبدع يواصل القبض على جمرة الكتابة بأصابع غير مرتعشة، لينسج لنا قصائد شعرية ودراسات نقدية منتشرة هنا وهناك، يحمل شعار: “أكتب لكي لا أجن أو أموت”، يعتبر المقهى مكانا تلوذ إليه الذات الشاعرة من أجل ممارسة الفعل الإبداعي وتفجير الطاقة الشعرية واستنفار الذائقة الأدبية الخلاقة. من أجل التعرف على المبدع مصطفى الغرافي كان الحوار التالي…

من هو مصطفى الغرافي؟
من يستطيع الزعم أن بإمكانه أن يتحدث عن نفسه دون أن يسقط في “أسطرة الذات” و”مراوغات الأنا” ؟ إن صورتنا عن ذواتنا مزيج من الرغبة والأمل. ما نريده ونهفو إليه وليس ما نحن عليه حقيقة
؛ وتكشف التجارب أن ما نفهمه من كلمة “أنا” مجرد أوهام اخترعناها وصدقناها حتى لا تقتلنا الحسرة أو ننتحر. انطلاقا من هذا الوعي المنقسم على ذاته أعي نفسي وأدرك وجودي : مصطفى الغرافي واحد من أبناء جيلي، جيل التمزق الكبير، جيل الأحلام الكبيرة والانكسارات العظيمة؛ جيل يحمل إحباطاته بين جنبيه مثل صخرة سيزيف مع فارق أن الصخرة التي نحملها يزداد حجمها بتقدم العمر وتوالي السنين. كثيرا ما أتخيلني مثل بطل أسطوري يجر خلفه سلسلة لانهائية من الخيبات المتلاحقة. هل هي “لذة الإخفاق” أم هو الإحساس المرير بالفقدان. تسكنني رغبة جامحة في الانسلال من ذاتي. أن أكون “آخر” غيري وبتعبير أدق أن أكون “أنا” و “غيري” في نفس الآن. من قال إن الهوية تتحدد بوصفها “وحدة”. الهوية تعدد وكثرة. فالذات ملتقى الاختلافات ومرتع التناقضات. عندما قال سقراط: “اعرف نفسك” فإنه كان يدرك حتما أن “الذات” هي النقطة التي تلتقي عندها وتتقاطع كل أسئلة الوجود الإنساني بأفراحه وأتراحه، بنجاحاته وإخفاقاته.
في كثير من الأحيان أجدني غريبا عني. فمن يدقق النظر في ملامح الذات منعكسة على مرآة الكتابة ولم ترتعد فرائصه فهو كاتب أمي. صورة الذات كما تعكسها الكتابة “أنا” أخرى لا أستطيع التحديق فيها ولا القبض عليها لأنها صورة مفارقة لذاتي وكينونتي وإن كانت مشتقة منها. إنها “الذات عينها كآخر” كما عبر بول ريكور في سيرته الفكرية. في الكتابة “أنا غيري” أكاد لا أعرفني. إذ ما أفتأ أطرح السؤال الآتي: كيف لي أنا “الحاشية” أن أصير “المتن”؟.

كيف جئت إلى عالم الإبداع؟
يكاد مجيئي إلى الكتابة أن يكون قدرا إلهيا؛ فأنا مذ وعيت على الدنيا لم أعرف لي مهنة غير الكتابة. لقد بدأت علاقتي بالكتب مبكرا. ويمكنني أن أحدد قسم الثالث أساسي نقطة البداية، حيث بدأت أقرأ قصص القرآن المبسطة. بعد ذلك توثقت علاقتي بالكتاب في القسم السادس حيث سأقرأ كتابات المنفلوطي وجبران وكتاب كليلة ودمنة لابن المقفع وتاريخ الأدب العربي لحنا الفاخوري ومختارات من شعر شوقي ولزوميات المعري. لقد جئت
إلى الكتابة من بوابة القراءة أكثر من التجربة. ولعلي لست مغاليا إذا اعترفت أن كل ما أعرفه عن الناس والحياة مصدره الكتب وليس التجارب الحياتية. إنني واع تماما أن “تربيتي الفكرية” شأني في ذلك شأن جميع المثقفين ليست في مستوى “تربيتي الوجدانية” (مع ملاحظة أن صفة “مثقف” لا يمكن أن تطلق على أمثالي إلا على سبيل المجاز وبكثير من التجاوز). صحيح أن المثقف يضاعف عمره بقدر التجارب التي يتفاعل معها في قراءاته بحيث يضيف إلى عمره أعمار الشخصيات التي يتماهى معها، لكن “حياته الخاصة تبقى دائما مرجأة ومؤجلة لأنه يعيش حياة الآخرين الذين يعيشون حياة كاملة في ذهنه في حين يظل وجوده الشخصي منقوصا. ولذلك تجدين معظم المبدعين يفتقدون إلى مهارات الحياة. لأن ابتعادهم عن تيار الحياة الجارف (بسبب الخوف منها حينا والتعالي عنها أحيانا) يجعلهم غير مؤهلين لسبر أعماقها والنفاذ إلى أسرارها. حيث يصدق عليهم توصيف أبي العلاء لنفسه بأنه “إنسي الولادة وحشي الغريزة”. وانطلاقا من تجربتي المتواضعة في الكتابة والحياة أستطيع أن أقول إن الكتابة نشاط عبثي بامتياز. وإذا رأيتني أواصل القبض على جمرة الكتابة بأصابع غير مرتعشة فاعلمي أني أكتب لكي لا أجن أو أموت.

ـ ما الدور الذي يلعبه النشر الالكتروني في حياتك الإبداعية؟
ينبغي الاعتراف أن وسائل التواصل الالكتروني تمثل نافذة يطل منها إنتاجي الفكري والإبداعي لكي يصل إلى الأصدقاء والقراء الذين يتفاعلون مع المادة الفكرية والأدبية التي أقدمها على صفحتي بشكل مثمر وبناء. ولعل أهم خصيصة تميز هذا الصنف من التواصل أنه يوفر تواصلا سريعا وفعالا ويجعلك تقيس ردود أفعال قرائك على المادة التي تنشرها في التو واللحظة. ومع ذلك فأنا لا أعول علي النشر الالكتروني وجميع المقالات والبحوث التي تجدينها لي على النت نشرت أولا في منابر ورقية ثم نشرت على الشبكة قصد الوصول إلى أكبر عدد من القراء. إن التواصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي يتيح لك فرصة الوصول إلى عدد هائل من القراء والمتصفحين في وقت وجيز. ولذلك أستثمر هذه النافذة للإعلان عن كتبي ودراساتي ومقالاتي حال صدورها وقد أبانت لي التجربة أن هذه المواقع وسيلة نافعة في مجال التعريف بالإنتاجات الفكرية والأدبية حيث يتفاعل مع ما أنشره أصدقاء كثيرون ويبحثون عن المادة النقدية والأدبية في المظان التي أشير إليها أو أعرف بها. وهو ما يتيح لي الوصول الى عدد هائل من القراء في زمن قياسي.

ما هي طبيعة المقاهي في القصر الكبير؟ وهل هناك مقاه ثقافية تميزها؟

في القصر الكبير حيث تفتق وعيي الثقافي والإبداعي لا وجود للمقاهي الثقافية. المقهى في مدينتي فضاء للدردشة الهادئة حينا والصاخبة أحيانا. ترتبط المقهى في ذاكرتي بالأفلام الهندية التي كان كثير من أبناء جيلي خاصة المراهقون يحرصون على متابعتها والاستمتاع بمشاهد الغناء والرقص التي برع فيها ممثلو السينما الهندية على نحو مدهش. أتذكر أن بعض الأصدقاء كانوا يستطيعون الترنم بكلمات كثير من الأغاني الهندية من دون أن يمتلكوا القدرة على فك رموز معانيها أو مدلولاتها. كما ترتبط المقهى في ذاكرتي بمباريات كرة القدم خاصة مباريات المنتخب الوطني وبطولة الكأس الإسبانية التي يحرص أبناء الشمال على متابعتها. ولما كنت غير شغوف بمباريات كرة القدم فإني تعودت أن أتجنب ارتياد المقاهي عندما يكون هناك نقل لمباراة قوية تجنبا لضجيج المشجعين وصراخهم ومناكفاتهم.

لعبت المقهى خلال القرن 20 دورا مهما في مختلف المجالات الأدبية والفنية والسياسية فإلى أي درجة مازالت تحتفظ بهذا الدور؟
تمثل المقهى اليوم فضاء للنميمة الثقافية بامتياز، حيث تروج أخبار المؤلفين وكواليس الجوائز الأدبية وآخر الإصدارات. كما تمثل المقهى منطلقا لعدوى القراءة؛ إذ يمكن أن يتأثر كثير من رواد المقاهي بالمثقفين الذين يرتادونها من أجل الانهماك في قراءة كتاب أو مجلة. وهو ما يساعد على انتشار “عادة القراءة” في صفوف رواد المقاهي. وما من شك أن هذه الممارسات من شأنها أن تجعل من المقهى رافدا من روافد الفعل الإبداعي والثقافي بشكل عام؛ فعديد من الأفكار الأدبية والنصوص الإبداعية رأت النور في المقاهي كما يشهد على ذلك سير المبدعين واعترافاتهم. فقد تولدت فكرة مسرحية “أهل الكهف” في مقهى تعود توفيق الحكيم أن يجلس عندها كل جمعة حيث تنتهي إليه أصوات المقرئين وهم يتلون سورة الكهف فلمعت في ذهنه فكرة تأليف مسرحية تتناول قصة شباب الكهف وقد استقى نجيب محفوظ كثيرا من أحداث وشخوص رواياته من المقاهي الشعبية التي تعود ارتيادها فقد استلهم شخصية أحمد بن عبد الجواد (السي السيد) بطل الثلاثية الشهير من الحاج فهمي الفيشاوي صاحب “قهوة الفيشاوي” المعروفة في مصر والذي كان فتوة “حي الجمالية”.
لقد أصبحت المقهى جزءا جوهريا من الوعي المجتمعي الجديد باعتبارها فضاء لبث المعرفة وتأصيل قيم التنوير. أما بالنسبة إلى الكتاب والأدباء فإن المقهى تشكل فضاء ملائما لاقتراف الفعل الثقافي واجتراح الكتابة الإبداعية على نحو يمكن من فتح الإبداع على حدود المدهش والمختلف.

ما الدور الذي تلعبه المقهى في حياة الشاعر مصطفى الغرافي؟

تمثل المقهى بالنسبة إلي مكانا تلوذ به الذات الشاعرة من أجل ممارسة فعل إبداعي مختلف تشرطه الجدة والرغبة الجامحة في التجاوز والتخطي. فهو فضاء يساعد على انفجار الطاقة الشعرية واستنفار الذائقة الأدبية الخلاقة. ففضاء المقهى يتيح للمبدع أن يعيش عزلة الذات في ركن أو زاوية يأوي إليها من أجل ممارسة طقوس الخلق الشعري بكثير من الفرادة والتوهج الإبداعيين؛ فالجلوس إلى منضدة تعتليها كتب وأوراق وأقلام مختلفة الأحجام والألوان وارتشاف الشاي أو القهوة ونغمات الموسيقى تداعب الأذن وتأمل الناس والحياة من النافذة كلها أمور تستنفر الطاقة الإبداعية وتطلق العنان لميلاد أفكار جديدة مبتكرة سرعان ما تتحول إلى نصوص وخطابات تتناقلها
ألسنة القراء وأفئدتهم.

ماذا يمثل لك: البحر، القلم، الوطن،؟
البحر: وشوشة عاشقين.
القلم: أداة البوح ومعراج الروح.
الوطن: امرأة جميلة نعشقها مهما قست علينا.

كيف تتصور مقهى ثقافيا نموذجيا؟
ارتبطت المقهى في مخيال المجتمع التقليدي بصورة سلبية تنظر إلى المقهى باعتبارها فضاء لا يرتاده سوى الفاشلين في الدراسة وكبار السن من الباحثين عن التسلية وتزجية الفراغ، لكن هذه الصورة النمطية ما لبثت أن تغيرت مع التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع المديني الحديث. لقد أصبحت المقهى شيئا آخر خاصة بعدما باتت مجهزة بأحدث وسائل التقنية وأدوات الاتصال.
يتيح فضاء المقهى للمبدع الالتحام بالناس واقتحام معترك الحياة بدل العيش على هامشها في برج عاجي منفصل عن الحياة وتيارها الجارف. وهذا الأمر يساعد على توفير المادة الأولية لنصوص إبداعية قادمة تتخذ من مشاهد المقهى وأحاديثها منطلقا لها. ففي المقهي يلتقي أصحاب الفكر والمنشغلون بقضايا الإبداع من أجل تدارس أوضاع الأدب وقضايا تداول الكتاب الإبداعي وتلقيه. كما يرتاده الفاعلون الجمعويون من أجل الترتيب للقاء شعري أو ندوة نقدية. مما يسهل على المنشغلين بالحقل الأدبي مسألة التعارف فيما بينهم والاطلاع على الجديد الإبداعي لكل واحد منهم. كما يرتاده الفاعلون الجمعويون من أجل الترتيب للقاء شعري أو ندوة نقدية. مما يسهل على المنشغلين بالحقل الإبداعي مسألة التعارف فيما بينهم والاطلاع على الجديد الإبداعي لكل واحد منهم.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع