أخر تحديث : السبت 19 مارس 2011 - 11:15 صباحًا

الشعر ووظيفته عند الشاعر مصطفى الطريبق من خلال ديوانه ” سنابل وأعاصير “

ذ. أبو الخير الناصري | بتاريخ 19 مارس, 2011 | قراءة

الإخوة الأعزاء، يشرفني أن أضع بين أيديكم هذه الدراسة النقدية التي تتمحور حول مفهوم الشعر ووظيفته عند الشاعر القصري مصطفى الطريبق وهي دراسة تحاول أن تتبين مفهوم الشعر عند هذا الشاعر من خلال ديوانه الشعري الثاني “سنابل وأعاصير” الصادر ضمن منشورات  جمعية البحث التاريخيوالاجتماعي بمدينة القصر الكبير “ذ.  أبو الخير الناصري

ينتمي الأستاذ الكاتب والشاعر مصطفى الطريبق إلى مدينة القصر الكبير التي ولد بها سنة 1944م، وتدرج في مدارسها، وتخرج فيها ودرّس، ومارس مهام التسيير الإداري والتربوي في بعض مؤسساتها التعليمية.

ومع ما لمهنة التعليم من مشاكل وصعوبات جمة، فلقد استطاع الأستاذ الطريبق أن يكون من تلك ” الفرقة الناجية ” التي كافحت لتزاوج بين مسؤولية التربية والتعليم والقبض على جمر الكتابة والإبداع في بلد ما زال يعاني ارتفاع معدل الأمية والعزوف عن القراءة.

 

هكذا وجدنا الأستاذ الطريبق يقتطع من راحته وقتا ثمينا لممارسة بعض الأنشطة الثقافية المتعددة، كالمشاركة في جمعيات وفرق مسرحية « منها : فرقة أشبال المدرسة الأهلية الحسنية … وفرقة وادي المخازن للتمثيل المسرحي التابعة للشبيبة والرياضة في الستينات … وجمعية خدمة الثقافة التابعة للشبيبة والرياضة في الستينات أيضا … وجمعية البحث التاريخي والاجتماعي بالقصر الكبير..» (1)، بالإضافة إلى مراسلة بعض الصحف والجرائد الوطنية، وكتابة دراسات وأبحاث أدبية ونظم قصائد شعرية تعكس ما في النفس من مشاعر وعواطف وتصور واقع الناس والحياة.

وإذا كان تعدد واجهات العمل الثقافي « يوحي للوهلة الأولى بأن صاحبه ما فتئ يبحث لنفسه عن مستقر أدبي يركن إليه » (2) فإن الرجل يرد على ذلك بالقول : « يبدو هذا عاديا بالنسبة إلي ما دامت الكتابة تبقى تعبيرا عن المعاناة، وتصويرا صادقا لهموم الطبقة العريضة من المواطنين. فالأفكار تتزاحم في ذهني، وتزيد تضخما واتساعا، وتأتي لحظة التعبير فتكون مرة شعرا، ومرة نثرا … » (3).

على أن الرجل ليس من هذه الفئة التي يستهويها ظهور أسمائها على صفحات الجرائد والمجلات، فتستسهل الكتابة والتسويد، ولا هو من تلك الطينة التي تحسب حسابا خاصا للأشخاص في ميادين الفكر والأدب، فتراها تتحاشى البيان وصدق القول. يقول الباحث محمد العربي العسري : « وللأستاذ مصطفى الطريبق ملمح انفرد به عن الكثير من معاصريه، ويتجلى هذا الملمح في ما تمثله بعض مقالاته من شجاعة أدبية نادرة المثال. ومقالاته تلك عبارة عن ردود ومآخذ واجه بها أسماء وازنة في ميدان الفكر والسياسة والأدب والتاريخ … أسماء كبيرة اقتحم عرينها بثقة، وقارعها مقارعة الند للند، لم يثنه عن ذلك ما يحمله أصحابها من ألقاب علمية، أو ما يمثلونه من حضور طاغ في الساحة الفكرية » (4).

ومن بين كل الأجناس التعبيرية التي يطل منها الطريبق على قرائه يبقى الشعر جنسا أثيرا لديه. وستتناول هذه المقالة دور الشعر ووظيفته عند الشاعر مصطفى الطريبق انطلاقا من ديوانه الثاني ” سنابل وأعاصير ” الصادر سنة 2008م عن مطبعة الأمنية بالرباط ضمن منشورات جمعية البحث التاريخي والاجتماعي بالقصر الكبير ممتدا على 178 صفحة، ومفتتحا بمقدمة كتبها الباحث الدكتور محمد الشدادي.

قسم الشاعر هذا الديوان من الشعر العمودي إلى الأبواب الآتية :

1- القصائد الدينية : سبع قصائد.

2- القصائد الوطنية : أربع عشرة قصيدة.

3- قصائد الطبيعة : أربع قصائد.

4- القصائد الاجتماعية : ثلاثة عشر نصا شعريا.

5- قصائد العروبة : خمس قصائد.

6- وجدانيات : سبع عشرة قصيدة.

7- تأملات : تسع قصائد.

ولئن كانت بعض القصائد تتسم بقلة عدد أبياتها، لا سيما ” الوجدانيات ”  و” التأملات “، فإن قصائد أخرى تتميز بطول النفس، خاصة منها بعض القصائد الدينية، والوطنية، والاجتماعية، وبعض قصائد العروبة، ونذكر على سبيل المثال القصائد الآتية : في صحبة الروح الأمين(56 بيتا )/ في بلادي بحران (80 بيتا )/ دعوة إلى اتحاد المغرب العربي الكبير( 75 بيتا ) / رثاء بغداد (129 بيتا ) / زلزال الحسيمة (62 بيتا )  وقد كانت ثمانين بيتا حين نشرها في مجلة مواسم ( العدد 17/ 18).

ولا يخفى ما يعكسه هذا المعطى الإحصائي من التفاعل العميق للشاعر مع هذه الموضوعات الدينية، والوطنية، والاجتماعية .. وما تمثله لديه من أهمية تفوق أهمية الانشغال بالذات الشاعرة في تأملاتها وهمومها الفردية الخاصة، وهو ما يعني أن الشعر عند الأستاذ الطريبق لسان الجماعة في آلامها وآمالها، وليس موهبة خاصة تُستغل من أجل تحقيق المطامح والرغبات الشخصية للشاعر، ولعله لهذا السبب تغيب في الديوان قصائد المديح الزائف التي كانت عاملا حاسما في تحول « القيم من بعدها الإنساني إلى بعد ذاتي نفعي أناني، وتحول الخطاب الثقافي إلى خطاب كاذب ومنافق » (5). يقول الشاعر مبرزا مفهومه للشعر ومنتقدا قصائد المديح الكاذب :

الشعر حس في الشعور، وفي الحشا         تأتيه  صدقا،  في جميل  بنائه

من  غير  ما   مدح،   ولا كسب   فإ        ن المدح زورا من رموز فنائه

فالمدح      باب   للنفاق        تفتحت        في  وجه  من ضحى بكل إبائه

يا   مادحا   بالشعر    فيه      مغاليا         تمشي  لذل   في  قبيح    ردائه

هلا  نزلت  إلى  الشوارع  كي  ترى        كم  من  فقير يشتكي  من دائه ؟

                                                      ( سنابل وأعاصير ص 84 )

إنها زفرة ودعوة من الشاعر إلى الشعراء المداحين ليكفوا عن الاستجداء والتكسب وصناعة الطواغيت (6)، وليلتفتوا إلى حالة الذل التي يغرق فيها الناس وواقع الظلم والفوارق الهائلة بين فئات المجتمع. هي دعوة إلى الكف عن « قتل الحقيقة » (7) من خلال تحسين القبيح بقصائد لا تعدو أفق « تصوير الباطل في صورة الحق » (8).

إن الشاعر الصادق الأمين الذي يؤمن برسالة الشعر في الحياة هو من « يعنى بهموم الوطن » (9)        « يعايش هذه الهموم ويسبر أغوارها ويظهر طريقة التخلص منها في أسلوب صريح ولغة ثورية » (10).

ومن المهم هنا الإشارة إلى كثرة قصائد الديوان التي تتناول الوطن من حيث التغني بجماله، وإبراز قضاياه الرئيسة، وتصوير معاناة أهله وسكانه ( أرضنا الصحراء / سبتة ومليلية / أم لكوس / تغني يا عرائش / الهجرة السرية / زلزال الحسيمة …) مع التأكيد على أن مفهوم الوطن عند الشاعر يتسع ليشمل كل البلدان التي تشترك مع بلاده في مقومات كالدين واللغة والتاريخ. ومن هذه الزاوية تحديدا ندرك سر اهتمام الشاعر بقضايا قومية وإسلامية ك ” مجزرة غزة ” (11) و ” العراق والاحتلال ” (12)           و” الدعوة إلى اتحاد المغرب العربي الكبير” (13)…إلخ.

على أن الشاعر لا يهتم بتصوير الواقع الكائن فحسب، بل ويرسم طرق الخلاص من الأزمات في لغة صريحة واضحة. من ذلك مثلا قوله في قصيدة ” إرادة الشعب ” :

نقب بكل الكتب واسأل يا أخي  ال          تاريخ، واجعل منه نورا مرشدا

سترى الشعوب جميعها ما حررت         إلا  بما  منها     بدا      وتعودا

وعي       وتأطير    وفكر    كامل          ومسيرة   نحو   البناء  يدا  يدا

رفض  لكل  وصية، جعلت    لها           من  عيشه  إثراءها    المتعدد

(…)

بالكد   بالإصرار   بالفكر   الذي            كالنور  يسطع   بيننا     متوقدا

هذي  وسائل  من  أراد    تحررا            وأراد  عزا   مستديما      أحمد

                                                           ( الديوان ص 56)

وقوله في قصيدة ” في بلادي بحران ” :

 وإذا ما قد تم ردع الألى من                      بافتقار  البلاد  نالوا  ثراء

وإذا  المال  قد    أعيد   فإنا                      سوف نحيا بأرضنا سعداء

وإذا  ما مضى  التمايز فيما                      بيننا  وانتهى  الفساد   وباء

وإذا ما عن أرضنا بعد الظل                    م وما بيننا    غدا    يتراءى

سيرى الشعب أنه صار يحيا                    وسيرمي عنه الأذى والبلاء

وسيلقى   سعادة    لا تدانى                     وسيلقى  المنى  ويلقى الهناء

                                                       ( الديوان ص 61)

إن الأبيات أعلاه لترسم منهجا واضحا للتغيير قوامه  نشر ” الوعي والتأطير والفكر ” في مسيرة جماعية نحو ” البناء يدا في يد ” مع ” الكد والإصرار “، ودونما إغفال لضرورة ” ردع من نالوا ثراء بافتقار البلاد ” و ” إرجاع المال المسلوب ” و ” القضاء على أشكال التمايز ” … فبذلك ” سيرى الشعب أنه صار يحيا ” وتجاوز مرحلة العيش، و ” سيلقى السعادة ” التي تظل أمنية تراود كل إنسان.

وقد يرى بعض الدارسين أن هذا المنحى يوقع قصائد الديوان في طابع المباشرة والتقرير، غير أن هذا الأمر، في الحقيقة، يجد تعليله في تصور الشاعر للكتابة، نثرا وشعرا، بوصفها « تعبيرا عن المعاناة، وتصويرا صادقا لهموم الطبقة العريضة من المواطنين » كما أشرنا آنفا، فالشاعر يبايع الصراحة والصدق، وينأى عن الكذب الذي أدى إلى تحول المنظومة الأخلاقية عند العرب وكان عاملا في « تجريد اللغة من دورها في الفعل والعمل » (14).

إن إيمان الشاعر بدور ” الكلمة الفاعلة ” هو ما دفعه لرسم منهاج عمل لتغيير واقع البؤس والتخلف، ولذلك فإن الفهم السليم والتعليل المنطقي لدعوة الشاعر التغييرية – كما تتصور هذه المقالة – إنما يتأسس على أرضية تصور الشاعر نفسه للشعر، وهو تصور يمكن تلخيصه في عبارة ” أعظم الشعر أصدقه ” خلافا للمقولة الشائعة ” أعذب الشعر أكذبه “.

وفي إطار هذا الفهم المختلف للكتابة ودورها عند الأستاذ مصطفى الطريبق يتضح كذلك المقصود من تسمية الديوان ” سنابل وأعاصير “، إذ الشاعر يرى أن جل ما ينظمه من قصائد لا يخرج عن كونه واحدا من اثنين : فهناك قصائد ” كالسنابل ” والغذاء للأرواح المتعطشة للحقيقة ، تنير لها طرقاتها المظلمة في الحياة :

فالشعر  نهر،  دافق  جريانه              وطلوع بدر في بديع ضيائه

فلنعط هذا الشعب منه منابعا              هي كوثر ، يشفيه من بلوائه

وهناك قصائد أخرى هي ” أعاصير ” وحروب لا هوادة فيها على الظالمين والطغاة والمتجبرين :

يا شعر  كن  نارا  على  المتجبري           ن وكن لهيبا  ليس يبقي أو يذر

كن  مثل  إعصار  على  المتظلمي           ن وبالأعادي  والطغاة  فلا تبر

(…)

كن للذي يمشي بركب الظلم والإقطا         ع رجما  من  حديد  أو  حجر

(…)

حطم  قلاع  الظلم  وامحق  صرحه         فهو الشقاء على البرايا مستطر

                                                                   ( الديوان ص 156)

ومن خلال ما تقدم يتبين أن الشعر عند الشاعر مصطفى الطريبق صوت الأعماق الطاهرة وهي تعانق آلام الناس وجراحهم، وهو صوت يتوسل بالصدق واللغة السهلة السلسة والصورة القريبة ليتسلل إلى النفس كيما يغرس بداخلها بذور الوعي الحق بالواقع المر بغية التمهيد للثورة علية وتغييره.

إنه، بإيجاز شديد، غذاء روحي وفكري للمستضعفين ، وشواظ من نار على الطغاة والمتجبرين.

 الهوامش :

(1) بوسلهام المحمدي، أدباء ومفكرو القصر الكبير المعاصرون، ص 136- 138، ط 01، 2008م.

(2) محمد العربي العسري ،أقلام وأعلام من القصر الكبير في العصر الحديث، ص213، ط 01، 2008م.

(3)  المصدر السابق، ص 213.

(4) نفسه ص 225.

(5) عبد الله الغذامي، النقد الثقافي ، ص 143، ط01، 2000م. 

(6) في بيان كيف صنع الشاعر الطاغية ينظر ” النقد الثقافي” للغذامي، الفصل الرابع ” تزييف الخطاب / صناعة الطاغية”  ص 141 إلى ص 199.

(7) النقد الثقافي ص 112

(8)نفسه ص 112.

(9)و(10) مصطفى الطريبق، الجانب الوطني في شعر محمد الحلوي، مجلة مواسم، ع : 15/16، 2003/ 2004م.

 (11)و(12)و(13) عناوين قصائد من الديوان.

(14) النقد الثقافي ص 153. 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع