أخر تحديث : الإثنين 30 ديسمبر 2013 - 2:32 صباحًا

من ملامح الاحتفاء بعيد المولد وبعض مميزات المديح النبوي والسماع الصوفي بمدينة القصر الكبير

يوسف التطواني | بتاريخ 30 ديسمبر, 2013 | قراءة

بمناسبة اقتراب عيد المولد النبوي الشريف يطيب لي ان استعرض بعجالة بعض ملامح الاحتفاء بهذه المناسبة بمدينة القصر الكبير حيث تخصص مدينة القصر الكبير باعتبارها احد المدن العتيقة بالمغرب .مكانة متميزة لإحياء عيد المولد النبوي , وتتجلى هذه الأهمية عبر عدد التجليات الدينية والاجتماعية والفنية .. وفي هذا الإطار سأحاول أن أقوم برصد بعض هذه المضاهر والاحتفالات التي تقام بالمدينة على سبيل المثال لا الحصر.
حيث تحرص مثلا الزوايا المتواجدة بالمدينة على إحياء عدد من الليالي احتفاء بهذه الذكرى .

حيث تتخصص كل زاوية وطريقة صوفية معينة بيوم محدد تتلى فيه السلك القرآنية والأدعية والامداح النبوية و خاصة تلاوة البردة والهمزية وسرد قصة المولد. وتمتد الفترة الزمنية التي تغطي الاحتفالات من الجمعة الأخيرة لشهر صفر إلى آخر يوم من شهر ربيع الأول . حيث تنطلق الاحتفالات قبل دخول شهر ربيع الاول , حيث يحتفل الشرفاء عائلة الريسوني بأخر جمعة من شهر صفر حيث درجوا منذ زمن بعيد على إقامة حفل بالمناسبة ينسب في إحياءه إلى احد أجداد الطريقة الريسونية . وتحتفل الزاوية الصديقية بأول يوم أو ثاني يوم من شهر ربيع الأول , وبعده الطريقة القادرية وفي اليوم السادس الطريقة الكتانية وفي اليوم الثامن الزاوية الرحالية . وفي اليوم العاشرالطريقة الدرقاوية الخمسية.

وفي ليلة المولد أي الحادي عشر من الشهر تبلغ الاحتفالات ذروتها حيث تقام العديد من الاحتفالات في عدد من الزوايا حيث يقام مثلا ما بين صلاة العشائيين حفل ديني عامر بمسجد للا عائشة الخضراء . وبعد صلاة العشاء يتم إحياء عدد من الليالي ببعض الزوايا , كالزاوية التهامية الوزانية , والزاوية التجانية , والزاوية العليوية , والزاوية الروسية القادرية , وحفل بمسجد للا فاطمة بنت احمد يقيمه عائلة الجباريين .

وفي هذه الليلة المشرقة بالذات تقيم الكثير من العائلات القصرية احتفالات خاصة بعدد من المنازل يتم فيها استدعاء الأقارب والجيران , ومن هذه العائلات نجد عائلة الطود التي تقيم حفلا دينيا يخصص للنساء فقط . وتستمر هذه الاحتفالات إلى الهزيع الأخير من الليل, ومن العادات الأصيلة التي انقرضت صعود نساء المدينة إلى السطح عند الفجر للتهليل واطلاق الزغاريد وتسمى هذه العادة بالتبشير إشارة الى بشرى ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم. ويتم إعداد فطور خاص مكون من سميد بالحليب ـ عصيدةـ كطعام يقدم للمواليد الجدد.

في يوم العيد ينطلق حفل كبير وبهيج اخر برحاب لزاوية البدوية ويسمى بالصبوحي ويمتد من شروق الشمس إلى صلاة الظهر .
وفي الماضي كانت المدينة تقيم حفلا كبيرا بضريح مولاي على بوغالب ينطلق بعد صلاة العشاء ومن بين فقراته تلاوة دلائل الخيرات.

وبعد يوم عيد المولد تستمر الاحتفالات في باقي الزوايا بالمدينة وهكذا يتم تنظيم حفل بالزاوية القنطرية وزاوية المجولين والزاوية العيساوية كما تقيم الزاوية التجانية حفلا ثانيا في اليوم السابع بعد العيد . و في اخر ايام الشهر تقيم الزاوية القادرية بسيدي غيلان حفلا يسمى بسابع السوابع.

كما تقام احتفالات أخرى بعدد من أضرحة الأولياء كسيدي الفضلي وسيدي قاسم بن زبير وسيدي اللباس. وعدد من المساجد بالمدينة العتيقة كجامع الزليج وسيدي سعيد ومسجد دار الدباغ الذي كان يقيمه الصناع بمسجدهم.
ورغم تراجع وانقطاع بعض هذه الاحتفالات المشار إليها أعلاه تحرص لحد الآن عدد من الزوايا على المحافظة على إحياء الذكرى رغم كل التحديات التي أصبحت تعاني منها هذه الزوايا وتبذل مجهودات صادقة لمواصلة الاحتفال بهذه المناسبة الشريفة.

ومن مميزات مدينة القصر الكبير كذالك في هذا المجال اعتنائها بفني المديح النبوي والسماع الصوفي , حيث كانت المدينة تضم نخبة متمرسة في هذا الفن العريق. حيث كان يتم أداء قصيدة البردة بالصيغة القصرية مخللة بعدد من القصائد سواء في المدح أو السماع على مختلف الطبوع والأنغام ونفس الشئ بقصيدة الهمزية , فاذا كانت القصيدة الأولى ما زالت متداولة عند بعض المادحين والمنشدين بالمدينة فان القصيدة الثانية لم يعد متداول منها إلا جزء الأول إلى حدود قول البوصيري في همزيته :
فصف الليلة التي كان للمختار ** فيها على البراق استواء
حيث تختتم في نغمة الرصد وقبلها الحجاز الكبير نغمات عراق العجم والعشاق . بينما باقي انصب الهمزية لم تعد متداولة وانقرضت بدورها.رغم انه في مدينة تطوان مازالت تؤدى القصيدة كاملة وموزعة على مختلف الطبوع المغربية لحد ألان.

وبطبيعة الحال فإذا كان جزء مهم من الإرث الفني الأصيل لفن السماع قد تلاشى بالمدينة فان ما تبقى منه مهدد كذالك بالاندثار أو بفقدان أصوله وقواعده العلمية والفنية والجمالية.
لان توزيع مقاطع القصائد المشار إليها أعلاه وما يتخلله من تغطيات الصنائع والبروال والموشحات تخضع لقواعد موسيقية صارمة ومضبوطة حيث يؤدى كل مقام موسيقي خلال نصاب معين مثلا تتوالى نغمات الرصد ـ المشرقي ـ غريبة الحسين ـ الماية ـ رمل الماية ـ رصد الذيل ـ الاستهلال ـالحصار ـ الاصبهان ـ الرصد ـ الغريبة المحررة ـ الحجاز الكبير ـ العشاق وعراق العجم في قصيدة البردة وفق أداء رائع ومتداخل يمتاز بحسن التخلص من نغمة إلى أخرى ومواكبة أجزاء القصيدة على حسب المضامين الموضوعاتية لها.

انه ارث مهدد بالتلاشي كما أشرت وبفقدانه تخسر المدينة جزء مهم من أصالتها ومميزاتها الحضارية والإبداعية والتي لايمكن تعويضها بأي حال من الأحوال. فإذا ما فقدنا أداء القصائد وبعض البراول على الصيغة المعتمدة بحاضرة القصر الكبير طيلة عقود أو قرون مديدة . لايشفع لنا ان نؤديها على عللى طريقة المدن الأصيلة الأخرى كالطريقة التطوانية أو السلاوية أو الفاسية …لاننا في هذه الحالة نكون قد فقدنا مميزاتنا وتفرد مدينتنا ومجهودات أبائنا وأجدادنا في بصم هذه القصائد ببصمات مميزة وأصبحنا نقلد أداء باقي المدن الأخرى التي حافظ أبنائها على طريقتهم وصيغتهم وهو ما يفقد المدينة قيمتها المضافة.

وبدون الدخول في تفاصيل أخرى في هذا المجال(..) فان ما أود التنبيه إليه هو أهمية وضرورة الاعتناء بالموروث الحضاري والفني لمدينة القصر الكبير .وهي مسؤولية ملقاة أولا على الباحثين والمهتمين وكذا الهيئات المدنية ذاث الاهتمام وكذا المسؤولين على مختلف درجات ونوعية مسؤولياتهم ..وكافة أبناء المدينة الغيوريين عليها في ملحاحية التدخل العاجل للنهوض والحفاظ ورد الاعتبار لهذا المجال الذي يعكس الرصيد الحضاري والإنساني لهذه المدينة العريقة.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع