أخر تحديث : الخميس 16 يناير 2014 - 9:14 مساءً

” تأملات في الفن والأخلاق والحضارة ” كتاب جديد لمصطفى الجباري

ذ. محمد الموذن | بتاريخ 16 يناير, 2014 | قراءة

” الفن في جوهره إذا لم يوظف لتدبر أسس الفطرة فإن طبيعته وما يختزله في أصل خصائصه، كل ذلك يجعله يحدث طفرات كالسحر، تهتز معها رعشات الروح والوجدان، وتنفتح للمساته الجمالية حقول البصيرة، فإذا بدوافع الكائن البشري تمقت مظاهر الشر، وتروم كل خير مصدره نقاء الضمير وطهر النفس”، آثرت أن أستهل ارتساماتي حول مؤلف الأستاذ مصطفى الجباري الجديد، في عنوانه وتوجهاته، بتعريفه لماهية الفن ووظيفته، وهكذا “فالفن يكون حيث يسلم من سطوة التأويل الإبليسي، يجعلك تنسى نداء الغرائز، وينعرج بك نحو بطاح شعاع الجمال، فإذا بأمواج البصيرة توسع حدوس الغيب من أمامك، حتى تمسي دوافعك كلها منجذبة إلى لحظة التماهي مع سمفونية الغيب المجيدة” – يقول مصطفى الجباري- .

تلك طبيعة الفن ووظيفته، فهو يصقل النفس، ويطهرها من أدران القبح والخطيئة، ويصفي الروح من شوائب الانحراف عن الفطرة، ومن إغراءات الشيطان ووساوسه، التي تدنس فطرة الإنسان لتي جبل عليها، فطرة التقرب من رب العزة جل وعلا، والارتياح النفسي لعشق الروح، وصنع الله البديع، ولجمال مخلوقاته تبارك وتعالى، غير أن العدميين قتلة رب المسيحية، والوجوديين والماديين، والبرجماتيين ، وجميع غلاة الفكر العلماني الغربي حولوا الفن من وظيفته التنسيقية، بين الحق والخير والجمال إلى متواطئ مع دعاة العدمية، والتطرف ضد قيم الفضيلة، وتعاليم الدين والجمال، وزاغوا به من كينونته الجمالية التي تخاطب الروح والنفس، إلى مجرد وسيلة وظيفية تخاطب الحواس، وتحرض الغرائز، فهوى الفن من أعلى العليين إلى أسفل السافلين، وسخرته شياطين الإنس والجن لرفض عالم الغيب والميتافيزيقا، والدعوة إلى التمرد على قيم الغيب وتعاليم السماء، فانحرف الفن عن طريقه، وفقد ماهيته الجمالية والأخلاقية، وتقمص بالوكالة وظيفة متطرفي الوجودية العدمية، وأنصار الملاحدة في تحريض النفس البشرية على التمرد على قيم الخير، وتعاليم الدين، وتضليل النفس عن إدراك الحق بتزييف الواقع بألوان الفن، الذي ألبسوه عشرات الأقنعة، التي تخفي خلفياته الإلحادية، وباسم الفن تحول العري إلى احتفاء بالجسد، والرقص الماجن إلى تراث وثقافة، والتمرد على قيم الدين والمجتمع إلى حرية، والقفز على جميع الضوابط الخلقية والأعراف الاجتماعية إلى حداثة، والخروج عن كل مألوف بما بعد الحداثة، وهكذا أصبح الفن في خدمة الإديولوجيات العدمية الهدامة، وطغى سلطانه، وكبر تأثيره على الناس، ولم يعد العقل المحايد قادرا على كبح جماحه، ولا النفس قادرة على تحصين صاحبها من آثار سحره وتحريضه، وهكذا فقد الفن ماهيته وعبرة وجوده.

وفي الفصل الثاني من الكتاب تطرق الروائي مصطفى الجباري – وهذه المرة مرتديا جلباب التصوف، متكئا على عصى الفلاسفة، متحدثا من منبر الدين، ومحللا بمنطق النقاد، ومخاطبا بأسلوب الأدباء – إلى مأساة الغرب في تمرده على المسيحية، وانزلاقه في أوحال العدمية، وقلقه بين متاهات الوجودية، وضياعه في عبثية السوريالية، وجريه وراء سراب الحداثة وما بعد الحداثة، ضل سبيل الحق والنجاة، لأنه ضيع خريطة الطريق نحو الحقيقة الغيبية، وضيع بوصلة الأخلاق والجمال، والهداية إلى الله، رب العالمين، فاستطاع قتلة رب المسيحية، ودعاة الإلحاد أن يخربوا أسس العقيدة الدينية، وقواعد الجمال والأخلاق، فأصيب الضمير الإنساني، والروح والنفس بأمراض الاغتراب، والتشردم ، والإلحاد، وفقد الإنسان مناعته ضد فروس السادية، والخطيئة والرذيلة والجريمة، والشذوذ الجنسي والتفسخ الأخلاقي، وخارج محراب الدين وأسوار الكنيسة ضيع الإنسان الغربي بوصلة البحث عن الله، وضيع سراجه الذي ينير له الطريق، والمنطق الذي يزن بها الأفعال، والمعيار العقلي الذي يصنف به الأشياء، فسقط في هوة اللامعقول والعبثية، بحيث لم تعد أفكاره خاضعة لضوابط الدين والأخلاق، وتوجيه العقل، لقد تمكنت منه العدمية وأصابه الاغتراب، فلم تعد له غاية في هذه الحياة، ففقد عبرة وجوده، وضاع في متاهات الفراغ الروحي، وغرق في أوحال الوجودية العدمية، ذلك أنه فشل في الجواب عن عشرات الأسئلة حول الوجود، والميتافيزيقا وأسرار الغيب، فناب عنه أب الوجودية سارتر ليتولى الجواب عن ماهية والوجود وغاياته، فأوهم الإنسان الغربي بقوله: “كل موجود يوجد بلا سبب… ويموت بمحض الصدفة”، وهذا التوجه الفلسفي يقوم على أساس تخريب معنى القصدية والحكمة في خلق الإنسان، فيعيش الإنسان حسب هذه المفاهيم الوجودية بلا أهداف، ولا معنى، فينزلق خارج مركزية الوجود، ويقترب من مستوى الحيوان، الذي يعيش بلا مقاصد ولا أهداف، بل يعاني الإنسان –عكس الحيوان- من جراء هذا الفراغ الروحي، وعدم الانتماء الديني، فيعيش الملل والقرف والضجر والشقاء، وأفضل من يختصر مأساة هؤلاء الملاحدة الفيلسوف اللاهوتي باسكال بقوله: “شقاء الإنسان بدون إله، وسعادة الإنسان مع الله”، فعلاج أمراض الوجوديين العدميين كائن في الدين الإسلامي، لأنه هو الدين الوحيد الذي يملك الأجوبة الصحيحة لأسئلة الوجوديين حسب ما خلص إليه المفكر الحكيم، والروائي الكبير الأستاذ مصطفى الجباري.

وبدل أن يبحث الإنسان الغربي عن طوق النجاة، بالعودة إلى الدين والأخلاق، وإعادة صياغة الأسئلة حول عالم الغيب والميتافيزيقا، والأجوبة عن الأسئلة المعلقة هرب إلى الأمام، في نفس اتجاه الملاحدة العدميين والوجوديين، لمحاربة الدين والأخلاق، وقتل رب المسيحية، ويتمترس في قلاع السوريالية التي تتبنى أفكار ومواقف وسلوك العدمية والوجودية بتطرف أكبر، وأسلوب أبشع، فالسوريالية اتجاه فني، ونسق فكري يمارسه العقل خارج سلطة الجمال والأخلاق، وهي ثورة نفسية متطرفة ضد العقل، وهي الفوضى المنظمة، التي تستهدف تقويض أسس الجمال والأخلاق والدين في فكر الإنسان وسلوكه، وهي تتبني كل منهج سلوكي شاذ تمردا على الأخلاق والدين.

ووسط هذا الواقع الحضاري الغربي المظلم، وبين ثنايا هذا المجتمع العابث الماجن، الجانح إلى إنكار مفاهيم الغيب، وتعاليم الدين، والغارق في أوحال الرذيلة، التائه بين المراقص والخمارات، المترنح من جراء أمراضه النفسية والاجتماعية، تلوح في أفقه الرمادي بعض ومضات الفكر المتنور بنور الدين والأخلاق، لتضيئ طريق الضالين، وتتعالى أصوات بعض المفكرين اللاهوتيين، تحذر المجتمعات الغربية من خطر الإلحاد، وخطر الوجودية العدمية، والسوريالية العبثية، وكشفوا لهم عن أمراضهم النفسية والاجتماعية، التي لا علاج لها إلا بالعودة إلى الدين، وطلب المعرفة الميتافيزيقية الغيبية، والمصالحة مع الله.. الأنطلوجية.

في الفصل الأخير من هذا الكتاب يتحدث الباحث في الأنطلوجية الأستاذ مصطفى الجباري عن زحف فلسفة العدمية خارج حدود أوربا، واكتساحها لروسيا، والتي وصل مستوى تأثير الفكر العدمي الغربي على مجتمعها المسيحي الأرتوذكسي حد التماهي والذوبان في قوالب الوجودية العدمية الغربية، واستطاعت فلسفة العدمية والإلحاد أن تنخر الإنسان الروسي، وتصيبه في معتقده الديني، ومذهبه الأرتوذكسي، وأفرغت وعاءه من الإيمان بالله، وقيم الخير والأخلاق،وشوهت سلوكه، فانتشرت الرذيلة والانحراف في المجتمع، وأصاب القلق النفس والروح، فلم تعد للإنسان معنى ولا أهداف محددة في الحياة، وأصبح يعيش الفراغ الرهيب، الذي أحاله إلى كائن بلا ماهية ولا معنى، يعيش الضجر والقلق والشقاء، ومن أجل تغيير هذا الواقع المتردي على مستوى المعتقد الديني والغيبي، والانحراف السلوكي، والشقاء النفسي حاول بعض المفكرين والفلاسفة والأدباء التصدي لهذا الاختراق العدمي للمجتمع الروسي، وفي طليعتهم الروائي دوستويفيسكي، ومقارعة الفلسفة الوجودية الغربية بدون جدوى، لأن تيار الوجودية كان قد جرف الإنسان الروسي إلى مستنقع العدمية، “وما يكفينا في هذا الفصل – حسب قول الكاتب مصطفى الجباري- أن نقرر حقيقة ذوبان أجيال هذا القرن 19 من حضارة روسيا في عدمية الفلسفة الغربية”، مع اعتقاده “أن لا أمل لعدمية مستنسخة من تلك التي قتلت رب دينها المسيحي، لا أمل أن تنقل عدوى تلك الجريمة إلى ضمير هذا الدين الخالد، (يعني الإسلام)، الذي كان حظك أن تنتسب إليه”، مع تقديمه نصيحة وتحذيرا لشباب الأمة الإسلامية: “إياك أن تدنس جوهر براءتك بالانتساب إلى هؤلاء الذين هم من بني جلدتنا، لكن قلوبهم وضمائرهم وعقولهم مسحورة بجنون تلك العدمية”، ورغم أن العقيدة الإسلامية أريد بها ما أريد بالعقيدة المسيحية من تشويه ومسخ، إلا أنها محصنة تحصينا إلهيا، فلا خوف عليها من قتلة رب المسيحية، والملاحدة وغلاة الوجودية العدمية والفكر الغربي.

في هذا الكتاب تعرفنا على مصطفى الجباري كمفكر وباحث في الميتافيزيقا وعلم اللاهوت، وهذا تميز ينضاف إلى تألقه الريادي في فن القصة والرواية، لكنه لم يستطع التخلي عن مهارته السردية وأسلوبه التصويري، وفي منظوري المتواضع كان بالأستاذ مصطفى أن يتوخى أسلوبا تقريريا، ولغة واضحة قريبة من اللغة العلمية، لأنه بصدد شرح وتحليل مواضيع وأفكار ومواقف فلسفية، موغلة في عالم الغيب والميتافيزيقا، والمتلقي قد يزيغ به التعبير التصويري عن إدراك الحقيقة، واستيعاب جوهر النظريات الفلسفية والفكرية، فاللغة الوظيفية تعتمد على اللفظ التقريري والتعبير الموضوعي، وتبتعد عن الخيال والأسلوب السردي.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع