أخر تحديث : الإثنين 27 يناير 2014 - 9:34 مساءً

قناديل السماء

ذ. محمد الموذن | بتاريخ 27 يناير, 2014 | قراءة

رواية قناديل السماء ـ السراج التاسع في مكتبة الروائي مصطفى الجباري قبل إصداره “الدين والفلسفة العدمية”، هي محطة متقدمة في مسيرة الأديب المبدع، والمفكر العربي العالم بأسرار النفس البشرية، والمريد المتبتل في محراب التصوف، الذي يتبوأ مقعدا متقدما ومتميزا في نادي الروائيين العرب، ولا أبالغ إذا قلت: يتصدر مجلسهم، ولاسيما إذا علمنا أن روايات الأديب مصطفى الجباري، هي سرد رفيع بأسلوب بليغ،وسرد آسر، ليس فقط للوقائع والأحداث الاجتماعية، وتجسيد لصراع الأهواء والنزعات والمصالح، ولكنه غور في أعماق النفس البشرية، وتصور لتقلباتها في حالات ومواقف متباينة ومتعارضة ومتقلبة، في رضاها وسخطها، في خوفها وأمنها، في فرحها وحزنها، في نزوعها إلى التسلط والسطو والسيطرة،أو إحجامها خلف أستار الخوف والتوجس، أو وراء أقنعة الكبت والتخفي، وفي تأثرها بطبيعتها الغريزية، أو في تحررها من عالم المادة ومظاهرها الزائفة، ونزوعها إلى عالم الحدوس والمثل، وتشبعها بقيم الدين والفضيلة.

قناديل السماء شدتني إلى مرفئها بحبال التشويق والتملك، وأسرتني في سراديبها بسلطة الاستقطاب والتأثير، وجاذبية الاستسلام، فلم أمانع في الانقياد إلى عوالم الأستاذ مصطفى الجباري، مستعينا في رحلتي ببوصلة الإبحار، التي منحني إياها “الشيخ والجبل”، بعد رحلتي في “طقوس المتاهة”، فضمنت لي النجاح في اكتشاف دروب ومنعرجات “الوجه الآخر لمدينة البحر”، والبعد الآخر لاتحاد كتاب المغرب في “رماد الخيمة العشائرية”، الذي خلفته نار الصراعات الفكرية من جراء طبخات مشبوهة، قدمت للاستهلاك على موائد القراء، تلك البوصلة يسرت لي الإبحار في محيط “التاريخ الذي يمزح”، والمنحاز إلى الفكر الغربي، والحضارة الغربية، على حساب الفكر العربي والحضارة الإسلامية، وهامة الشرق وفكره المتنور، هي البوصلة نفسها التي جعلتني أتجول في “مزرعة النفايات”، دون أن أتلوث أو أصاب بأذى، فقد اكتسبت مناعة ضد الأخلاق الفاسدة، والقيم المستوردة، وقد كانت خير زاد لي في رحلتي الممتعة عبر دخولي “أقواس حزينة”، لمعايشة منكوبي فيضانات القصر الكبير، الذين ضاعف من معاناتهم توالي انقطاع التيار الكهربائي، فاستعنت ب”قناديل السماء”، لمتابعة الإبحار في عوالم الروائي الكبير مصطفى الجباري، وهذه المرة إلى عالم الغيب والميتافيزيقا، فقد راقني التجديف بين أمواج “الدين والفلسفة العدمية” وتأملات الجباري في الفن والأخلاق والحضارة”. وقد خرجت من هذه الرحلة الاستكشافية بقناعة أن مصطفى الجباري روائي كبير، وأديب مبدع، وفيلسوف في جلباب متصوف، وطبيب نفسي في شخص مفكر حكيم.

قناديل السماء رواية تسحبك برفق من بساط عالم المادة، ومجتمع الصراعات والتنافس على متاع الحياة، وتسبح بك على سجاد الذكر والصلاة في ملكوت خالق الكون ورب العباد، تنقلك من دنيا الخصام والتآمر والأحقاد إلى فضاء الأوراد والدعاء والحب والتسامح، تنير طريقك نحو رابطات السالكين إلى الوجد الإيماني، والمعرفة الشعورية الذوقية، وإلى حلقات العلم، ومقامات الذكر مع أهل التصوف من الصديقين والربانيين، رواية تمتع القارئ بجمالية الحكي والسرد، وتشبع ذوقه الأدبي بحسن المتخيل، وروعة العبارة والتصوير والوصف، وبلمسة ناعمة يفضي الأستاذ الجباري بك إلى دائرة الأحداث، فتنخرط في الصراع المفتعل بين الإديلوجية والشريعة، ودون قسر أو إكراه تجد نفسك ضمن رجال انتصروا للحق والعدالة الإلهية، وانسلخوا عن كتيبة الإديولوجية النفعية البرجماتية، واستنكروا دسائس وصراعات التنافس السياسي، وأخلصوا النية والطوية للعباد ورب العباد، وتنافسوا في العبادة والذكر والصلاة، وتسابقوا لفعل الخيرات، وفي جلسات الذكر والأوراد تخلصوا من الأدران والأحقاد، وتزودوا في رحلتهم الحياتية بأحسن زاد، ألا هو زاد التقوى والإيمان.

رواية “قناديل السماء” فضلا عن كونها رواية جمعت كل مقومات الإبداع والجودة، فهي منهاج للعارفين، وسراج للسالكين والمريدين، الباحثين عن جوهر الإيمان، وسبل الهداية، والفوز برضا الحق سبحانه وتعالى، قبل رضا الذات والناس، المتذوقين لحلاوة الإيمان، المتشبعين بغذاء الروح، الذين يهيئون مأدوبات العرفان للباحثين عن حقيقة الوجود من أهل الإيمان والتوحيد.

في اعتقادي أن “قناديل السماء” ولدت من رحم رواية “رماد الخيمة العشائرية”، ونمت في إحدى زواياها، فكانت جوابا صريحا على أسئلة ملغومة لبعض الأديولوجيين البرجماتيين، الذين اندسوا في المجتمع السياسي فأفسدوا منهاجه، ولطخوا سمعته، واغتالوا مصداقيته، وحرفوا مبادئه، ولوثوا أخلاقه، وكأني بالأستاذ الجباري يهمس في مسامع المشككين في المنهاج الإسلامي الحياتي والسياسي والتشريعي والتعبدي تخلصوا من الأحكام الجاهزة المسبقة، وتدارسوا الشريعة الإسلامية، ومنهجها في الحكم والاقتصاد والسياسة وكل مناحي الحياة، وبعدها احكموا، أو صححوا مواقفكم المحنطة، وآرائكم المعادية لشرع الله وخلقه.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع