أخر تحديث : الأربعاء 29 يناير 2014 - 10:19 مساءً

الكتابة الشعرية *

ذ. محمد بنقدور الوهراني | بتاريخ 29 يناير, 2014 | قراءة

إن المتغيرات العميقة التي طرأت على الحياة، وعلى المشهد الثقافي العام، جعلت ضرورة تغيير المفاهيم والنظر إليها، أمرا حتميا.
صحيح أن كل ما يكتب في الشبكة العنكبوتية ليس كله شعرا، بالمفهوم الصحيح للشعر، ولو أن الأمر مرتبط هنا بالموقف الملتبس من قصيدة النثر، وما خلفه التسامح النقدي الكبير في التعامل مع الشعر سواء على مستوى الكتابة الإبداعية أو على مستوى النقد.
وصحيح أن كم الأخطاء اللغوية والنحوية والتركيبية، شيء يثير الشفقة على المستوى المعرفي لكثير من الشعراء المفترضين.
وصحيح كذلك أن الكثير من المواقع الالكترونية ليس لها معيار أو مواصفات أدبية محددة للنشر الشعري، وبالتالي تفتح صفحاتها لكل من يعتقد في نفسه أنه يكتب شعرا.

ولكن، ألا يمكن اعتبار هذه الظاهرة شيئا صحيا، لأنه أسقط الكثير من الوثوقيات الأدبية والشعرية التي كانت تحد من إمكانيات الكتابة والتألق فيها؟ ألا يمكننا اعتبار هذه الطفرة الشعرية الكبيرة، على الآقل من ناحية الكم، جعلتنا ننتبه إلى أنه من الممكن أن يبرز بين هذا الزبد الشعري، أصوات يمكن أن تكون مختلفة أو متميزة أو ناضجة، قابضة على زمام أصول الكتابة الشعرية، إما موهبة أو تعلّما؟ ألم تفتح هذه الشبكة العنكبوتية الباب واسعا أمام العديد من المبدعين الذين عانوا من الإقصاء العمْدي من طرف المشرفين على منابر النشر الورقية؟ هل كان المشرفون على المجلات الأدبية المتخصصة والملاحق الثقافية نزيهين في انتقائهم للمواد الإبداعية التي تستحق النشر، أم كانت تحركهم خلفيات أخرى اتخدت أوجها متعددة لا تخرج عن الحزبي والإيديلوجي وحتى الشخصي ؟ ألم يكن الإقصاء العشوائي للكثير من الأقلام الإبداعية الواعدة، الذي مارسته لوبيات النشر الورقي، سببا في انحسار الشعر وتراجعه، كما وكيفا، بشكل ملفت للنظر؟ ألم يخرج من رحم هذه الشبكة العنكبوتية أعمالا شعرية عديدة تتوفر على كل شروط الكتابة الشعرية أصالة وحداثة؟
إن الكثير من المتتبعين لتطور الشعر في المغرب، يعرفون أن جيلا كاملا أو أكثر تعرض لقصف إقصائي مقصود، وأن المسؤولين على المجلات والملاحق الأدبية و حتى صفحات الجرائد، لم تكن النزاهة الأدبية ديدنهم، ولا معايير موضوعية للنشر توجههم، لذلك تم قبر الكثير من الأصوات الشعرية الواعدة، وفي نفس الوقت تم تلميع أصوات أخرى تفتقد للحد الأدنى من الموهبة الشعرية.

إن هذا التراكم الكبير من النتاج الشعري المنشور إلكترونيا، ينسجم مع خصوصيات المرحلة الزمنية التي يوجد فيها، أما التمييز بين الغث والسمين والجيد والرديئ فيها، فهذا التصنيف يحتاج إلى الصرامة النقدية التي للأسف لم تعد بدورها مؤصلة علميا ومنهجيا، ولا نزيهة في انتقائها للأعمال الشعرية التي تستحق المتابعة.

تعلمنا في المدخل لدراسة الأدب العربي، أن العرب في شبه الجزيرة العربية كانوا جلهم يقولون شعرا، و أن المنطقة كانت تعج بشعراء متعددين ، ولكن عند الحكم والتمييز والتصنيف لم تخلّد سوى المعلقات وبعض الشعراء المتميزين. اعتمادا على هذا، ألا يمكن أن يبرز بين هذا الكم الهائل من الكتابات الالكترونية، بعض الأصوات التي يمكن أن تلامس الكتابة الشعرية بجدارة واستحقاق؟ هل هذا التدفق الشعري المتعدد والمتنوع، يمكنه أن يفرز شعراء يستطيعون فرض ذواتهم الشعرية في واقع شعري يعرف تغيرات عميقة، سواء من ناحية الكتابة أو من ناحية القراءة؟
مع الاعتراف بوجود فوارق شكلية وموضوعية في هذا القياس.

*على هامش السؤال: هل كل ما يكتب في الشبكة العنكبوتية هو شعر؟

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع