أخر تحديث : الثلاثاء 26 مايو 2015 - 9:30 مساءً

البلاغة والعقيدة

الدكتور مصطفى الغرافي | بتاريخ 25 مايو, 2015 | قراءة

GHARRAFI

يكشف تدقيق النظر في مصنفات ابن قتيبة عن ممارسة تأليفية متميزة يصدر فيها صاحبها عن تصور خاص لوظيفة التأليف ومقاصده. وهو تصور يحكمه النسق الفكري والعقدي الذي ارتهن إليه المؤلف؛ فلم يكن ابن قتيبة، فيما يبدو، يفصل بين شخصية الأديب وشخصية الفقيه. لقد أراد إقامة بلاغة متوافقة مع منهج أهل السنة في فهم أصول العقيدة. وقد كان إنتاج هذه البلاغة يتعارض مع بلاغة أخرى نقيضة هي بلاغة الاعتزال، التي كانت تستند إلى أصول فكرية ومذهبية مخالفة. فكيف وظفت البلاغة لحل مشكلات العقيدة؟ وما هي مظاهر هذا التوظيف؟

1-البلاغة والغرض العقدي:

لقد سخر ابن قتيبة كتبه ومؤلفاته لخدمة أغراض دينية وعقدية. ولذلك مثل التأليف بالنسبة إليه “زكاة” يتقرب بها إلى الله راجيا نفعها يوم القيامة. يقول: “زكاة العلم نشره، وخير العلوم أنفعها، وأنفعها أحمدها مغبة، وأحمدها مغبة ما تعلم وعلم لله، وأريد به وجه الله تعالى”[1]. ويظهر ذلك بشكل واضح من الربط الذي أقامه بين العلم والنية الخالصة دينيا والمنفعة المباشرة عمليا. وما دام العلم زكاة فعلى العالم أن يختار أنفعه. وليس أنفع من علم يراد به وجه الله. ذلك هو الغرض الأعلى الذي تطلع إليه ابن قتيبة وسخر من أجل بلوغه كل مؤلفاته. وقد عرف القدماء هذه الحقيقة في مؤلفاته؛ حيث نبه ابن السيد البطليوسي إلى أن الأدب، عند ابن قتيبة، له غرضان؛ “أحدهما يقال له الغرض الأدنى، والثاني الأعلى. فالغرض الأدنى: أن يحصل للمتأدب بالنظر في الأدب والتمهر فيه قوة يقتدر بها على النظم والنثر. والغرض الأعلى: أن يحصل للمتأدب قوة فهم كتاب الله تعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعلم كيف تبنى الألفاظ الواردة في القرآن والحديث بعضها على بعض، حتى تستنبط الأحكام وتفرع الفروع وتنتج النتائج، وتقرن القرائن على ما تقتضيه مباني كلام العرب ومجازاتها كما يفعل أصحاب الأصول. وفي الأدب لمن حصل هذه المرتبة منه أعظم معونة على فهم علم الكلام وكثير من العلوم النظرية”[2].

لا ينصرف الأدب عند ابن قتيبة إلى معناه الضيق؛ إجادة المنظوم والمنثور، ولكنه أداة لإعداد الفرد المسلم وصياغة الهوية العربية الإسلامية، فهو المدخل إلى فهم كتاب الله وكلام رسوله (ص)، كما أنه وسيلة تساعد الأديب على تمثل علم الكلام وتحصيل كثير من فروع العلوم النظرية. وهو ما يجعل فن البلاغة وغيرها من العلوم والفنون تتحول إلى أدوات تسخر لخدمة غاية عليا هي المساعدة على فهم كتاب الله وسنة نبيه (ص)؛ فقد جمع ابن قتيبة في “أدب الكاتب” مادة لغوية وفيرة لكونها أداة ضرورية في فهم الكتاب والسنة واستنباط الأحكام الشرعية منهما؛ إذ “مأخذ الأحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة وهي بلغة العرب، ونقلتها من الصحابة والتابعين عرب، وشرح مشكلاتها من لغاتهم، فلا بد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة”[3].

على هذا الأساس تكون العناية بعلوم العربية عند ابن قتيبة صادرة عن خلفية دينية إيمانية واعتقادية تسخر علوم العربية وآدابها لخدمة الدين وبيان مقاصد الشريعة؛ إنها علوم مساعدة لمن أراد أن “ينظر في علم الكتاب وفي أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته”[4]. ولعل هذا أن يفسر المكانة الرفيعة التي حازها “أدب الكاتب” في الثقافة العربية التي بلغت مداها في الشهادة المأثورة عن شيوخ ابن خلدون الذين اعتبروا هذا الكتاب واحدا من أصول الأدب العربي الأربعة[5].

لقد ارتبطت مباحث البلاغة عند ابن قتيبة بالخلفية الفكرية والعقدية التي صدر عنها في صوغ الرأي وبناء التصور. وقد نجم عن ذلك انصياع البلاغة لمقتضيات الفكر السني الذي شكل مضمرا حجاجيا وموجها إيديولوجيا ارتهن إليه المؤلف في تدبير مؤلفاته العديدة والمتنوعة. ذلك أن فحص المشكلات البلاغية التي شغلت ابن قتيبة يظهر أن السؤال البلاغي عنده انبثق عن هموم غير بلاغية. يتعلق الأمر بالمشكلات العقدية والمذهبية التي قادته بسبب طبيعة الموضوع إلى الخوض في القضايا البلاغية من أجل دفع اعتراضات الطاعنين على “مشكل القرآن” و”مختلف الحديث”؛ ففي “تأويل مشكل القرآن” مثلا يحدد المؤلف غايته من تأليف الكتاب بالقول: “وقد اعترض على كتاب الله بالطعن ملحدون، ولغوا فيه وهجروا، واتبعوا “ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله” بأفهام كليلة وأبصار عليلة ونظر مدخول، فحرفوا الكلام عن مواضعه وعدلوه عن سبله، قد قضوا عليه بالتناقض والاستحالة واللّحن وفساد النّظم والاختلاف، وأدلوا في ذلك بعلل ربما أمالت الضعيف الغمر والحدث الغر، واعترضت بالشبهة في القلوب، وقدحت بالشكوك في الصدور، فأحببت أن أنضح عن كتاب الله”[6].

إن اعتراضات الطاعنين على القرآن في مجملها من طبيعة بلاغية؛ فمنها ما اتصل باللحن والتناقض، ومنها ما تعلق بالمجاز والحذف المشكلين إلى جانب المعضلات التي يثيرها “المتشابه”. وقد أحصى ابن قتيبة هذه الطعون، ورد عليها؛ مما يظهر أن مباحث البلاغة مسخرة عنده لحل المشكلات الاعتقادية والمذهبية؛ فقد بين الحكمة من إيراد “المشكل” في القرآن بأن جعله حافزا للإنسان على التأمل والعمل، ومجالا لتفاضل المجتهدين[7]. أما المعضلات الكلامية الناجمة عن المشكلات اللغوية في القرآن، فقد اعتمد ابن قتيبة في حلها على تخريجات بلاغية مستندا إلى “المجاز”؛ حيث نص على أن المجازات هي “من طرق القول ومآخذه”[8]، وذكر جملة من أوجه المجاز وصنفها ضمن مفاهيم ومقولات عامة (الاستعارة والتمثيل والقلب والتقديم والتأخير والحذف). وهو إجراء أراد من خلاله ابن قتيبة تحديد آليات التراكيب المشكلة استجابة لمطالب التنزيه التي تفرعت عن مشكلات عقدية وكلامية تتصل بذات الله وصفاته. ولذلك يمكن القول إن “البعد الكلامي في كتاب ابن قتيبة يتجلى في الغرض الذي وظفت له القضايا النظمية في القرآن؛ قضايا اختلاف الإعراب والدلالات المرجعية للصور المختلفة، بالإضافة إلى الحكمة من هذا النظم”[9].

لعل أهم سمة ميزت بلاغة ابن قتيبة أنها بلاغة عملية والتزامية؛ حيث البلاغة أداة ناجعة في الدفاع عن الرأي ونصرة المذهب. ومن أجل ذلك ارتبطت البلاغة عند ابن قتيبة بالبيان الذي يقود إلى الإقناع. وهو ما يمكن استخلاصه من هذه العبارة التي وردت فيها كلمة “العلم” مرادفة لـ “البيان”. يقول: “وكان يقال: أول العلم الصمت، والثاني الاستماع، والثالث الحفظ، والرابع العمل به، والخامس نشره”[10].

لقد تضمن هذا النص تفصيلا لمراحل العملية العلمية. وهي نفسها مكونات العملية البيانية؛ حيث الصمت والاستماع والحفظ تجسد مراحل الفهم وتخزين المعارف، وبعد الفهم يأتي العمل بالعلم، وفي المرحلة الأخيرة يكون “النشر”؛ أي إذاعة العلم (البيان) بالمحاضرة أو التأليف. وتقتضي عملية البيان القدرة على إفهام المخاطبين لحملهم على الاقتناع بما يبين لهم، فالبيان فيما ينقل ابن قتيبة “أن يكون الاسم يحيط بمعناك ويحكي عن مغزاك”[11]. “والبليغ من طبق المفصل وأغناك عن المفسر”[12].

من الواضح أن موضوع البلاغة هو البيان المفضي إلى الإقناع . يؤكد هذا الرأي أن ابن قتيبة يربط بين البلاغة والوظيفة الإقناعية. إذ البلاغة فيما ينقل عن عمرو بن عبيد “تقرير حجة الله في عقول المكلفين، وتخفيف المؤونة على المستمعين، وتزيين تلك المعاني في قلوب المريدين بالألفاظ المستحسنة في الآذان، المقبولة عند الأذهان؛ رغبة في سرعة استجابتهم، ونفي الشواغل عن قلوبهم بالموعظة الحسنة من الكتاب والسنة”[13].

لعل أول ما يلفت الناظر في هذا التحديد للبلاغة تركيزه على المقصدية الإقناعية بوساطة “الإفهام” و”تقرير الحجة” و”تزيين المعاني” و”نفي الشواغل” عن القلوب بما يقود إلى استمالة السامع للمضمون المعرفي والاعتقادي الذي يحمله الخطاب. ومن هنا تحددت البلاغة عند ابن قتيبة، فيما ينقل عن عمرو بن عبيد، بأنها “ما بلغك الجنة وعدل بك عن النار”[14].

ترتبط البلاغة حسب هذا التصور بالمجال الديني، حيث تغدو المعرفة البلاغية طريقا للنجاة وسبيلا من سبلها؛ فبها يتحقق الإيمان، وعن طريقها تتوضح مقاصد الخالق. ذلك أن التعامل مع النصوص الدينية يحتاج إلى وسائل وآلات لاستخلاص الأحكام الشرعية منها. ولما كان النص الحامل للوحي الإلهي نصا لغويا، فإن علم البلاغة يصبح البوابة الرئيسة للولوج إلى عالم النص ومعانيه وأحكامه. وإذا عدم الناظر في القرآن آلة البلاغة، فإن نظره يعد قاصرا عن الفهم، وعاجزا عن النفاذ إلى معاني النصوص القرآنية وأحكامها. وهي حال وصفها ابن قتيبة في معرض الرد على صنف من متلقي القرآن طعنوا فيه؛ لأنهم لم يؤتوا حظا من البلاغة: “وقد اعترض على كتاب الله بالطعن ملحدون ولغوا فيه وهجروا (…) بأفهام كليلة وأبصار عليلة ونظر مدخول، فحرفوا الكلام عن مواضعه وعدلوه عن سبله، ثم قضوا عليه بالتناقض والاستحالة واللحن وفساد النظم والاختلاف”[15].

يبدو من خلال هذا النص أن قيمة البلاغة عند ابن قتيبة متفرعة عن وظيفتها؛ حيث الاحتفاء بالبلاغة احتفاء بمهارة بيانية وإقناعية تساعد على تحقيق مسؤولية دينية وخلقية هي نصرة الحق. ذلك أن البليغ إذا نجح في تحقيق الإقناع وتقرير الحجة في أذهان المخاطبين يكون قد أوتي فصل الخطاب واستوجب على الله جزيل الثواب[16].

وقد استدعى ارتباط البلاغة عند ابن قتيبة بقضايا فكرية وعقدية مراعاة الحقيقة خدمة للغايات الحجاجية والإقناعية كما يكشف عن ذلك تعليقه على الحديث المأثور عن الرسول (ص): “إن من البيان لسحرا “؛حيث فسره ابن قتيبة بالقول: “يريد أن منه ما يقرب البعيد ويباعد القريب، ويزين القبيح ويعظم الصغير، فكأنه سحر”[17]. يُقصد بسحر البيان في هذا الحديث أن المرء قد يسحر القوم ببيانه فيحكمون له. وبذلك يكون الحديث النبوي يتصدى نظريا لاستخدام القدرة البلاغية في أمور مخالفة للحقيقة.

إن فهم ابن قتيبة لهذا الحديث الذي يناهض استخدام البلاغة لغايات غير أخلاقية يظهر تصوره للبلاغة بوصفها منهجا لتقرير الحقائق في أذهان المخاطبين، والتمكين لها في نفوسهم. ولذلك غلب على بلاغة ابن قتيبة المنحى الوظيفي العملي الذي يتغيا تحقيق مطالب تعليمية وسلوكية. يقول في مقدمة كتابه “عيون الأخبار” مبينا غرضه من تأليف الكتاب: “جمعت لك ما جمعت في هذا الكتاب لتأخذ نفسك بأحسنها وتقومها بثقافها […] وتصل بها كلامك إذا حاورت، وبلاغتك إذا كتبت وتستنجح بها حاجتك إذا سألت، فإن الكلام مصائد القلوب والسحر الحلال […] وتوضح بأمثالها حججك وتبذ باعتبارها خصمك حتى يظهر الحق في أحسن صورة، وتبلغ الإرادة بأخف مؤونة، وتستولي على الأمد وأنت وادع، وتلحق الطريدة ثانيا من عنانك، وتمشي رويدا وتكون أولا”[18].

يكشف الشاهد أن الغرض الأساس الذي ينيطه ابن قتيبة بالبلاغة هو إقدار المتكلم على الاحتجاج للرأي من أجل إثباته والإقناع به؛ فالكلام البليغ له فعل السحر في متلقيه. إنه “مصائد القلوب” التي يستدرج من خلالها المتكلم مخاطبيه إلى الرأي الذي تظهره البلاغة في أحسن صورة. وبذلك تكون البلاغة أداة تكفل لمن يمتلكها القدرة على تحقيق الإقناع استمالة أو اضطرارا، فهي تمكنه من الانتصار على خصومه بأيسر جهد كما يظهر من عبارة ابن قتيبة المجازية “وتلحق بالطريدة ثانيا من عنانك، وتمشي رويدا وتكون أولا”.

تتميز البلاغة، في توظيف ابن قتيبة، بأنها بلاغة عملية والتزامية غرضها الأساس تحقيق المقاصد الإقناعية. وهو ما استدعى ضرورة التوافق مع معطيات المقام الخارجي[19]. فقد دعا ابن قتيبة الكتّاب والخطباء إلى ضرورة مراعاة مطالب المقام؛ أي مقتضيات الحال الخارجي، أو ما يمكن أن نصطلح عليه بـ”بلاغة السياق التواصلي”. وقد اختار المؤلف مقامين فرعيين هما: “مقام الإيجاز” و”مقام الإطناب” لتفسير هذا المفهوم. يقول: “لكل مقام مقال […] وليس يجوز لمن قام مقاما في تحضيض على حرب، أو حمالة بدم، أو صلح بين عشائر، أن يقلل الكلام ويختصره. ولا لمن كتب إلى عامة كتابا في فتح أو استصلاح أن يوجز. ولو كتب إلى أهل بلد في الدعاء إلى الطاعة والتحذير من المعصية كتاب يزيد بن الوليد إلى مروان، حين بلغه عنه تلكؤه في بيعته: “أما بعد، فإني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى، فاعتمد على أيهما شئت، والسلام”. لم يعمل هذا الكلام في أنفسها عمله في نفس مروان، ولكن الصواب أن يطيل ويكرر، ويعيد ويبدئ، ويحذر وينذر”[20].

إن تنظير ابن قتيبة لمقام الإيجاز ومقام الإطناب يقع في صميم بلاغة الإقناع؛ فعندما يقرر أنه لـ”كل مقام مقال” فإن ذلك يستتبع أن لكل “مقال”، بما هو ملفوظ، أوصافا معينة وأحوالا محددة تلازمه إذ يتنزل في “مقام” تواصلي بعينه؛ فالإيجاز مثلا مقتضى بلاغي عام يصلح لجميع أوضاع التخاطب التي يرمي فيها المتكلم إلى “التهديد” على غرار رسالة يزيد التي استشهد بها ابن قتيبة. وهو وضع تخاطبي عام ومجرد يرتبط في أذهان المخاطبين بشكل مخصوص من أشكال الكلام. ولذلك أوجب ابن قتيبة على الكتاب والخطباء تنزيل كلامهم في مقامات تراعي سياق التواصل وأوضاع التخاطب إن أرادوا لها تحقيق النجاعة المطلوبة؛ لأن البلاغة من منظور هذا التصور ليست مطلقة، ولكنها مرتهنة إلى العلاقات التخاطبية التي يقتضيها المقام كما يظهر من اشتراط ابن قتيبة في المتكلم معرفة وجوه اختصار الكلام، والقدرة على المواءمة بين دلالات التضمن والاقتضاءات التي تستدعيها الأزضاع التواصلية. إن الإيجاز أو الإطناب ليسا حليتين بلاغيتين يوظفهما الكتاب مختارين، ولكنهما، عند ابن قتيبة، صفة مخصوصة في الكلام وضرورة نوعية مستلزمة.

بناء على ما تقدم يمكن حصر وظائف البلاغة عند ابن قتيبة في وظيفتين رئيستين:

1/ الوظيفة الحجاجية التي تتقصد الإقناع بالمقاصد، وترتبط بمقامات الخصومة كما يجسدها كتاباه “تأويل مشكل القرآن” و”تأويل مختلف الحديث”.

2/ الوظيفة التعليمية التي تتغيا الإخبار في مقامات التعليم، ويمكن التمثيل لها بكتابيه “أدب الكاتب” “وعيون الأخبار”.

لقد استحضر ابن قتيبة هاتين الوظيفتين في مصنفاته، غير أن اهتمامه تركز، بشكل أساس، على الوظيفة الحجاجية الإقناعية لتضمنها الوظيفة الإخبارية التعليمية. ولذلك توزع مؤلفات ابن قتيبة مقامان خطابيان؛ إنتاج المعارف وتصنيفها وبيان طرق تداولها ومستويات تقنينها، وفي هذه الحال يتوجه إلى مخاطب مصدق فيكون المقام مقام إخبار وتعليم. أما إذا كان مخاطبه خصما مذهبيا غير مسلم بما يلقى إليه، فإن ابن قتيبة يوظف مختلف آليات الحجاج والإقناع. وفي المقامين معا يكون التأثير هو المقصود إما بغرض الإخبار والتعليم، أو بقصد الإقناع والإفحام؛ إذ لما كان “الإقناع هو الغاية من إبلاغ المضمون الاعتقادي إلى السامعين، فإن هذه الغاية فرضت على البلاغة طابعها العملي الوظيفي”[21].

2- البلاغة بين أفقين:

لقد توزع التراث البلاغي العربي فرقتان كلاميتان كبيرتان هما السنة والمعتزلة[22]، شكلتا نموذجين ثقافيين متعارضين، تباينت تصوراتهما في العقيدة والسياسة والاجتماع؛ فأنتج كل نموذج بلاغته التي وجهها لخدمة أهدافه الفكرية والعقدية، وهو ما جعل التفكير البلاغي مرتهنا، في المحصّلة، إلى المصالح المذهبية والمقاصد الإيديولوجية.

تميز المعتزلة ببحثهم قضايا دينية وكلامية تستغلق على أفهام كثير من الخاصة لتعلقها بجليل الكلام ودقيقه؛ فكانت بلاغتهم، من هذه الناحية، بلاغة الصفوة لا يرتقي إليها سوى خاصة الخاصة ممن توافرت لهم كفايات ذهنية ومعرفية متطورة. يقول الجاحظ معددا مواصفات المتكلم:”وليس يكون المتكلم جامعا لأقطار الكلام، متمكنا في الصناعة، يصلح للرئاسة حتى يكون الذي يحسن من كلام الدين في وزن الذي يحسن من كلام الفلسفة. والعالم عندنا [المعتزلة] هو الذي يجمعهما”[23]. وما من شك أن هذا النوع من الدرس محوج إلى جهد كبير؛ فالتفقه في علوم الدين والتعمق في مباحث الفلسفة أمر غير متاح للجميع، وإنما تنفرد به قلة قليلة من المحظوظين إذ “لم يخلق الله أمة كلها فلاسفة”[24].

تستند البلاغة التي أنتجها المعتزلة إلى رؤية عقلانية في فهم العقيدة وتفسير الكون. إنها بلاغة الشك التي لا مكان فيها لليقينيات والمسلّمات؛ حيث مثل الشك عند أعيان المعتزلة منهجا في البحث، ووسيلة لتدقيق المعارف وتمحيصها؛ فالنظّام كان يعتقد أن الشك وسيلة تباعد بين الخصم والجحود، لأنه إذا شك اقترب من الحق[25]. وقد أكد الجاحظ مذهب أستاذه النظام؛ فبين فضيلة الشك، وكشف عن مواطن المزية فيه، وحث على تعلمه. يقول: “تعلم الشك في المشكوك فيه تعلما، فلو لم يكن ذلك إلا تعرف التوقف ثم التثبت لقد كان ذلك مما يحتاج إليه”[26]. وفي كتب الجاحظ تجلية لهذا الملمح من بلاغة السؤال والقلق، التي بلورها الفكر الاعتزالي، وجسدتها عقليات اعتزالية جبارة لم تكن تركن إلى رأي من دون إخضاعه لمساءلة علمية دقيقة؛ فطريقة الجاحظ في التأليف تتخذ صورة “المحاسن والأضداد”، حيث عقد مناظرات عديدة تقصى خلالها الأوصاف المتقابلة التي تحسن الشيء وتقبحه في الآن نفسه. ولذلك اعتبر التفكير بوساطة الشبيه والنظير ملمحا رئيسا في تفكير الجاحظ. يقول مصطفى ناصف: “عمدة تفكير الجاحظ هو التسليم بما يوجب الاعتقاد في أمر ثم التسليم بما يوجب عدم الاعتقاد، وهذه مرانة ذهنية لا يقوى عليها معظم الناس”[27]. وقد تجلت هذه المرانة الذهنية، التي لا تنفصل عند الجاحظ عن “المنزلة بين المنزلتين”، في جمعه الأشباه إلى النظائر والمحاسن إلى الأضداد؛ فاحتجاجاته للبخل وضده، في كتاب “البخلاء” تؤول بقارئها إلى تكافؤ الأدلة؛ مما يدفعه إلى التسليم والتسليم المضاد. وكذلك رسالته “التربيع والتدوير” توحي بالهجاء ونقيضه. أما كتابه “المحاسن والأضداد” فاستعراض الأدلة المتعارضة فيه واضح وجليّ.

إن التوسل بسحر البلاغة، لمدح الشيء وذمّه في الآن نفسِه، شكل من أشكال التوظيف الإيديولوجي الذي خضعت له البلاغة؛ حيث عدّ هذا النهج، في سياسة القول، “أعلى رتب البلاغة”[28]. وقد كانت نتيجة ذلك بلاغة موجهة لخدمة أغراض كلامية ومذهبية؛ فتقبيح الشيء وتحسينه في بلاغة الجاحظ تأكيد لنسبية الحقائق، ونفي لليقين المطلق الذي تستند إليه سلطة المحافظين من أصحاب النقل، الذين يدافعون عن التقليد، ويكرسون الوضع القائم؛ حيث الغرض من تحسين الشيء وتقبيحه في الوقت نفسه زعزعة يقين المتلقي؛ مما يقوده إلى استبانة نسبية الأحكام وقابليتها للتعديل والتغيير حين يدرك أنه ليس ثمة من حقيقة مطلقة في هذا الوجود. وإذا كانت هناك حقيقة مطلقة فهي نسبية الحقيقة. وهو ما ينتقل به من وهم اليقين والتصديق إلى حيرة الشك والسؤال التي تمثل بداية الطريق لإعادة النظر في جملة من القضايا الفكرية والعقدية؛ مما يقود المتلقي إلى رفض المسلمات التي شكلت وعيه، وصاغت ذهنيته، وفي مقدمتها الجبر المستند إلى يقين النقل وسلطة التقليد.

انطلاقا من هذا التصور البلاغي، تميزت طريقة الجاحظ في التأليف بأنها لا تفتأ تراوح بين النقيضين؛ فهو لا يعرض رأيا إلا جمله وأخرجه في أحسن صورة. وقد كان ذلك سببا في تحامل ابن قتيبة، الذي يرفع شعار “التقليد أربح لك”[29]، على البلاغة الجاحظية؛ حيث رأى في الاحتجاج للشيء ونقيضه تشكيكا يفسد على الناس عقيدتهم. يقول: “ثم نصير إلى الجاحظ وهو آخر المتكلمين والمعاير على المتقدمين، وأحسنهم استثارة للحجة، وأشدهم تلطفا لتعظيم الصغير حتى يعظم، وتصغير العظيم حتى يصغر، ويبلغ به الاقتدار إلى أن يعمل الشيء ونقيضه، ويحتج لفضل السودان على البيضان، وتجده يحتج مرة للعثمانية على الرافضة، ومرة للزيدية على العثمانية وأهل السنة، ومرة يفضل عليا رضي الله عنه ومرة يؤخره، […] ويعمل كتابا يذكر فيه حجج النصارى على المسلمين، فإذا صار إلى الرد عليهم تجوز في الحجة، كأنه إنما أراد تنبيههم على ما لا يعرفون، وتشكيك الضعفة من المسلمين”[30].

لقد مثل عمل “الشيء ونقيضه”، بتعبير ابن قتيبة، سمة بلاغية تكوينية في نثر الجاحظ؛ فهو “أوثق وسيلة لإخفاء الموقف الشخصي (إن كان موجودا)، والتشكيك في شرعية كل موقف يريد أن يكون مطلقا أو متفوقا. بهذه الطريقة في العرض كل المعتقدات تكتسب نفس الحقوق، كل شيء يصير قضية استدلال وإقناع خطابي. وأشد الأقكار عبثية وأقلها قبولا يمكن إذا كان الدفاع عنها جيدا أن ينظر إليها بجدية، ولا تبدو منفرة إلا بسبب “العادة”، ولأن المدافعين عنها لم يكونوا بالمهارة الكافية لدعمها بحجج متينة”[31].

ولم يكن هذا الاقتدار البلاغي، الذي تجسد عند الجاحظ في قدرته على التكيف مع مختلف المقامات الخطابية، بقطع النظر عن الرأي الشخصي، ليروق ابن قتيبة الذي رأى فيه ترسيخا لازدواجية في الخطاب والموقف تخالف الأسس الفكرية والعقدية التي يحتكم إليها؛ فـ “ابن قتيبة في حاجة إلى يقينيات وقيم راسخة، والحال أن الجاحظ يفضي إلى عدم اليقين ونسبية القيم”[32].

لقد تميز الأفق البلاغي الذي شكله نثر ابن قتيبة بهيمنة الوظيفة التداولية العملية على الوظيفة الأدبية الجمالية؛ حيث كان يؤمن بأن المؤلف مسؤول عما ألف. “ومن أيقن أنه مسؤول عما ألف وعما كتب لم يعمل الشيء وضده، ولم يستفرغ مجهوده في تثبيت الباطل”[33]. ولذلك رفض ابن قتيبة البلاغة التي استحدثها الجاحظ في النثر العربي. لقد نظر إلى الموضوعات التي خاض فيها الجاحظ (السرقة والكدية والدعارة واللواط)، بوصفها ظواهر مفسدة للأخلاق، ومنافية للمروءة، وصاحبها مذموم في الشريعة؛ إذ كان الجاحظ لا يتورع عن القول فيما يذكر ابن قتيبة: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتبعه قال الجماز، وقال إسماعيل بن غزوان: كذا وكذا من الفواحش، ويجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يذكر[ا] في كتاب فيه، فكيف في ورقة أو بعد سطر أو سطرين؟”[34]. و”تجده يقصد للمضاحيك [و] العبث يريد بذلك استمالة الأحداث وشراب النبيذ”[35].

ما من شك أن ابن قتيبة يحاكم البلاغة التي تفرزها نصوص الجاحظ النثرية استنادا إلى معيار ديني وشرعي لا يفصل بين التخييل والواقع. يشهد لذلك البيت الشعري الذي احتج به ابن قتيبة في سياق اعتراضه على بلاغة الجاحظ:

فَلا تَكْتبْ بِخَطكَ غيْر شيءٍ يَسُرّك في القِيامَةِ أنْ تَراهُ[36]

فهذا البيت صريح في الدعوة إلى ضرورة النظر إلى الأدب وتقويمه من منظور ديني وشرعي؛ حيث التأليف واقع في دائرة المسؤولية الدينية. ومن هنا لم ينظر ابن قتيبة إلى نصوص الجاحظ بوصفها أوضاعا تخييلية ينبغي تقويمها استنادا إلى معايير الأدب، وإنما رأى فيها أعمالا تقع في دائرة المسؤولية الدينية والخلقية. يقول: “ولا ينكر، مع هذا، أن يكون الجمال في البيان، ولا أنه زينة من زين الدنيا وبهاء من بهائها ما صحبه الاقتصاد، وساسه العقل، ولم يمل به الاقتدار على القول إلى أن يصغر عظيما عند الله تعالى، أو يعظم صغيرا، أو أن ينصر الشيء وضده كما يفعل من لا دين له”[37]. فمن المؤكد أن قارئ هذا النص لا يحتاج إلى كبير عناء حتى يحدد المقصود بهذا الاتهام الذي “لا دين له”، وإن لم يعينه ابن قتيبة بالاسم .. إنه الجاحظ المعتزلي الذي سبق أن وجه له ابن قتيبة صكا بنفس التهم التي يعددها هنا، وبنفس اللفظ تقريبا. فقد وصف ابن قتيبة الجاحظ، في موضع سابق من الكتاب نفسه، بالقول: “ثم نصير إلى الجاحظ وهو آخر المتكلمين والمعاير على المتقدمين، وأحسنهم استثارة للحجة، وأشدهم تلطفا لتعظيم الصغير حتى يعظم، وتصغير العظيم حتى يصغر، ويبلغ به الاقتدار إلى أن يعمل الشيء ونقيضه، ويحتج لفضل السودان على البيضان، وتجده يحتج مرة للعثمانية على الرافضة، ومرة للزيدية على العثمانية وأهل السنة، ومرة يفضل عليا رضي الله عنه ومرة يؤخره، […] ويعمل كتابا يذكر فيه حجج النصارى على المسلمين، فإذا صار إلى الرد عليهم تجوز في الحجة، كأنه إنما أراد تنبيههم على ما لا يعرفون، وتشكيك الضعفة من المسلمين”[38].

من الواضح أن ابن قتيبة المرتهن إلى بلاغة السنة لم يستطع النظر إلى أسلوب الخطاب وآلياته الحجاجية عند الجاحظ بعيدا عن دلالته ومحتواه؛ فالجاحظ ينشئ في نثره أوضاعا تخييلية استنادا إلى رؤية بيانية ترى أن البلاغة قدرة على امتلاك الخطاب والتحكم في آلياته، ويترتب عن هذه النظرة أن جميع الأفكار والقضايا والمواقف تجد مكانا لها في خطاب الجاحظ. ولذلك أصبح التناقض سمة بلاغية في نثره، اقترنت عنده بالمقدرة البيانية والقوة على الإقناع، بصرف النظر عن موقف المتكلم. ولم يكن ابن قتيبة يستسيغ هذا التصور للبلاغة؛ لأنه “يقرب البعيد ويباعد القريب، ويزين القبيح ويعظم الصغير، فكأنه سحر وما قام مقام السحر، أو أشبهه أو ضارعه، فهو مكروه، كما أن السحر محرم”[39].

يرى ابن قتيبة في بلاغة الجاحظ فتنة تقوض الأخلاق، وتهدد مبادئ الدين. ولذلك لم يحفل بما انطوت عليه نصوصه النثرية من جماليات. إن قراءة ابن قتيبة الرافضة للبلاغة التي استحدثها الجاحظ في نثره لا يمكن تفسيرها إلا في ضوء معيار شرعي وديني يرى في تناول موضوعات عابثة أو ماجنة انحرافا عن مبادئ الدين ومقتضيات الخلق لقويم.

3- البلاغة والخلفية المذهبية:

لقد اختلفت الموجّهات الفكرية والعقدية عند ابن قتيبة والجاحظ؛ فنجم عن ذلك توجيه البلاغة إلى خدمة أغراض لا تنفصل عن الانشغالات الكلامية والهواجس المذهبية التي استبدت باهتمام الرجلين. وهو ما أدى إلى اصطباغ البحث البلاغي عندهما بالصبغة الإيديولوجية التي نجمت عنها تعارضات بلاغية، تجسدت في مستويات عديدة، أبرزها تسخير البلاغة لحل المعضلات الدينية والعقدية.

3-أ/- البلاغة في خدمة الاعتقاد:

لقد نشأت البلاغة العربية من الصراع بين الفرق الإسلامية حول النص الديني؛ من يمتلك الشرعية التي تتيح له تحديد المعنى المقصود من النص القرآني الذي انطوى على مفارقة بلاغية؛ فهو كتاب هدى وبلاغ للناس. ولذلك يفترض فيه أن يوصل الأوامر الدينية والشرائع الإلهية بطريقة واضحة ومباشرة، لكنه يعدل عن ذلك ليقدم المضامين العقدية والسلوكية بطريقة بلاغية[40]. وهو ما أحوج المتعاملين معه إلى إعمال الذهن من أجل تحديد المعنى الدقيق لنصوص القرآن عن طريق تأويلها. وقد كان بدهيا أن يختلف هؤلاء في تأويل الآي الكريمات، خاصة المتشابهة منها؛ حيث راح كل فريق ينتحل لنفسه صفة “الراسخين في العلم” التي وردت في القرآن العظيم[41]. لينتهي الأمر وقد غدت النصوص القرآنية مجالا للخصومة بين الفرق الإسلامية المتنازعة، كل يجد فيها ما يدعم رأيه ويعضد فهمه وتصوره تبعا لأهوائه في السياسة والاعتقاد. يقول ابن قتيبة عن خصومه إنهم “فسروا القرآن بأعجب تفسير يريدون أن يردوه إلى مذاهبهم، ويحملوا التأويل على نحلهم”[42]. لقد أخضع تأويل النصوص القرآنية للمعتقد السياسي والمذهبي للمؤول؛ مما أفضى إلى تحكيم المعتقد في فهم النص وتفسيره. وقد ترتب عن ذلك أن أصبح كل فريق ينتج بلاغته الموجهة إلى خدمة غايات فكرية ومقاصد إيديولوجية. ولعل أبرز مظهر للتوظيف الإيديولوجي الذي خضعت له البلاغة في مجال العقيدة استغلال الظواهر البلاغية في الدفاع عن النص القرآني ضد من طعنوا عليه بأنه يشتمل على التناقض والاختلاف وفساد النظم.

3-ب/- الدفاع عن النص القرآني:

لقد شكل الدفاع عن النص القرآني هاجسا عقديا ومذهبيا وجه النظر البلاغي عند ابن قتيبة، حيث خصص حيزا مهما من كتابه “تأويل مشكل القرآن” للخوض في جملة من المشكلات العقدية والمذهبية، التي يطرحها “مشكل القرآن”، من زاوية بلاغية، من أجل دفع اعتراضات الملحدين والطاعنين؛ فقد حدد هدفه من تأليف هذا الكتاب بالقول: “وقد اعترض على كتاب الله ملحدون ولغوا فيه، وهجروا، واتبعوا “مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ” بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر مدخول؛ فحرفوا الكلام عن مواضعه، وعدلوه عن سبيله. قد قضوا عليه بالتناقض والاستحالة في اللغة وفساد النظم والاختلاف، وأدلوا في ذلك بعلل ربما أمالت الضعيف الغمر، واعترضت بالشبهة في القلوب […] فأحببت أن أنضح عن كتاب الله”[43].

وقد توسل ابن قتيبة بتأويل النصوص من أجل دفع تهم الطاعنين على القرآن بالتناقض والاختلاف، مدخله إلى ذلك “المجاز” الذي يرتفع عنده إلى مستوى الضرورة التعبيرية التي لا محيص عنها للمتكلم. يقول: “وأما الطاعنون على القرآن بالمجاز فإنهم زعموا أنه كذب؛ لأن الجدار لا يريد، والقرية لا تسأل، وهذا من أشنع جهالاتهم، وأدلها على سوء نظرهم، وقلة أفهامهم، ولو كان المجاز كذبا، وكل فعل ينسب إلى غير الإنسان باطلا، كان أكثر كلامنا فاسدا؛ لأنا نقول: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة، وقام الجبل، ورخص السعر. ونقول كان الفعل منك في وقت كذا وكذا، والفعل لم يكن وإنما كون، ونقول: كان الله، وكان بمعنى حدث، والله عز وجل قبل كل شيء بلا غاية، لم يحدث فيكون بعد أن لم يكن”[44].

لقد مثل الدفاع عن نصوص القرآن استنادا إلى الأدوات التي توفرها البلاغة قاسما مشتركا بين كثير من الفرق الكلامية والطوائف المذهبية، فلم يكن هذا النهج خاصا بأهل السنة وحدهم، بل سبقهم المعتزلة إلى ذلك؛ إذ وظف الجاحظ مقولات البلاغة من أجل رد شبه من يطعن على القرآن بأنه اشتمل على المتناقض والمختلف ليتخذ من ذلك مدخلا للتشكيك في عربيته وبلاغته. فقد ذكر الجاحظ، في مؤلفه “رسالة في خلق القرآن”، بعض ما أنجزه في كتابه “نظم القرآن” فقال: “فكتبت لك كتابا أجهدت فيه نفسي، وبلغت منه أقصى ما يمكن مثلي في الاحتجاج للقرآن، والرد على كل طعان: فلم أدع فيه مسألة لرافضي، ولا لحديثي، ولا لحشوي، ولا لكافر مباد، ولا لمنافق مقموع، ولا لأصحاب النظام، ولمن نجم بعد النظام، ممن يزعم أن القرآن خلق، وليس تأليفه بحجة، وأنه تنزيل وليس ببرهان”[45]. لقد سخر الجاحظ أدوات البلاغة للرد على الطاعنين في بيان القرآن، حيث أورد عبارات من التوراة والإنجيل والزبور فهمها أهل الكتاب على ظاهرها؛ فقادهم ذلك إلى اعتقادات خاطئة وادعاءات باطلة، ومن هذه العبارات “أن الله قال: إسرائيل بكري و”المسيح قال في الإنجيل: “أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم”، فقد أرجع الجاحظ سبب الانحراف الذي أفضى إلى هذه “الأمور العجيبة والمذاهب الشنيعة” إلى جهل أهل الكتاب “بمجازات الكلام وتصاريف اللغات”[46].

لقد شكل الدفاع عن النص القرآني مظهرا من مظاهر توظيف البلاغة عند ابن قتيبة والجاحظ على حد سواء؛ من أجل الخروج من مضايق المشكلات العقدية. وقد مثل استغلال المخارج البلاغية من أجل نفي التجسيم الذي يوهمه ظاهر نص القرآن والحديث مظهرا آخر لتعلق البلاغة بقضايا العقيدة فرضه هذه المرة الحرص على تنزيه الخالق عما لا يليق.

3-ج/- البلاغة ومطالب التنزيه:

يكشف النظر إلى كتاب “تأويل مشكل القرآن” لابن قتيبة، ورسالة “النابتة” لمعاصره الجاحظ، عن قطيعة بين طائفتين من متلقّي القرآن العظيم؛ فالجاحظ المعتزلي يرى في التعابير التي تصف الله بصفات معتادة في عالم البشر علامات نقص لا تليق بجلال الكمال الإلهي والتنزيه المطلق الواجبين لذاته. ولذلك عمد إلى تأويلها بوصفها “مجازات”. أما ابن قتيبة السني فيحمل التراكيب المجازية على ظاهرها حتى إذا استشعر خطرا من المفارقات المحرجة التي يمكن أن تترتب عن هذا الإجراء عمد هو الآخر إلى التأويل تنزيها لذات الله، وتأكيدا لمفارقتها عالم البشر. وفي مقصد التنزيه، يلتقي ابن قتيبة والجاحظ ثم يتباينان بعد ذلك في الخلفيات الفكرية والمذهبية، التي يصدر عنها كل واحد في فهم التنزيل وتأويله. فقد استنكر ابن قتيبة تأويل المعتزلة للعبارات المجازية في القرآن لمخالفته مطالب التنزيه من منظور أهل السنة؛ مثل تأويلهم لكلام السماء والأرض وجهنم بأنه جار مجرى المجاز. لقد رفض ابن قتيبة هذا المسلك في تأويل آي القرآن ورأى فيه تعسفا والتماسا للمخارج بالحيل الضعيفة. يقول: “وأما تأويلهم في قوله جل وعز للسماء والأرض: (اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) إنه عبارة عن تكوينه لهما، وقوله لجهنم (هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) إنه إخبار عن سعتها، فمما يحوج إلى التعسف والتماس المخارج بالحيل الضعيفة، وما ينفع من وجود ذلك في الآية والآيتين، والمعنى والمعنيين، وسائر ما جاء في كتاب الله عز وجل من هذا الجنس، وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ممتنع عن مثل هذه التأويلات. وما في نطق جهنم ونطق السماء والأرض من العجب؟ والله تبارك وتعالى ينطق الجلود والأيدي والأرجل، ويسخر الجبال والطير بالتسبيح فقال: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ. وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ)، وقال: (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ)؛ أي سبحن معه”[47].

من الواضح أن ابن قتيبة يجنح إلى إبعاد المجاز عن الآيات التي استشهد بها المعتزلة، وبدلا من تأويلها يعمد إلى حملها على الظاهر حتى تستقيم وعقيدة أهل السنة، التي تؤكد أن كلام السماء والأرض وجهنم حقيقي كما أن كلام الله حقيقي. وفي ذلك مقايضة للمعنى المجازي الذي سبق لابن قتيبة أن اعتبره ضرورة لا محيص عنها للمتكلم[48]. وهي مقايضة فرضتها تصورات مذهبية ممثلة في العقيدة السنية التي حكمت ابن قتيبة ووجهته إلى رفض المسلك الاعتزالي في تأويل الآيات؛ لأنهم يرون أن إسناد الكلام إلى السماء أو الأرض أو جهنم إسناد على جهة المجاز وليس الحقيقة مثله في ذلك مثل إسناد الكلام إلى الله الذي يعتبرونه إسنادا مجازيا تساوقا مع اتجاههم العقلاني في التفسير وغايتهم المعلنة في تنزيه الله ونفي الشبيه عنه والنظير[49]. ولم يكن أهل السنة يقلون عن المعتزلة حرصا على تنزيه الله وتعظيمه. يقول ابن قتيبة: “ونحن نقول كما قالوا: إن الله تعالى وله الحمد يجل عن أن يكون له صورة أو مثال”[50]. ولما كان السنة يلتقون مع المعتزلة في تنزيه الله عن الشبيه والنظير، فقد ترسم ابن قتيبة طريقتهم في تأويل نصوص القرآن؛ حيث جاءت تخريجاته المتصلة بقضية التوحيد ونفي مشابهة الله للبشر موافقة تماما لتأويلات المعتزلة خلا إسناد الكلام إلى الله، الذي اعتبر عند المعتزلة إسنادا مجازيا، في حين اعتبره ابن قتيبة إسنادا حقيقيا؛ لأن أهل السنة يرون أن “القرآن غير مخلوق”[51]. يكشف هذا الإجراء اقتناع ابن قتيبة بوجوب حمل كلام الله على خلاف المفهوم من ظاهره لإيمانه باستحالة التجسيم والتجسيد في حقه تعالى. لقد لجأ إلى التأويل استجابة لمقررات العقيدة السنية التي تقضي بوجوب تنزيه الله عما لا يليق.

إن لجوء ابن قتيبة السني إلى التأويل من أجل رفع ما قد يتوهم في بعض الآيات تجسيما أو تشبيها مسلك اعتزالي في الأساس، ومن شيوخ المعتزلة تلقفه ابن قتيبة. يقول محمد العمري: “نفترض أن كتاب الجاحظ [نظم القرآن]، أو على الأقل أفكاره العامة، كانت حاضرة عند ابن قتيبة في “تأويل مشكل القرآن”، ومعتمدة فيه. نقول هذا ونحن نتذكر الملابسات الموقعية بين الرجلين، من جهة، وبين علماء المذهبين المعتزلي والسني، من جهة ثانية: الأخذ والمجادلة”[52]. وآية ذلك ما نجده عند الجاحظ من تأول للآيات التي عرض لها في “نظم القرآن”[53]و”آي القرآن “[54]، فضلا عما جاء مبثوثا في كتابه الكبير “الحيوان”؛ حيث عمد إلى تحكيم الدليل العقلي في دلالة القرآن طلبا لتنزيه الخالق بنفي الشبيه عنه. ومن ذلك تأويله “كلمات الله”، في الآية الكريمة (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ)، بالنعم والأعاجيب والصفات. يقول: “والكلمات في هذا الموضع ليس يريد بها القول والكلام المؤلف من الحروف، وإنما يريد النعم والأعاجيب والصفات وما أشبه ذلك”[55]. إن الصلة بين تحليلات الجاحظ لعبارات القرآن وثيقة الصلة بالفكر الاعتزالي من حيث احتكامها إلى التأويل العقلي الذي مثل معيارا يستند إليه المعتزلة من أجل التوفيق بين عقيدتهم الاعتزالية وبين نصوص القرآن والحديث التي تخالف الأسس الفكرية العامة للمذهب الاعتزالي. وهو ما يتيح لنا أن نستخلص أن الجاحظ صدر في تحليله البلاغي لنصوص القرآن عن الأسس التي رسخها الفكر الاعتزالي في مجال تفسير العبارات القرآنية الدالة على التشبيه. لقد تناول التصوير البياني في القرآن ليدفع التعريض به، ويثبت الإيمان في نفوس المؤمنين[56] .

لعل التحليل قد أوضح ارتهان النظر البلاغي عند ابن قتيبة والجاحظ، على حد سواء، إلى مقتضيات العقيدة التي تفرض تنزيه الخالق عندما يوهم ظاهر النص عكس ذلك. يقول مصطفى ناصف: “تكمن البذور الأولى لبحث المجاز في معارضة إدراك الألوهية على أساس التشبيه الحسي”[57]. ولذلك كان “متشابه القرآن ومشكل الحديث من الأسباب التي حملت المتكلمين من مختلف الفرق على أن يجدوا مخرجا يخلص المقالة العقدية من المزالق التي يمكن أن تسقط فيها؛ فكان “المجاز” الإطار النظري والمنهج العملي الكفيل بأن يجنب المعتقد هوى الإشراك والتشبيه والتجسيد. وهكذا أصبح القول بالمجاز، بالنسبة إلى المعتزلة والسنة على حد سواء، جزءاً من الإيمان، وخطوة في طريق النجاة”[58]. وقد نجم عن اعتبار المجاز ضرورة تعبيرية عند الفريقين أن تولدت الحاجة ماسة إلى تأويل النصوص من أجل حل المشكلات العقدية التي تفرضها العبارات المشكلة في متشابه القرآن ومختلف الحديث. فما هي ملامح الممارسة التأويلية عند ابن قتيبة والجاحظ؟ وهل إستراتيجية التأويل عند الرجلين واحدة، أم إنها متباينة لتباين الخلفية الفكرية والعقدية؟

3-د/- التأويل بين مطالب العقل وضوابط النقل:

لعل من أهم النتائج التي يمكن أن يستخلصها الباحث من إمعان النظر في الممارسة التأويلية كما تجسدت عند ابن قتيبة والجاحظ ارتهان الرجلين، رغم اتصال الخصومة بينهما، إلى نفس المبادئ الموجِّهة للتفكير والنظر: الحد من سلطة العقل مقابل سلطة النص. فقد اتسمت أفكار ابن قتيبة بالمحافظة لصدورها عن عقلية نقلية تكشف عنها قراءته لـ”مشكل القرآن” و”مختلف الحديث”؛ حيث يبدو ابن قتيبة في الكتابين جانحا إلى حمل النص الديني على الظاهر. ولذلك يجوز المعنى الحرفي عادلا عن تفصيل القول فيه: “ونحن نسلم للحديث ونحمل الكتاب على ظاهره”[59]. ولم تكن اجتهادات الجاحظ بعيدة عن هذه الطريقة في التفكير؛ إذ “من المعلوم الثابت، كما استخلص فرج بن رمضان، أن عقلانية الجاحظ إيمانية دينية من جهة، بيانية بالمعنى الجاحظي نفسه للبيان من جهة أخرى، وأنها بحكم هذه الصفة وتلك فإنها […] حدت من مجالات تدخل العقل وطرائق اشتغاله في شتى مجالات الفكر الديني والسياسي والاجتماعي وغيرها، ومن ثم فإن العقل الذي أريد له أن يكون مرجعا وحكما […] محكوم بمرجعية هي: الحق الذي أمر الله تعالى به ورغب فيه وحث عليه. وبفعل هذه المرجعية نفسها، وبحكم ما حدت للعقل من حدود وما وضعت له من أدوار، اختزل العقل في مجرد كونه أداة للاستدلال والحجاج دفاعا وهجوما، في طلب هدف استراتيجي واضح: تبيين الحقيقة المسلم بها مسبقا من طريق الإيمان، عبر الافتنان في قراءة شتى العلامات والآيات وشتى النصوص، وخاصة منها نص الدين ونص الطبيعة (الحيوان) ونص المجتمع الإنساني”[60].

لقد تم اختزال العقل في الممارسة الاعتزالية إلى مجرد أداة تقرأ النص الديني وغير الديني قراءة بيانية هدفُها تبين الحكمة وتبيينها؛ لأن الحقيقة محددة سلفا. وهو وضع اقتضى أن ينحصر دور العقل في الدلالة عليها والحجاج دونها[61]. وعلى هذا الصعيد، يلتقي التصور الاعتزالي بتصور خصومهم من السنة؛ حيث دور العقل عند المعتزلة لا يختلف عن تصور السنة لدور اللفظ الذي يوصل إلى المعنى إلا في الدرجة. ذلك أن الحقيقة، في الممارستين السنية والاعتزالية، معلومة مسبقا؛ لأنها ثاوية في النص، وليس العقل سوى وسيلة تمكن من القبض عليها وإخراجها من الغياب إلى الحضور.

ولما كانت عقلانية الجاحظ إيمانية دينية وبيانية، كما نبه فرج بن رمضان، فقد شكل هذا الملمح باعثا لتقارب واضح بين أطروحاته الاعتزالية ومقررات ابن قتيبة السني. ذلك أن المعرفة ليست نتاج التعقل وإعمال النظر، كما أكد الجاحظ، ولكنها أداة لنصرة الدين ودعم المذهب ما دام المعنى موجودا ومحددا سلفا، ودور العقل لا يزيد، في هذه الحال، عن استبانة الحكمة تأكيدا للشرع وتعضيدا للعقيدة. وبذلك “يكون الجاحظ قد استند إلى الشرع في استخلاص المعرفة، وفوّقه على العقل من حيث أراد تفويق العقل عليه”[62]. وإذن، فالمدلولات محددة سلفا ومفضية إلى نفس المعنى؛ إظهار الحكمة. فماذا يبقى للمفكر سنيا كان أو معتزليا؟ لا نظن أن يبقى له سوى تسخير العقل لاستخلاص الحكمة واستنبانة المعرفة تحقيقا للمعنى المودع في النص القرآني.

يتحصل مما تقدم أن ابن قتيبة والجاحظ يلتقيان، رغم اتصال الخصومة بينهما، في العقيدة ومنهج التأويل؛ كلاهما يعتقد في الكون مجلى للحكمة، وموضعا للاستبانة. ولا سبيل إلى ذلك ما لم تتساند المعرفة الشرعية والمعرفة العقلية. الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع التعارض الظاهري بين العقل والنقل، لأن التكليف الشرعي والتكليف العقلي ينتهيان إلى نفس النتيجة. يقول نصر حامد أبو زيد: “إذا كان […] أهل السنة والجماعة يخالفون المعتزلة والفلاسفة في الترتيب المعرفي؛ فيقدمون النقل على العقل، ويقدمون التكليف الشرعي على التكليف العقلي، فإن هذا الخلاف، رغم أهميته من حيث مغزاه الاجتماعي والفكري، لم يؤدِّ إلى تغاير في نظرة الجميع إلى اللغة، التي هي أساس التكليف الشرعي وأداته، بوصفها نظاما دالا في النسق المعرفي يرتبط بغيره من الأنظمة الدالة ولا ينفصل عنها، هكذا أكد المعتزلة الحاجة إلى الشرع على أساس أن الشريعة تشير إلى “مقدرات الأحكام ومؤقتات الطاعات التي لا يتطرق إليها عقل ولا يهتدي إليها فكر” (الشهرستاني: الملل والنحل، 1/81). ولا تعارض في النهاية بين العقل والنقل، أو بين المعرفة العقلية والمعرفة الشرعية؛ إذ ليس في القرآن إلا ما يوافق العقل”[63].

خلاصة:

لقد وضح أن مباحث البلاغة العربية ارتهن إلى المقتضيات العقدية. وهو ما استخلصه محمد النويري عندما أكد عمق العلاقة القائمة بين النسقين الكلامي والبلاغي. لقد “كانت المفاهيم البلاغية وأنحاء إجرائها محملة بهواجس العقيدة، فهي التي توجه الفكرة وترسم آفاقها حتى بدا لنا أحيانا أن القاعدة البلاغية لم تنشأ إلا بغية فكّ الإشكال العقدي”[64]. ولعل التحليل قد كشف أننا أمام أنموذجين فكريين يوظفان مقومات البلاغة توظيفا إيديولوجيا من أجل خدمة الغرض العقدي؛ فالجاحظ المعتزلي يلوذ بالأدوات البلاغية من أجل تأويل العبارات “المشكلة” و”المختلفة” تأويلا يتفق وتصورات فكر المعتزلة لذات الله وصفاته. ومن البدهي أن يتعارض ذلك مع تصورات ابن قتيبة السني، الذي وظف نفس الأدوات البلاغية من أجل تأويل “مشكل القرآن” و”مختلف الحديث” تأويلا يدعم تصورات دينية ومذهبية نقيضة تمثل فكر السنة.

[1]- ابن قتيبة: عيون الأخبار، ج 2، ص: 13.

[2]- ابن السيد البطليوسي، الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، القسم الأول، ص: 49.

[3] – ابن خلدون، المقدمة، ص: 545.

[4] – ابن قتيبة، أدب الكاتب، ص:10.

[5] – “وسمعنا شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن وأركانه أربعة دواوين، وهي: أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي البغدادي. وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها.” (ابن خلدون: المقدمة، ص: 553).

[6] – ابن قتيبة: تأويل مشكل القرآن، ص: 22.

[7] – نفسه، ص: 86.

[8] – نفسه، ص: 15.

– محمد العمري، البلاغة العربية، أصولها وامتداداتها، ص: 145. [9]

[10] – ابن قتيبة، عيون الأخبار، ج 2، ص: 110.

[11] – نفسه، ج 2، ص: 147.

[12] – نفسه، ج 2، ص: 147.

[13] – نفسه، ج 2، ص: 146.

[14] – نفسه، ج 2، ص: 145.

[15] – ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن، ص: 22.

[16] – ابن قتيبة، عيون الأخبار، ج 2، ص: 14.

[17] – ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث، ص: 268.

[18] – ابن قتيبة، عيون الأخبار، ج 1، ص: 15.

[19] – نصح ابن قتيبة الكتابَ بأن يراعوا في كتابتهم مبدأ “لكل مقام مقال” (مقدمة أدب الكتاب، ص: 20)، وقد شكل هذا المبدأ قاعدة اشتق منها حد البلاغة المعروف في كتب النقد والأدب المتأخرة.

ـ ابن قتيبة، أدب الكاتب، ص: 21. [20]

[21] – جابر عصفور، بلاغة المقموعين ضمن المجاز والتمثيل في العصور الوسطى، ص: 28.

[22] – نفسه، ص: 6.

[23]- الجاحظ، الحيوان، ج 2، ص 287.

[24]- أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج 3، ص 140.

[25] – يقول النظام: “الشاك أقرب إليك من الجاحد، ولم يكن يقين قط حتى صار فيه شك، ولم ينتقل أحد من اعتقاد إلى اعتقاد غيره، لا يكون بينهما حال شك.” – الجاحظ، الحيوان، ج 4، ص: 400.

[26] – الجاحظ، الحيوان، ج 6، ص: 400.

[27]- مصطفى ناصف، محاورات مع النثر العربي، ص: 111.

[28]- “أعلى رتب البلاغة أن يحتج للمذموم حتى يخرجه في معرض المحمود، وللمحمود حتى يصيره في صورة المذموم.” – الصناعتين، ص: 53

[29] – ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث، ص: 60.

[30] ـ نفسه، ص: 57.

[31] – عبد الفتاح كيليطو، لسان آدم، ص: 110.

[32] – نفسه، 111.

[33] – ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث، ص: 57.

[34] – نفسه، ص: 56.

[35] – نفسه، ص: 57.

[36] – نفسه ص: 57.

[37] – نفسه، ص: 268.

[38] – ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث، ص: 56. سبق للجاحظ أن رد على من عاب هذا المنهج في التأليف. يقول في مقدمة “الحيوان” (ج 1 ص ص 17- 18): “… وعبتني بحكاية قول العثمانية والضرارية، كلما سمعتني أقول في أول كتابي: قالت العثمانية الضرارية، كما سمعتني أقول: قالت الرافضة والزيدية، فحكمت علي بالنصب لحكايتي، فهلا حكمت علي بالتشيع لحكايتي؟ وهلا كنت عندك من الغالية لحكابتي حجج الغالية، كما كنت عندك من الناصبة لحكايتي قول الناصبة […] وعبتني بكتاب العباسية، فهلا عبتني بحكاية مقالة من أبى وجوب الإمامة […] ولكنه بهرك القول، وملأ صدرك الذي قرأت، وأبعلك وأبطرك فلم تتجه للحجة وهي لا معوضة، ولم تعرف المقاتل وهي لا بادية، ولم تعرف باب المخرج إذ جهلت باب المدخل، ولم تعرف المصادر إذ جهلت الموارد، ورأيت أن سب الأولياء أشفى لدائك، وأبلغ في شفاء سقمك، ورأيت أن إرسال اللسان أحضر لذة، وأبعد من النصب ومن إطالة الفكرة، ومن الاختلاف إلى أرباب الصناعة…”.

[39] – ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث، ص: 268.

[40] – عرض ابن قتيبة في “تأويل مشكل القرآن” لمسألة “المفارقة البلاغية” هذه التي لا تبدو عند تدبرها بريئة كما يوحي بذلك ظاهرها. فالقرآن يصف نفسه بأنه “بيان” للناس و”هدى”، فلماذا يأتي “بالمتشابه” الذي أثار الخلاف وأوقع الفتن؟ وقد رد ابن قتيبة هذا “الاعتراض” ردا لطيفا؛ حيث بين وجه الحكمة من ذلك رابطا وجود “المشكل” في القرآن بفكرة الاختبار والابتلاء حتى يتبين المجتهد من المقلد، ويتميز العالم من الجاهل. يقول: “ولو كان القرآن كله ظاهرا مكشوفا حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل، لبطل التفاضل بين الناس، وسقطت المحنة، وماتت الخواطر. ومع الحاجة تقع الفكرة والحيلة، ومع الكفاية يقع العجز والبلادة.” – تأويل مشكل القرآن، ص: 86

[41] ـ يقول تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) [آل عمران، الآية: 7]. وقد اختلف المفسرون في إمكانية تأويل المتشابه؛ فمن قال بالإمكان اعتبر “الواو” عاطفة واصلة، ومن قال بعدمه اعتبرها استئنافية قاطعة. أما ابن قتيبة فقد صدع برأيه في هذه المسألة بالقول: “ولسنا ممن يزعم أن المتشابه لا يعلمه الراسخون في العلم، وهذا غلط من متأوليه على اللغة والمعنى، ولم ينزل الله شيئا من القرآن إلا لينفع به عباده ويدل به على معنى أراده ” (تأويل مشكل القرآن، ص: 98). وكتب في موضع آخر من الكتاب نفسه: “وإن لم يكن للراسخين في العلم حظ في المتشابه إلا أن يقولوا (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنا) لم يكن للراسخين فضل على المتعلمين بل على جهلة المسلمين؛ لأنهم جميعا يقولون (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا) – تأويل مشكل القرآن، ص: 100.

[42] ـ ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث، ص: 62.

[43] ـ ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن، ص: 22.

[44] ـ نفسه، ص: 132.

[45] – الجاحظ: رسالة في خلق القرآن، ضمن “رسائل الجاحظ”، ج 3، صص: 217 – 218.

[46] – الجاحظ: المختار في الرد على النصارى، ص: 73.

[47] ـ ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن، ص: 112.

[48] ـ نفسه، ص: 132.

[49] ـ للوقوف على منهجية المعتزلة في التفسير، راجع الدراسة المرجعية التي أنجزها الباحث نصر حامد أبو زيد: الاتجاه العقلي في التفسير ـ دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة، المركز الثقافي العربي ـ البيضاء ـ بيروت، ط 4 – 1998.

[50] ـ ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، ص: 198.

[51] ـ ألف ابن قتيبة كتابا مستقلا لـ”الرد على القائل بخلق القرآن” لم يصلنا، لكن آراءه في هذه المسألة مبسوطة في كتابيه “الاختلاف في اللفظ”، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1 ـ 1985،ص: 24. وتأويل مختلف الحديث، ص: 23 و185 و235.

[52] – محمد العمري، البلاغة العربية: أصولها وامتداداتها، ص: 154.

[53] – الجاحظ: الحيوان، ج1، ص:16.

[54] ـ ابن النديم: الفهرست، تح: رضا تجدد، د. ت، ص: 211.

[55] ـ الجاحظ: الحيوان، ج 1، ص: 127.

[56] – مصطفى ناصف: الصورة الأدبية، ص: 77.

[57] – نفسه، ص: 74.

[58] – محمد النويري: علم الكلام والنظرية البلاغية عند العرب، ص: 37.

[59] ـ ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، ص: 197.

[60] ـ فرج بن رمضان: الأدب العربي القديم ونظرية الأجناس، القصص، ص: 80.

[61] ـ ومن هنا وصف العقل الذي يستعمله المعتزلة بأنه “عقل مسخر لخدمة الدين، في حين أن “العقل” في مفهوم الفلاسفة كلي يجمع عليه العقلاء أيا كانوا.” – علي أومليل: في شرعية الاختلاف، ص: 4.

[62] ـ عبد الله البهلول، في بلاغة الخطاب الأدبي، بحث في سياسة القول، ص: 36.

[63] ـ نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، ص: 56.

[64] – محمد النويري: علم الكلام والنظرية البلاغية عند العرب، ص: 417.

المصادر والمراجع:

ابن قتيبة،

– عيون الأخبار، تح: داني ابن منير الزهوي، المكتبة العصريةـ بيروت، 2003

– أدب الكاتب، تح. علي فاغور، دار الكتب العلمية- بيروت، ط1 – 1988

– تأويل مشكل القرآن، تح. السيد أحمد صقر، دار التراث القاهرة، ط2 – 1973

– تأويل مختلف الحديث، تح. رضى فرج الهمامي، المكتبة العصرية– بيروت، ط 1- 2003،

– الاختلاف في اللفظ، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1 ـ 1985،

ابن السيد البطليوسي،

– الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، تح. مصطفى السقا وحامد عبد المجيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1981

ابن خلدون،

– المقدمة، دار القلم – بيروت، ط 6 – 1986،

أبو هلال العسكري،

– الصناعتين، تح: علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية – بيروت، 1986،

ابن النديم،

– الفهرست، تح: رضا تجدد، د. ت

أحمد أمين،

– ضحى الإسلام، دار الكتب العلمية – بيروت، ط 1 (د.ت)،

الجاحظ،

– الحيوان، تح: فوزي عطوي، دار صعب – بيروت، ط 2 – 1978،

– المختار في الرد على النصارى، تح: محمد عبد الله الشرقاوي، دار الجيل- بيروت، ط1 – 1991،

– رسالة في خلق القرآن، ضمن “رسائل الجاحظ”، اختيار الإمام عبيد الله بن حسان، تح. محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية- بيروت، ط 1 – 2000

جابر عصفور،

– بلاغة المقموعين، ضمن المجاز والتمثيل في العصور الوسطى، (مجلة ألف) دار قرطبة للطباعة والنشر، البيضاء، ط 2، 1993

عبد الفتاح كيليطو،

– لسان آدم، تر. عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر- البيضاء، ط 2 – 2001

علي أومليل،

– في شرعية الاختلاف، دار الأمان ـ الرباط، ط3 ـ 2001

عبد الله البهلول،

– في بلاغة الخطاب الأدبي، بحث في سياسة القول، التسفير الفني ـ صفاقس، ط 1 ـ 2007

فرج بن رمضان،

– الأدب العربي القديم ونظرية الأجناس، القصص، دار محمد علي الحامي، تونس، ط 1، 2001

مصطفى ناصف،

– محاورات مع النثر العربي، سلسلة “عالم المعرفة” – الكويت، ع 218، 1997

– الصورة الأدبية، دار الأندلس، ط 2، 1981

محمد النويري،

– علم الكلام والنظرية البلاغية عند العرب، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية- تونس، ط1، 2001

محمد العمري،

– البلاغة العربية، أصولها وامتداداتها، افريقيا الشرق، البيضاء، 1999.

نصر حامد أبو زيد،

– الاتجاه العقلي في التفسير ـ دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة، المركز الثقافي العربي ـ البيضاء، ط 4 – 1998

– إشكاليات القراءة وآليات التأويل، المركز الثقافي العربي، البيضاء، ط 4، 1996

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع