أخر تحديث : الإثنين 1 أغسطس 2011 - 11:27 مساءً

تسليط أضواء جديدة على معركة وادي المخازن….

عبد الإله العزوزي | بتاريخ 1 أغسطس, 2011 | قراءة

 

حوار مع الباحث ذ. محمد أخريف رئيس جمعية البحث التاريخي و الاجتماعي بالقصر الكبير ..

إحياء لذكرى معركة وادي المخازن التي وقعت في ميدان القصر الكبير والتي تصادف 4 غشت من كل سنة، وللمزيد من تسليط الأضواء على هذه المعركة التاريخية، التقينا بالباحث الأستاذ الجليل، ج. محمد أخريف المؤرخ في هذه المدينة العريقة والمجاهدة، وهو بالمناسبة من مؤسسي جمعية البحث التاريخي، التي وصلت إصداراتها إلى 18 كتابا، ويعمل حاليا رئيسا لهذه الجمعية، وقد عودنا الأستاذ أخريف منذ سنوات على قراءاته المتجددة للمعركة.

 تلقى دراسته الابتدائية والثانوية بالقصر الكبير والعرائش، وهو حاصل على الإجازة في التاريخ من كلية الآداب بالرباط، والمعمقة من جامعة UNED بمدريد، عضو فاعل في عدة جمعيات، ومكتشف لرسوم ما قبل التاريخ في إقليم العرائش، ولأحجار ونقائش رومانية بالجامع الأعظم بالقصر الكبير.
له عدة أبحاث وكتب حول القصر الكبير ودائرته تضم الوثائق الكتابية والشفوية، منها: مجتمع القصر الكبير في بداية القرن العشرين، وسلسلة وثائق لم
تنشر في أجزاء وصلت الآن إلى الجزء 3، وكتاب حول اكتشاف مطفية الجامع الأعظم، ومشروع أطروحة حول أخطاء ميشو بلير، ومقالات في بعض الجرائد. شارك في عدة ملتقيات وطنية ودولية، ولقاءات مع الإذاعة والتلفزة المغربية، وهو منهمك في إخراج كتب أخرى أثرية ووثائقية. التقينا به وطرحنا عليه أسئلة تهم المعركة من جميع جوانبها فكان لنا معه الحوار التالي:

{ اعتاد المغاربة أن يشاهدوا في التلفزة المغربية أو على أعمدة الصحف، إحياء الذكريات الوطنية، ومنها ذكرى معركة وادي المخازن ذات الأبعاد الوطنية والكونية، لأنها أدت إلى التغيير السياسي داخل المغرب، وإلى تغيير خارطة العالم السياسية في القرن 16، فهل من عبر يمكن توظيفها في الوقت الحاضر للحفاظ على هويتنا ووطننا ومواطنتنا، وتفادي ما قد يحدث من حروب أهلية وتقسيمات، في هذا الحراك الذي تعيشه الدول العربية من أجل الحرية والعدالة والديمقراطية ؟.
> في البداية أشكر جريدة الاتحاد الاشتراكي على وفائها لهذه الذكرى، وأقول بأنه إذا كان هناك خلاف بين المؤرخين حول ظاهرة إعادة التاريخ لنفسه، فإن المشاهد العامة وصورها كثيرا ما تكررت في تاريخ كثير من الدول مع تغيير في الزمن والمكان والأداة، لكن النتيجة تكاد تكون واحدة.
فإذا كانت الهوية، هي النظارة التي يرى المواطنون من خلالها ما هو مناسب أو غير مناسب، لصالح وطنهم. فالحفاظ عليها واجب، لأن قوة الشعوب تكمن في حفاظها على هويتها وتقاليدها، تجاه بعض الدول القوية التي صارت تعمل على إخضاع البشرية كلها إلى قيمها ومصالحها، بل إن بعض الجهات المؤثرة صارت تستغل المنظمات الدولية لإلزام الشعوب بقرارات نابعة من قيمها، ولا تعبأ بالازدواجية في خطابها الذي افتضح أمره في القضية الفلسطينية. وإذا كانت المواطنة، هي الأداء الفردي للواجبات اليومية، وهي السلوك الفعلي الظاهري، وهي الانتساب الجغرافي للأرض، وهي أيضا العضوية الكاملة والمتساوية في المجتمع المتضمنة للعديد من الحقوق كالمساواة والحرية، والمتضمنة أيضا للواجبات، ومن أهمها حرص المواطن سواء كان فردا أو مكونا من مكونات المجتمع المدني على تحصين سيادة وطنه من خلال الدفاع عنه، ورفض الأفكار المتطرفة، والهدامة. والمساهمة في نشر ثقافة التسامح، والوسطية، والاعتدال، طبقا لديننا الحنيف. وإذا كانت الوطنية، هي ذلك الحب والوفاء والارتباط العاطفي  بالأرض والمجتمع الذي لا يتعدد ولا يتبدل، فاستدعاء الماضي يجب أن يكون من أهدافه إنعاش هذه الذاكرة وهذه القيم، وأخذ العبر كي لا نقع مرةً أخرى في أخطاء الماضي، فالدعوة إلى إحياء التاريخ الوطني وتمجيده لا يعني تشجيع الانغلاق على الذات والجمود والتحجر أو الرغبة في إثارة البغضاء والأحقاد وكراهية الآخر، بل من أجل توحيد الصف الداخلي وتحصين الجبهة الداخلية، والحفاظ على وحدة وهوية الأمة.

{ هل من مقاربة لذلك؟
> هناك عدة مقاربات يكفي أن نعرف الصعوبات الجمة التي كان يعيشها المغرب، والعوامل التي أدت إلى انتصاره.

{ كيف ذلك؟
> يمكن إجمال ذلك فيما يلي:

1 الوضعية العامة
كانت الأوضاع العامة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا في حالة يرثى لها، وقد ترجمها نص مؤرخ الدولة السعدية عبد العزيز الفشتالي في كتابه مناهل الصفا ص: 39 -40 قائلا (( … ولما انعقدت بيعته المباركة باتفاق المسلمين عليها كافة في مشهد الفتح ورسخت بذلك قواعد خلافته نظر في إعطاف الدولة وقد أدركها بآخر الرمق تجود بنفسها لتوالي المرض عليها خمسة أعوام تباع عمر دولتي المتوكل والمعتصم التي نفقت فيها أسواق الفتن، وأظلم
الجو فيها بالهرج في سائر أقطار المغرب، حتى تنمرت الرعايا واستنسر بغاتها وطغى الجند الذي به قوام مائلها، فغلب فساده على صلاحه، وتعذر النفع به، وتعطل الخراج منذ سنتين حتى نفذ الطارف والتالد، وأقوت بيوت المال من كل صفراء وبيضاء، وانتسفت مخازن الحبوب والأقوات وأصبحت خاوية كأن لم تغن بالأمس، واستشرى الداء وأعضل الخطب وكاد سلك الدولة يتنسر وذيلها يتقلص ثم جبر الله الصدر بأمير المومنين..)).
وهذا يبرز أن الدولة وصلت إلى حالت من الإفلاس المالي والأمني الاقتصادي والاجتماعي، بسبب الحروب الأهلية، بين محمد المتوكل وعمه عبد الملك وصلت إلى حوالي 20 معركة في ظرف لم يتعد سنتين ونصف.

2 وضعية عبد الملك
المعتصم قبيل المعركة:
هذه الوضعية ترجمها الطبيب اليهودي في رسالته التي أثبتها محمد بوخلفة في كتابه الطريق لمعرفة القصر الكبير 1972 ص: ص: 74 – 82 قائلا: (( في اليوم الثالث أقمنا معسكرا على مقربة من نهر ‘ تنسفت’ ….. أن أكل الملك شيئا من السمك وشرب كثيرا من الماء مع أكله قليلا من البطيخ فأتخمه ذلك وغلب عليه القيء الذي أعقبه شيء من الحمى والوجع في المعدة………ثم وصلنا سلا فتحسنت صحته فلما غادرناها بعد ثلاثة أيام جعلنا نسير طيلة اليوم حتى وصلنا المعمورة…. فلقد اجتمع فرسان كثير لم يجتمع مثلها في هذه المملكة حتى إن عددهم بلغ 7000 فارس بما فيهم رجال المكاحيل ….. فكان الملك يحس بالحمى ويغلب عليه قيء كبير فتأسفت لذلك كثيرا وقد وقع ذلك بسبب الحرارة الشديدة ولإكثاره من شرب الماء……. فرأى الملك أن يشرب الماء البارد وأن يدخل يده في حلقه ليتقيأ …وكنت أبكي… وفي اليوم الثالث أصيب الملك بفواق شديد وبارتعاش في يده اليمنى مع ثقل في اللسان جعلني افهم في الحين المصيبة التي ستنزل…. واشتد العطش على الملك فبلغه درجة لو أن أنهار الدنيا غير كافية لإروائه…. وسرنا على هذا النحو حتى بلغنا اليوم السابع …. وفي اليوم التالي الذي هو فاتح غشت جاءنا خبر بدء ملك البرتغال في السير خارج أصيلا وعند ذلك رفعنا معسكرنا وأقمناه بجانب القصر الكبير الذي توجهنا إليه في اليوم الثالث … وكان على الجانب الآخر من النهر رجال بني مالك وبني سفيان وبعض الأعراب من الجبال…وفي يوم الاثنين 4 غشت 1578م…))
وهذا يظهر أن القائد الأول في المعركة كان مصابا بمرض لا يسمح له بالمناورة والمراقبة مما أدى إلى انهزام ميمنة الجيش في بداية المعركة، يقول الطبيب اليهودي في رسالته التي أثبتها محمد بوخلفة في كتابه الطريق لمعرفة القصر الكبير 1972 ص: ص: 74 ? 82. وقد جاء فيها:
(( وقد نسيت أن أقول لك إن أهل فاس قد فروا جميعا ولم يقفوا حتى بلغوها بمجرد ما حدثت الصدمة الأولى كما، فر معهم ما يتراوح بين ثلاثة أو أربعة آلاف من العرب الذين مروا بخيامنا فجعلوا ينهبون ويقولون إننا هزمنا وكان من جراء ذلك أن قام معظم الناس ففروا متوجهين إلى فاس …..)) ويقول عبد العزيز الفشتالي في كتابه مناهل الصفا حول مرض عبد الملك ص: 27 (( وإرجاف الناس بمرض المعتصم، ….واضطربت أحوال المسلمين وانحلت عزائم المستضعفين منهم….)).
يتضح من كل هذا الوصف أن الوضعية المأساوية التي كان يعيشها المغرب قبل المعركة في الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومع ذلك لم تمنع المغاربة من الانتصار على أقوى إمبراطورية بحرية في القرن 16م، لأن الالتحام بين الشعب والعرش كان دائما يؤدي إلى الانتصار كما هو حاصل اليوم مع جلالة الملك محمد السادس الذي فتح أوراشا ضخمة في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والحقوقية بما في ذلك حقوق المرأة.

3 – الأطماع الخارجية:
كان المغرب محاصرا من طرف ثلاث إمبراطوريات: اثنتان في الغرب اسبانيا والبرتغال، وثالثة في الشرق الإمبراطورية العثمانية. بالنسبة للشرق كان المغرب يدفع للعثمانيين ضريبة سنوية، وكانت أطماع الثمانيين في المغرب مترجمة في مواقف بيلرباي الجزائر العلج علي، يقول . PIERRE PERTHIERفي كتابه معركة وادي المخازن ص: 195 – 196 :
((أصبح المنصور على نقيض سابقه ظانا أنه ليس من الواجب عليه على الأقل ابتداء من 1587 أداء الضريبة الفدرالية بشكل منتظم للسلطان مراد الثالث والتي تبلغ 30.000 دوكادوس سنويا.
أما ليفي بروفنسال, فاعتبر أن انتصاره في معركة وادي المخازن هو الذي سمح له بالتحرر من هذه الضريبة.
ويمكن التساؤل إذن، لماذا انتظر السلطان السعدي سنة 1587 ليوقف أداءه النهائي. والأكيد أن الانتصار على البرتغال زاد العامل المغربي قوة ونفوذا. وهذا الوقف لم يكن بسبب الحدث العظيم ليسمح لأحمد المنصور بالتحرر من أداء الضريبة للسلطان العثماني، بل بسبب موت العلج على, الشخص العنيد المتصلب والعدو المريع للسلالة السعدية والذي توفي في يوليوز 1587 عن سن يناهز 67 سنة.
إذن يشكل عام 1578 حدثا مهما في تاريخ العلاقات بين الباب العالي والمغرب السعدي وهو العام الذي سجل اختفاء العلج علي الذي طبع بشخصيته القوية السياسة العثمانية تجاه المغرب والذي كان قد حدد الاتجاهات الكبرى من اجل إنهاء احتلال المغرب لتكوين وحدة المغرب العربي تحت سلطة العثمانيين أكثر من هذا فقد ألغى في هذه السنة نظام البيلربايات من طرف الحكومة التركية وتعويضه بنظام الباشاوات على مدى ثلاث سنوات ولم يسمع هذا التغيير في النظام لأصحاب هذا الشأن بالمبادرات الشخصية على المدى الواسع. “.
فتقديم المساعدات للمغرب في معركة وادي المخازن (تامدة) (القصر الكبير) يدخل في انتقامهم لمعركة ليبانتو، ومحاولاتهم احتواء المغرب، والوصول إلى المحيط الأطلسي، وهو الشيء الذي لا زالت الجزائر تقاتل وتناور عليه منذ أن أدخلتها اسبانيا سنة 1975 في القضية باطلاعها على صفة الأسلحة التي وصلت آنذاك إلى 150 مليون دولار لكي تضغط بها على المغرب من خلال الولايات المتحد، وهو ما نشرته جريدة “الاتحاد عدد9014 بتاريخ 4/11/08″، حول الوثائق السرية التي رفعت عنها السرية.
ويظهر الخطر الخارجي البرتغالي في فيما قاله JOSE HERMANO SARAIVA في كتابه HISTORIA DE PORTUGAL ص : 173 ((مشروع إقامة إمبراطورية من سواحل أنغولا إلى سواحل الموزمبيق، حيث توجد المناطق الغنية بمعادن monomotapa “روديسيا الحالية ” …….. وبالتأكيد فإن المشروع الأكثر سهولة ووضوح هو احتلال شمال إفريقيا ……فكرة لم يمانع في قبولها البرلمان والكورتيس سنة 1562 ..)).

{ وإذا كانت الوضعية التي رأيناها من خلال النصوص وضعية حرجة لا تسمح بمواجهة دولة قوية فلا شك أن هناك عوامل كان لها دور أساسي في انتصار المغرب ، ما هي؟
> الانتصار في الحروب ليس محصورا بعامل واحد، بل تساهم فيه عدة عوامل: الاقتصادية، والجغرافية، ولوجيستيكية، والتقنية والتكتيكية، والبشرية والقيادية، والعوامل غير المعلنة كالجاسوسية، وغيرها من العوامل والعوامل العقدية والنفسية هي الأهم لذا كان لرجال الدين والزوايا دور محوري في الصمود،. علاوة على وضعية الخصم الذي كانت معنوياته منخفضة، وخبرته العسكرية ضعيفة، وقيادته متهورة ومستبدة.
ومعركة وادي المخازن أو القصر الكبير وظفت فيها كل هذه العوامل، وإبرازها يحتاج إلى جلسات، ومع ذلك يمكن الإشارة إلى مساهمة القصر الكبير والمناطق الشمالية، فقد كانت المنطقة في حرب مستمرة وخصوصا في عهد الوطاسيين، وكانت منطقة القصر الكبير قاعدة جهادية قبل المعركة، وكان قائد القصر الكبير أحمد بن طلحة العروسي لا يقتصر على مهاجمة البرتغاليين في أصيلا بل يهاجمهم في ديارهم وراء البحر يقول Bernardo Rodrigues في كتابه حوليات أصيلا Anais de Arzila ص: 568 (( كان قائد القصر الكبير قد اشتراه من بادس. وبما أن العرائش كانت آنذاك كانت تابعة لنفوذ هذا الأخير، وأنه كان متحمسا لأن يلتحق بخدمته بحارة كثيرون، فقد استغل وجود ” يوحنا فاش مايو” في العرائش لتحقيق مبتغاه. لذلك بعث أحد خدامه، يسمى سيدي موسى، إلى باديس لشراء بطسة ذات ستة عشر مقعدا. وسرعان ما اجتمعت في مرسى العرائش مراكب كثيرة، أصبح ‘يحنا’ المذكور كبير ربابنتها بعد أن منحوه كل ثقتهم، ولا سيما بعد أن أظهر عداءه لبني جلدته.

 

لنعد الآن إلى البسطة والهجوم الذي قام به. فلما وصل إلى مدينة ” فارو” نزل منها مائة رجل خربوا البساتين ونهبوا البيوت وأسروا خمسين أو ستين شخصا. …وعاد ” يوحنا فاش” بتلك الغنائم إلى العرائش ومعه سبعون أو ثمانون أسيرا، فأحسن القائد استقباله، وأغدق عليه العطاء، وخصه بنصيب وافر من عائدات الغنائم. ولما أسلم ” يوحنا فاش” تسمى باسم أحمد وهو اسم القائد……)).
وجاء في كناشة مولاي الحسن بن أمحمد ابن ريسون التي أورد نصوصها الأستاذ محمد بن عزوز حكيم في كتابه مساهمة رباط تازروت في معركة وادي المخازن في الصفحات 70 -72 ? ومن 75 إلى 81. ما يلي (( وفي ليلة 16 جمادى الأولى 986 – موافق 21 يوليوز 1578م قام المجاهدون بمهاجمة معسكر النصارى بضواحي أصيلة ثم أعادوا الكرة يوم 18 من نفس الشهر ‘ 23 يوليوز’ حيث قتلوا عددا من النصارى وأسروا أربعة من جنود النصارى أتوا بهم إلى قريتنا ……وبعد قراءة السلك والدعاء لمولانا الإمام بالنصر والتأييد، نزلنا جميعا إلى القصر من أجل الالتحاق بباقي المسلمين، وكان عدد الراكبين منا يفوق ستمائة رجل وعدد الرجالة لا يقل عن 2000 من المجاهدين …….ولم يكن وصولنا إلى القصر إلا يوم الثلاثاء 24 جمادى الأولى موافق 29 يوليوز لأننا قضينا الليلة الأولى بسماتة والليلة الثانية بقبيلة سريف، وكان دخولنا القصر يوما لم أشاهد مثله في حياتي قط حيث خرجت المدينة عن بكرة أبيها لاستقبالنا والرجال يهتفون ويدقون طبولهم والنساء تزغردن…..وفي اليوم التالي وكان يوم الجمعة وصل مولانا السلطان وجيوشه المظفرة إلى ضواحي القصر، وفي هذا اليوم التحق بنا أهل مدينة )).
يقول د. إبراهيم حركات في كتابه المغرب عبر العصور ج: 2. (( إنه يكاد يجزم أنه لا يوجد قوم أقل خوفا من الموت مثل هؤلاء القرويين المحيطين بالقصر الكبير..)).
وحسب الوثائق غير المنشورة لتاريخ اسبانيا مجلد 100. ص: 451 فإن قتل سبستيان لم يكن علي يد القوات النظامية بل على يد المجموعات البشرية جاء في الوثائق ما نصه:
(( وهكذا قدموا وحاصروه من كل جانب، ولما رأى أنه ليس في استطاعته الفرار، أمر الملك أحدا من أقربائه رفع راية صغيرة بيضاء كعلامة أنه يريد ذلك.
هكذا وقع، المغاربة الذين حاصروه كانوا من العرب، ولا يتفاهمون بالإشارات، هاجموه من كل الجوانب، وقطعوا بالسكاكين الصفائح الفولاذية المربوطة بخوذة رأسه، وأزالوا خوذته وأصابوه بأربع إصابات في رأسه، فمات في مكان المعركة.))

{ الأستاذ أخريف هل هناك جوانب انفردت بها المعركة ؟
> هناك معارك كبرى في تاريخ الإنسانية مثل معارك الحروب البونيقية، ومعارك المسلمين في الأندلس، ومعارك بين الثمانيين اسباني، ومعارك أثاء الحربين العالميتين، لكن معركة وادي المخازن فريدة من نوعها فرغم مرور 433 فزيادة على أصدائها الكونية، لا زالت الأبحاث تزودنا بالجديد.

{ هل يمكنك توضيح ذلك؟
> فيما يخص الأصداء، فيمكن تقسيمها إلى قسمين أصداء في الكتب والمصادر، وأصداء لدى اليهود.
1 – في الكتب والمصادر:
– جاء في مرآة المحاسن ص: 100. (( وكان شجاعا رابط الجأش، ثابت الجنان، لا تستفزه الحوادث، ولا تهزه الطوارق، ولقد كان في أحد الجناحين ? وأظنه الميسرة ? من عساكر المسلمين في مقابلة النصارى – دمرهم الله – ومقاتلتهم في الغزوة العظمى التي كانت بتامدة من حوز القصر الكبير سنة ست وثمانين وتسعمائة )).
– يسميها الفشتالي مشهد الفتح ص: 39 -40. قائلا: (( ولما انعقدت بيعته المباركة بإتفاق المسلمين عليها كافة في مشهد الفتح…))
– وجاء في كتاب EDMUNDO DE AMICIS:ص 144 من كتاب MARRUECOS (( كنا فوق معركة القصر المشهورة التي أرعبت أوروبا، وكان لها صدى الابتهاج من فاس إلى القسطنطينية، ذلك النهر هو وادي المخازن..)).
– وجاء في كتاب HJOSE HERMANO SARAIVA من كتاب HISTORIA DE PORTUGAL (( في سنة 1576 ظهر أكبر مشروع عسكري لاحتلال العرش المغربي، الذي يوجد فيه مغربي مساند من طرف الأتراك، وهذا يعني أن سلطان تركيا سيهيمن على كل شمال إفريقيا وهو خطر على شبه الجزيرة وعلى كل أوروبا )).
2 عند اليهود:
– اعتبرها اليهود تخليصا لهم، فقد جاء في نص ترجمه الأستاذ عبد العزيز شهبر لابن دنان بجريدة أنوال ص: 10.عدد: 2100. (( وكانت تلك الملحمة العظيمة سنة 5338 لبدء الخليقة في
اليوم الثاني من أيلول. ولهذا قطع الحاخامات، رعاهم ربهم وأبقاهم، على أنفسهم وعلى خلفهم، اعتبار ذلك اليوم عيد بوريم تعطى فيه الصدقات للفقراء ويحتفل به إلى أن يأتي المسيح..)).
– ونقلا عن المصادر الاسبانية غير المنشورة مجلد 100 ص: 414 ? 458. نجد في موقع Batalla de Alcazarquivir – Wikipedia (( ورأى فيها اليهود المنحدر ون من المطرودين من البرتغال في هذه الهزيمة عقابا إلهيا للسلالة الملكية البرتغالية.
والجالية اليهودية في فاس وطنجة وتطوان وغيرها من المدن الشمالية للمغرب كانت تحيي يوم الخلاص ذلك purim، في اليوم الثاني من بداية شهر Elul، معتبرينه يوم عيد للخلاص (من السبستيانية، والبعض من المسيحية) لأنفسهم وذريتهم، ومنذ ذلك الحين، وطبقا لما هو متعارف
عليه، أن دون سيباستيان الذي كان قد وعد بأنه ” إذا انتصر، سيقدم للسيف كل يهودي الذي سوف لا يقبل التحول عن دينه.
ويحتفل به سنويا وفيه يغلقون متاجرهم ولا يعملون، وتعطى فيه الصدقات للفقراء من أجل تذكر عجائب الله. وفي معبد تطوان Tefilá Pintada o de Kalilia اعتادوا على رمي النقود على الأرض بعد قراءة التوراة لإدخال الفرح على الأطفال الذين يجمعونها، وزيادة على ذلك يقدموا الهدايا للأطفال، ويطعمون. والبعض اعتاد على أكل فاكهة التين الشوكي لأنه وفقا للأسطورة فإن سيباستيان لقي حتفه في حقلها…))
أما الجديد في الموضوع فيتعلق بمساهمتين جديدتين في المعركة لم تقع الإشارة لهما في الكتابات العربية وهي على الشكل التالي:
– جاء في بحث Miguel Angel de Bunes Ibarra من كتاب Irlandeses en Marruecos ص: 6 ما يلي:
(( قائدا هذه القوات هما: Hércules de Pisa y Thomas Stucley، على الرغم من أن الأول تحت إمرته 600 من الرجال. هذا المعطى يؤكد أنه من بين الجنود يوجد أناس من كلا البلدين إرلندا وإيطاليا……. وعلى أي حال، فالمعطى الأكثر أهمية للأصل الإرلندي لكثير من هؤلاء الإيطاليين يوجد في قائمة ألأسرى التي أنجزت في كل من اسبانيا والبرتغال في الأشهر الموالية ل 4 غشت حيث حاول المنقذون إرجاع حرية العدد الكبير من أسرى Alcazar-Quivir ، وقد وجدت في قوائم الأسرى والذين تم افتداؤهم ألقاب إرلندية أوأسماء المدن أو
قوائم المحررين وفي كثير من الأحيان وجدت في قائمة الأسرى المعتبرين كإيطاليين. لألقاب الايرلنديين أو المدن أو ألقاب الآباء أو الأسر من الجزر البريطانية)).
– وتحدث BENNASSAR (Bartolomé في كتابه EL CHOQUE CULTURAL ENTRE CRISTIANOS ص: 23 عن استخدام مرتزقة فرنسيين وإسبانيين وإيطاليين مرتزقة في معركة وادي المخازن ((هزم ملك البرتغال، دون سبستيان، وقتل في محاولته لاحتلال المغرب في المعركة الشهيرة ب Alcazar-Quivir ، وبالملوك الثلاثة، سنة 1578. قاتل إلى جانب القوات البرتغالية، الكثير من المرتزقة الفرنسيين والاسبانيين والايطاليين.)).
– ويقول Miguel Angel de Bunes Ibarra عن العناصر التي أصبحت في العاصمة البرتغالية في عهد سبستيان والتي لا شك أنها ستكون بجانبه : (( دون سيباستيان من البرتغال.
ولأسباب قد تصعب الإشارة إليها في هذه الصفحات، جعل سياسته مختلفة تماما عن العاهل الآخر لشبه الجزيرة، وبالخصوص من انكلترا، والمغرب. وفي الوقت نفسه تحولت العاصمة البرتغالية إلى واحدة من المناطق المفضلة للإقامة بالنسبة للمنفيين الكاثوليك: إرلنديين وإنجليز مثل Wolf وولف اليسوعي، أو الأساقفة، James Fitzmaurice و Thomas
Stucley)).

{ هناك إشكالية غرق الجنود ومحمد المتوكل في شهر غشت الذي يتميز بالجفاف وارتفاع درجة الحرارة، هل من تفسير لذلك؟
> لا يوجد جواب مقنع لظاهرة مضى عليها 433 سنة، لها ارتباط بالجيومورفولوجيا والمناخ والبيئة والأسطورة، وبناء على هذا قمنا بزيارة لفضاء المعركة صحبة الأساتذة د. محمد يعلى ود. عثمان المنصوري و.دة. زليخة بنرمضان والأديب محمد العربي العسري والمهندس عبد النبي المغراوي وأعضاء من المجلس العلمي المحلي بالعرائش بمناسبة إحياء ذكرى وادي المخازن من طرف المجلس المحلي بالعرائش وجمعية
البحث التاريخي، زرنا القنطرة الرومانية واستقبلنا الأستاذ العلام في المركز الثقافي بالسواكن الذي شاهدنا إصلاحات فيه، وتبين لنا في عين المكان أن ما كتب عن المعركة كان من بعيد، ورغم استصلاح الفضاء وتغيير بعض معالمه، فقد توصلنا إلى بعض الافتراضات وبعض الاستنتاجات ومنها:
1 أن القنطرة الرومانية المجاورة لقرية أولاد بن الصيد على وادي المخازن لم يقع فيها أي تكسير، وأن الجزء المحاذي لقرية العذب ربما لقنطرة أخرى هي التي ربما تم تفجيرها.
2 أن غرق الجنود يوم المعركة ربما ثم في السبخات والبرك التي كانت موجودة في فضاء المعكرة المكونة من نهر وارور ، لأن الفضاء بأجمعه يسمى بتامدة أي أرض المروج السبخات التي تحتفظ بالمياه حتى في فصل الصيف، إضافة إلى حفر في نهر وادي المخازن لأن المعركة وقعت بعيدا عنه ولم يكن له أي دور في انهزام البرتغاليين، وإنما في إعاقة الهاربين فقط.

{ إذا كانت المعركة بهذا الحجم وهذا البعد الكوني ألا يمكن أن تكون عاملا من عوامل التنمية في المنطقة ؟
> إحياء ذكرى المعركة يجب ألا يبقى رهينا بالشكل التقليدي، أي تخليد الذكرى بالخطابات والندوات فقط، بل يجب أن يتعدى ذلك إلى ما هو اقتصادي واجتماعي، وذلك ب:

1 – إدماج فضاء وبقايا المعركة في الإطار العام للتنمية المحلية ولإقليمية، وفي المشاريع السياحية بالجهة والإقليم، وربطها بمشروع رأس الرمل السياحي الضخم بالعرائش.
2 – وضع علامات على الطريق لإرشاد السائحين إلى مكان المعركة، فالخارج من مدينة العرائش والمتوجه إلى القصر الذي سميت المعركة باسمه في العديد من الكتب، لا يجد اسم المدينة بارزا، بل يجد اسم سوق أربعاء الغرب وهذا مؤسف.
3 – وضع إقامات أو فنادق للإقامة بالموقع.
4 – بناء وإبراز بعض قبور القادة والدعاة الذين استشهدوا في المعركة سواء في القصر أو في فضاء المعركة.
5 – خلق مكتبة بعين المكان، وتزويدها بكل الكتب والأشرطة المتعلقة بالمعركة.
6 – جمع التراث الشفوي المرتبط بالمعركة، من أزجال وأشعار التي تعتبر من مصادر المعركة، والتي ضاع منها الكثير مع الأسف.
7 – إقامة متحف تجمع فيه كل الأدوات التي ساهمت في المعركة يصبح معرضا لمغرب القرن السادس عشر، وكذا الأدوات البرتغالية، الشيء الذي سيؤدي إلى تحريك النشاط السياحي في المدينة التي عانت الكثير، ولا شك أن المتحف الذي تقوم ببنائه المبادرة الوطنية للتنمية البشرية
بعمالة إقليم العرائش على أرض للأحباس والمجلس البلدي، والذي ستقوم بتجهيزه المندوبية السامية لقدماء المقاومين وجيش التحرير، سيكون له أثره في إحياء وصيانة الذاكرة الوطنية.
8 – إقامة لافتة رخامية في المكان الذي كان فيه جثمان ملك البرتغال بدار المخزن سابقا، أو ما يعرف بفندق الجوهر بحي القصبة بجوار الجامع العظم.
9 – جعل مناسبة المعركة عاملا للتواصل لا للنفور بين المغرب من جهة واسبانيا والبرتغال من جهة أخرى، وتقوية الروابط مع البرتغال التي تقف إلى جانب المغرب في قضيته الوطنية.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع