أخر تحديث : الإثنين 26 ديسمبر 2011 - 6:58 مساءً

حوار حول الترجمة مع الباحث والقاص والمترجم محمد سعيد الريحاني

بوابة القصر الكبير ـ متابعة | بتاريخ 26 ديسمبر, 2011 | قراءة

أجرت الحوار الأمريكيات ريبكا ثيبو وشانيال رايت وتيفني سانت دجون

Rebekah Thibadeau, Shaniel Wright & Tiffany St. John

سؤال: عند ترجمة النصوص، ألا يخامرك أحيانا إحساس بإفلات الكلمات من بين يديك؟

 

جواب: أعتقد بأنه من الضروري التمييز بين المترجم الموسوعي المستعد دائما لترجمة أي شيء في أي حقل في أي وقت وبين المترجم الأدبي الذي هو في الغالب الأعم إما كاتب أو ناقد أو قارئ جيد للأعمال الأدبية والذي يتخصص في ترجمة الحقل الأدبي الذي يشعر فيه بقدرة أكبر على العطاء…

وما دمت معنيا بسؤالك، فأنا كاتب في مجال الإبداع السردي. أكتب في مجال الرواية والقصة القصيرة والقصة القصيرة جدا… وحين يتعلق الأمر بالترجمة، فطبيعي أن ألجأ إلى اختيار النصوص المنتمية لهذه الأنواع السردية بطويلها وقصيرها دون أدنى شعور بالتردد وأن أباشر نقل النصوص دون أدنى حس بالإبحار بعيدا نحو الضياع…

سؤال: هل يساورك أحيانا الشعور بابتعاد النص عن أصوله الثقافية بُعَيد ترجمته؟

جواب: عند نقل نص إلى لغة أخرى، يتم بموازاة مع العملية نقل العديد من السياقات على مستويات عدة: اجتماعية وسياسية وثقافية ودينية… مُشَكَلَةً ما أسميه ب “قوة النص” أو “روح النص” والتي، إذا ما أحسن تشغيلها،  تحفظ النص من الاجتثاث من ثقافته الأصلية وتربته الأدبية…

سؤال: هل تتغير رسائل نصوصك بعد ترجمتها؟

جواب: بالنسبة لنصوصي، أنا من يترجمها إلى لغات أخرى. وهذا قد يبدو طريفا لكن الأسباب التي احتفظت بها لنفسي لمدة طويلة يمكن بعد سماعها أن تجعل الأمر مقبولا.

عند ترجمة نصوص “غيري” من الكتاب، ألتزم الصرامة المنهجية في الترجمة في نقل قوة النص ومعجمه إلى اللغة الأخرى في الثقافة الأخرى. بمعنى آخر، عند ترجمة نصوص “غيري” من الكتاب، الوفاء للنص المترجم يصبح أكثر من أولي وأكثر من مقدس…

أما عند ترجمة نصوصي الإبداعية، فإنني أكون أكثر حرية ولذلك ألجأ إلى مقاربة مختلفة تماما ما دامت الترجمة توفر فرصة دهبية لإضافة ما لم يعد مسموحا بإضافته للنص الإبداعي المنشور ورقيا، كما يمكن اللجوء لآليات أخرى كالحذف والتعديل وإعادة كتابة ما لا يوافق السياق الثقافي الجديد للغة المترجم إليها…

سؤال: لماذا الإصرار على إخراج النصوص من اللغة العربية إلى لغات أخرى؟ ما محفزك على ترجمتها؟

جواب: للترجمة عدة وظائف حيوية التي، إذا ما استثمرت بشكل مناسب، يمكنها أن          تعطي نتائج جيدة. وتوضيحا للأمر، سأسوق بعض الأمثلة…

فالترجمة تساهم في التقريب بين الثقافات وإقامة حوار بين الحضارات ومحاربة الشوفينية. إنها إحدى القيم الرئيسة في فلسفة التعايش والتقارب ما دام عدوها الأول هو “التمركز حول الذات“. فبتقارب اللغات، تتقارب الثقافات وتتقارب معها الشعوب…

غاية الترجمة الثانية هي مد الجسور وإعطاء صورة إيجابية عن الدات في مراحل الازدهار كما تفعل اليوم اليابان والولايات المتحدة وأوروبا عبر تصدير ثقافاتها أو صورها إلى العالم بمختلف لغات شعوبه…

على المستوى الفردي، تلعب الترجمة وظيفة المرآة بعكسها لصورة الذات على لغات الآخرين وهو ما حدث للشاعر والفيلسوف الألماني فولفغانغ غوته، مؤلف “فاوست“، الذي تفاجأ كثيرا عند قراءته للنسخة الإنجليزية من كتابه وتعرف على الرؤى الجديدة التي أغفلها هو نفسه في اللغة الأصل من النسخة الأصلية التي حررها بيده…

الترجمة أيضا تسهل وصول العمل الأدبي إلى لغات حية أخرى كشكل من أشكال “الإنقاد الثقافي” و”الإغاثة الثقافية” عن طريق إيداع المنتوج الثقافي في بنوك التاريخ في أزمنة الظلام الحضاري والتدهور العام كما حدث مع الفيلسوف العربي ابن رشد في القرون الوسطى حين أحرقت كتبه بالكامل ولم  ينج من الحرق غير كتبه المترجمة إلى  اللغة العبرية التي لولاها لضاع ابن الرشد  إلى غير رجعة ولضاعت الرشدية إلى الأبد…

سؤال: نص “حب على الشاطئ” لهشام حراك يبدأ بعبارة “درجة الحرارة الكامنة بداخل صدرها تتجاوز، بكثير، درجة الحرارة عند منتصف أغسطس” (كتاب “صوت الأجيال: أنطولوجيا القصة الإفريقية الجديدة ،”ترينتن: أفريكا وورلد بريس، عام 2010، الصفحة 159).  إذا كان الأمر يتعلق ب “اشتعال” حب أحد الشخصيتين في النص للآخر، لماذا لجأت لهدا الخيار اللغوي والأسلوبي بالذات؟

جواب: أحيانا، ينتصر الوفاء للنص على كل ما عداه من خيارات متاحة.

سؤال: نصك “إغراء أزرق“، هل كتب في الأصل باللغة الإنجليزية أم باللغة العربية؟ ثم لماذا انتصرت لكلمة “وكر” على الصفحة 30 بدل استعمالات لغوية أخرى لمستويات دلالية أخرى ك “عش” أو “مسكن“؟

جواب: عناوين النصوص السردية هي المفاتيح الرئيسية لفهم النصوص ذاتها ورصد بنياتها وتحديد أدواتها. لذلك، عند ترجمة النص، يُنْصَحُ بالحذر الشديد لأن أي تحريف ترجمي للعنوان قد يغير اتجاه النص برمته ويحوله إلى آفاق جديدة من التلقي…

“إغراء أزرق” هو عنوان النسخة الإنجليزية من نصي القصصي القصير “وطن العصافير المحبطة” المكتوب باللغة العربية والمنشور ورقيا في طبعة عربية. وهذا هو التعديل الوحيد في النص ما دام النص في نسختيه العربية والإنجليزية، كتابة وترجمة هو نصي. أما نصوص غيري، فيحرم علي أي إخلال بالمعنى او المبنى أو تغيير العنوان…

“وطن العصافير المحبطة” نص يتمحور حول  التوق للحرية من خلال ثلاث قفزات سردية على درب الطيران: قفزة الاستسلام للأمر الواقع ونموذجها الأب الكسيح، وقفزة التهور ونموذجها الطفل أخ السارد، وقفزة إرادة الحرية والتحرر والطيران التي أجلت لختام النص ككلمة أخيرة ب”خطاب مباشر“:

– “سأطير، يا أبي، وسأنجح في ذلك“.

“إغراء أزرق”، في النسخة الإنجليزية، أو “وطن العصافير المحبطة“، في النسخة العربية، يمكن اعتباره نصا رمزيا Allegory كما يمكن اعتبار معجمه اللغوي مختارا بعناية. وعليه، فكلمة “مسكن” تحيل على الإنسان، وكلمة “عش” تحيل على الطير بينما كلمة “وكر” تحيل عليهما معا وتصل هذا بذاك…

(أجري هذا الحوار بمناسبة إدراج كتاب “صوت الأجيال: أنطولوجيا القصة الإفريقية الجديدة “ضمن دراسة المؤلفات في جامعة هارتفورد Hartford بولاية كونكتكت Connecticut الأمريكية لموسم 2011، وهي الأنطولوجيا التي احتفت بالقصة المغربية من خلال ثمانية نصوص أشرف على اختيارها وترجمتها من العربية إلى الإنجليزية محمد سعيد الريحاني)

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع