أخر تحديث : الإثنين 27 أكتوبر 2014 - 10:20 مساءً

مطفية المسجد الأعظم: السر المدفون

سفيان البوطي | بتاريخ 17 أكتوبر, 2014 | قراءة

إن القارئ لصفحات التاريخ الخاص بمدينة القصر الكبيرغالبا ما يصادف في طريق بحثه معلمة أثرية بدأ وجودها مع الوجود الإسلامي الأول بالمدينة، ويلفت نظره تخصيص العديد من المؤرخين والباحثين منذ قرون مضت حيزا مهما من كلامهم على على المدينة لهذه المخلفة المعمارية، المتمثلة في المسجد الأعظم.

ووعيا من الوسط القصري بمختلف مكوناته بقيمة هذا المسجد التاريخية قررالقيام بعملية إصلاح وترميم شاملة للمسجد الأعظم رغبة منه للحفاظ على قيمته وجماليته الفنية، وذلك طبعا بعد العديد من الإصلاحات التي تعاقبت عليه في ما مضى من تاريخ وجوده.

فعلا بعد بذل مجموعة من مؤسسات المجتمع المدني بالمدينة على رأسها جمعية البحث التاريخي والإجتماعي بالقصر الكبير، وبعد العديد من الطلبات التي رفعها سكان ” سوق الصغير” المحاذين للمسجد بعد أن أصبحت بناية المسجد تشكل خطرا حقيقيا عليهم، تم بحول الله وقوته سنة 1986م إنطلاق هذه العملية، لكن قبل الشروع في هذه الخطوة اصطدم المشرفون على مشروع الإصلاح بواقع المطفية التي توجد تحت المسجد، حيث تضاربت الأقوال والأطروحات حولها وعلى أبعادها وتاريخها خاصة من طرف ساكنة المدينة، فهناك من يرجعها إلى العصور الرومانية رابطا إياها بدير لعبادات الشمس، وهناك من ربطها بالديانة المسيحية جاعلا منها كنيسة تحت الجامع، وهناك من يجعل منها مسجدا قديما تحت المسجدالحالي، وهناك من بالغ هذا الحد وجعلها متصلة عبر نفق سري بوادي اللكوس الشهير… .

وبعد هذا الأخد والرد بدأت أشغال الإصلاح بالمسجد تشق طريقها عبر مرحلتين كما حدثنا عنهما الأستاذ الباحث محمد أخريف مؤرخ المدينة بتفصيل تام في أحد مقالاته المنشورة بأحد المواقع الإلكترونية قائلا:
المرحلة الأولى: ” قمنا في البداية بالتعرف على عمق المطفية بواسطة قضيب من الحديد فتوصلنا إلى عمق يقدر بنحو 5.20 متر و كان هذا بداية لإزالة الخوف ، و كانت الأعمال متابعة من طرف المسؤولين و منهم : السيد عامل الإقليم مولودي بوسيف الذي رعى الأعمال من بدايتها إلى نهايتها و باشا المدينة السابق السيد محمد البقالي و السيد رئيس المجلس البلدي محمد الطويل ، و السيد الناظر عبد الرزاق الحمدوني الذي كان يتردد على الجامع .

و بعد إذن السيد رئيس المجلس في 10 أكتوبر 1986 قمنا بإفراغ التنور بواسطة مضخة صغيرة في ملك المجلس البلدي إلى حدود حوالي 60 سم فظهرت فتحتان في الجهتين الشمالية و الشرقية فربطنا آلة التقاط الصور في عمود و أنزلناها في هذا الفراغ و بدأنا في إلتقاط الصور أوتوماتيكيا و بعد إخراج الصور ظهر لنا ما يلي : وجود فراغ من جهة الشرق فوقه قبو محدد مملوء بالمياه في أسفله يشبه سقف الحمام التقليدي ، فاعتقدنا أن المطفية عبارة عن هذا المكان و ربما أن العمق سيكون أكبر ، تم عاودنا المحاولة في 11 نونبر من نفس السنة لكنها باءت بالفشل لكون المضخة لم تخرج المياه المطلوبة فبدأت بعض الأقاويل تربط هذا الفشل بما هو موجود في المخيلة الشعبية لأن العمل كان على مرأى و مسمع من الجميع نظرا لكون الجامع كان دائما مملوء ا بالعمال  و الزوار ، بل ان البعض من محبي هذا الجامع كان يقضي كل اليوم فيه كالمرحوم أحمد النخشى ؛ ثم أفرغ جزء منها بواسطة رجال الوقاية المدنية في مدة 50 دقيقة و ظهر فيها التراب و بعض الأحجار الصغيرة و قمنا بنفس عملية التصوير ، و بعد يوم تبين بعد إخراج الصور الثانية أن المطفية اكبر حجما مما كنا نتصوره و برزت كومة من التراب ذات سمك مرتفع في وسطها”.

أما المرحلة الثانية: فيتحدث عنها قائلا:  “بدأت هذه المرحلة في 06/08/1987 بهدم جانب من التنور بجانب المطفية بحضور السيد رئيس المجلس البلدي وأعضاء من اللجنة الموقرة الحاج محمد الحداد ،والسيد مصطفى اليعقوبي ، والمرحوم أحمد النخشى وأثناء الحفر وجدنا أربع مستويات الأول عمق 13 ستنمتر والثاني على عمق 85 سنتمتر المشرول والثالث على عمق 1.15 سنتمتر والرابع على عمق 1.53 سنتمتر وكان ذلك بتاريخ 15/08/1987 كما وجدا سورا من الحجر والجبر قياس بعض أحجاره ( 70على 50 23و 50 على 40 على 23 ) يمر بالزاوية الجنوبية الغربية وآخر في شمالها من الشرق إلى الغرب .وتعرفنا على سور المطفية المبني بالأجور بالإضافة الى سور من الحجر عرضه 20 سنتمتر يحيط بها فيكون سور المطفية إضافة الى السور الملتصق بها هو 50 سنتمتر.

وفي 17/08/1987 وقعت محاولة أخرى لإفراغها وفي هذه المرة ظهر القبو بأجمعه ،وبواسطة قضيب من الحديد حاولنا التعرف على يمين ويسار التنور فكانت المفاجأة التالية وهي دخول القضيب في كلا الإتجاهين ومن تم  لم نبقى أمام مطفية واحدة،بل هناك شيء آخر غير معروف .

ووقع التفكير في إدخال حفارة البلدية (تراكس) الى داخل الجامع وفكرنا في المكان الذي ندخلها منه وأخيرا اهتدينا الى إدخالها من جهة الجنوب بعد حفر مستوى الممر تحت القوس ومرة أخرى تعرفنا على بئر عن طريق الصدفة مبني بالأجور والجير قياساته على الشكل التالي : من الخارج 1.40 متر 1.10 متر ومن الداخل 85 سنتمتر 60 سنتمتر أما العمق فحوالي خمسة أمتار وهو مملوء بالتراب وهكذا سيكون عاملا من عوامل تفسير وظيفة المطفية فيما بعد .

وفي 26/08/1987 أدخل التراكس وحفرنا بجانب المطفية واكتشفنا قبو أخر يسار المطفية الأصلية لها تنور قياسه 50/35 سنتمتر ثم كشفنا النقاب عن قبو ثالث من جهة الشمال .

وفي 27/08/1987 تعرفنا على القبو الرابع من جهة الجنوب وهو آخر قبو ثم العثور عليه،ثم حفرنا من جانبها فتأكدنا من أبعادها فكان هذا الإكتشاف حافزا على النزول اليها وإفراغها وأثناء الحفر وجدنا سورا من الحجر متجها من الشرق الى الغرب على بعد 1.55 سنتمتر .

ثم قام المجلس البلدي بالإتفاق مع شركة الضخ والتطهير شارع الحسن الثاني فاس من أجل افراغها وبعد الإتفاق جاءت الشركة وبدأت في عملها بواسطة الشاحنة المضخة وقضت حوالي أربعة أيام من العمل أخرجت عددا هائلا من الطين ثم انسحبت تاركة نصف البناء المكتشف مملوأ بالطين والماء أخذة 20.000 درهما مدعية أنها وصلت الى مواد صلبة لا يمكن إخراجها بمضختها والواقع أنها ربما تخوفت من سقوط البناء بعد ظهور الأقبية الأربعة من الأسفل وظهور الأقواس والأعمدة وأهم ما نتج عن هذه المرحلة بواسطة هذه الشركة هو إزالة التخوفات والشكوك بظهور البناء بأجمعه تاركة التراب على إرتفاع 40 2م فعزمنا على إفراغها نهائيا والتعرف على الأماكن التي تأتي منها المياه وعلى أبوابها  إن كانت لها أبواب .

ووقع فانتظار إلى سنة 1989 وفي 04/07/1989 بدأت الأعمال في إخراج الأتربة والطين والمياه بواسطة عمال من البلدية بطريقة تقليدية حيث أخرجت كمية مهمة من الأتربة والطين والأجور المكسر والأواني الفخارية المختلفة الأنواع والأحجام وبدأنا ننزل اليها كل مرة لمراقبة عملية الإفراغ كان ذلك 7/8/1989 وفي 10/10/1989 .

وفي 21/10/1989 انتهت الأعمال ونزلنا للتأكد من ذلك مرة ثانية وأغرب ما وجد في هذا النزول الثالث من الجهة الجنوبية ومقابل البئر الذي وجدناه أثناء ادخال التراكس قادوس قطره 15 سنتمتر في قعر المطفية محاط بالرصاص الملتصق في جدارها بطريقة غريبة .

وفي 26/10/1987 نزلنا جماعة السادة ممثل رئيس المجلس البلدي محمد أخريف مصطفى الدبدوبي المكلف بتزويد الجماعة بالمواد من طرف المجلس البلدي،أكنى نجيب المكلف بالمحافظة والمراقبة للهندسة المعمارية الحاج محمد الحداد عن اللجنة المحلية لبناء الجامع، مصحوبين بجهاز كاميرا الفيديو والعمال وقمنا جماعة بالبحث عن باب هذا البناء ولم نعثر بثاثا عم أي منفذ ثم قمنا بأخذ القياسات التي كانت على الشكل التالي :
الطول العام للمطفية (10.80 م) من الشمال الى الجنوب الإرتفاع (4.9 م)زائد 2.30م بين ظهر المطفية وأرصية الجامع ، فيكون العمق العام للمطفية من أرض صحن المسجد الى قعرها (6.90م)
عرض المطفية (6.20م) وسورها 30 سنتمتر الإرتفاع من أرضيتها الى الأقواس الأولى (3 م) . تحتوي على أعمدة مربعة عمودية قياس كل عمود ( 63ء63 سنتمتر ) وإذا اتجهنا من الغرب الى الشرق نجد الفرق بين الأعمدة كالتالي 1.56 م ،1.60م ،1.56م”.

وبعد استكشاف العديد من أسرار المطفية يبقى السؤال المطروح هو: أين هو المواطن القصري من هذه المعلمة الأثرية ؟، أليس له حق مشاهدتها والاستفادة منها في حالة جعلها أحد عوامل استقطاب السياح ؟، أم أن المطفية سر لا يحق لجموع القصريين الاطلاع عليه؟.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع