أخر تحديث : الأحد 27 أغسطس 2017 - 4:57 مساءً

التوظيف التربوي للتاريخ المحلي بالقصر الكبير

عبد الرؤوف الزكري | بتاريخ 27 أغسطس, 2017 | قراءة

الزكري عبدالرؤوف

كان استحضار البعد المحلي والجهوي في البرامج والمناهج التربوية والتكوينية، مطلب الكثير من الفاعلين التربويين. سواء عند الحديث عن لغة التدريس، بجعل اللغة المحلية هي لغة التواصل داخل فضاء القسم بالنسبة للملتحقين الأُوُل بالمدرسة، أو عند التطرق للتربية البيئية وباقي المواد الاجتماعية، باعتبار الإكراهات والتحديات التي تطرحها كل منطقة وجهة، الأمر نفسه ينطبق على سوق الشغل الذي يوفره المحيط المحلي تبعا للأنشطة الاقتصادية التي تميز المنطقة الذي يقتضي ملاءمة المناهج الدراسية والشعب التكوينية لحاجياته. وغير بعيد عن هذا النسق القيمي الذي يسم الثقافة المحلية، في وطن يعرف غنى في روافده الثقافية والحضارية واختلاف المنظومات القيمية بين جهاته. فأين تتجلى الأهمية التربوية للدرس التاريخي؟ وما الغاية التي تتوخاها منظومة التربية والتكوين من تكريس البعد المحلي في اشتغالها؟

التاريخ  معرفة بالذات وتطوير للمجتمع:

تنير دراسة التاريخ للإنسان الطريق لمعرفة نفسه وهو « أعظم ما يبحث عنه الإنسان ». كما أن «أعظم الجهل أن يجهل الإنسان نفسه » ومعرفة الإنسان بنفسه لا تقل أهمية عن حاجته في معرفته بمجتمعه والمجتمعات الأخرى. ويلبي الرغبة في معرفة علاقته بالماضي. والاستفادة من إيجابيات السابقين ربحا للوقت والجهد وتجنبا لهدر الطاقات، وهو ما يختزله المنفلوطي في قوله: « من يعرف التاريخ الذي سبق، يضيف إلى عمره عدد سنوات ذلك التاريخ ».

ودراسة التاريخ من العناصر الأساسية التي تساهم في تطور المجتمع . وكل العلوم الاجتماعية لها علاقة به بشكل أو آخر، لأنه الشاهد على الماضي والحاضر، اللذين بدراستهما نستشرف المستقبل على ضوء سنن وقوانين لا تتغير، وإعداد العدة لمجابهة تحدياته. ومن لم « يدرس التاريخ سيظل دائما يكرر أخطاءه » ف « الهزائم في التاريخ الإنساني تعتبر من الأمور المهمة التي تدعونا لنفكر في الماضي للاستفادة منه » (نيقولا براديف) ولنا عبرة في كيفية تعامل فرنسا مع معركة واترلو التي انهزمت فيها أمام إنجلترا، حيث يتم تخليدها بشكل يومي في جو ترفيهي  تعلمي سياحي، لتقديم العبر المستخلصة منها للكبار والصغار حتى تبقى حية في العقول بمسبباتها ونتائجها، والحفاظ على جهوزية الشعب لتفادي تكرارها. وهو ما نصح به نابليون ولده قائلا: « على ولدي أن يقرأ ويحلل التاريخ، الفلسفة الحقيقية الوحيدة»، فهي الفلسفة التي تبين كيف تبنى المجتمعات وتهدم، وتمدنا بالنماذج الناجحة لاقتفاء أثرها، والفاشلة لتجنب مسارها، وملهم لصناع القرار التنموي.

البعد المحلي لمنظومة التربية والتكوين:

« إن غايتنا من التعليم تكوين مواطن صالح…عارفا بالشأن المحلي» الذي هو قاعدة الوطني، واستيعابه يمكن الفرد من إمكانية الفعل والتأثير. وقد كانت الدعوة إلى إعطاء نسبة للبعد الجهوي ضمن المقررات الدراسية، لربط المتعلم بموارد جهته المادية والرمزية التي تميزها عن الجهات الأخرى حتى يتسنى له المساهمة في النهوض بها وتطويرها. وهو ما تسعى إليه منظومة التربية والتكوين حين الحديث عن « تنمية القدرة على المشاركة الإيجابية في الشأن المحلي والوطني » (الكتاب الأبيض). وهو المسعى نفسه الثاوي خلف تكييف العطل الأسبوعية والسنوية مع عادات وتقاليد المنطقة والمناسبات التي تخصها بالاحتفالات، ويوم السوق الأسبوعي. كل هذا وغيره، يقتضي « التعامل الإيجابي مع الثقافة الشعبية والموروث الثقافي والحضاري »(الكتاب الأبيض). مؤكدا أن من شأن ذلك ما يجعل المتعلم « مندمجا في محيطه، مساهما في تطويره ». كما حرص الميثاق الوطني للتربية والتكوين على لفت الانتباه إلى « أصالة النظام التربوي في التراث الحضاري والثقافي للبلاد، بتنوع روافده المتفاعلة والمتكاملة ». والتي على الجماعة الترابية بما لديها من إمكانيات مادية وأدبية في إعطاء « التربية والتكوين الصدارة ضمن أولويات الشأن الجهوي أو المحلي ».

ويعد التاريخ المحلي الذي يعنى بما تزخر به البيئة المحلية من تراث ثقافي وحضاري منطلقا وأساسا لدراسة التاريخ الوطني، ووسيلة للتحسيس بأهمية الشأن المحلي، لخلق المواطن الذي يعمل على المشاركة الفعالة والمبدعة للنهوض ببيئته على جميع المستويات وتحمل مسؤوليته اتجاه ما تعرفه من اختلالات، وإبراز مقدرته على تجاوزها، بضم جهوده إلى جهد الآخرين ممن يشاطرونه نفس الهم المحلي الذي ينبغي أن يكون ضمن اهتمامات الجميع. ولن يكون الأمر كذلك مالم يدرك الإنسان علاقته بالزمان والمكان، ووعيه بخصوصيته الثقافية والحضارية، وأهميته في النسق الهوياتي لشخصيته واتزانها. وما تساهم به البيئة المحلية في كل هذا وما تمدنا به من قيم تشكل اتجاهات المتعلم السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية لما  للتاريخ من « وظيفة ثقافية من منظور البعد الزمني للثقافة » ( هنري مونتيو) مستحضرين جغرافية الوطن وغناها الطبيعي والثقافي.

وقد كان لدول كثيرة قَدم السبق في دمج تاريخها المحلي ضمن المناهج الدراسية كبريطانيا والولايات المتحدة الامريكية وروسيا وغيرها كثير، منذ التعليم الابتدائي، وإنشاء متاحف تعنى به. ويتميز هذا النوع من التاريخ بكونه يركز على الحياة اليومية والإنسان العادي وليس الساسة والزعماء. وهو الذي يجسد الفهم الشمولي للتاريخ حيث « يهتم بكل الفعاليات البشرية وكل ما في الإنسان أو يعتمد على الإنسان أو نتيجة الإنسان أو تجربة الإنسان مما له أهمية في وجود الإنسان ونشاطه وأذواقه وأزيائه » ( لوسيان فيفر).

معركة وادي المخازن نموذجا:

لقد حقق المغاربة نصرا كبيرا في هذه المعركة، رد إلينا ولكل المسلمين الاعتبار بعد مذلة الطرد من غرناطة. وهو ما تمثل في هبة العالم لتهنئة أحمد المنصور على إنجازه البطولي. الذي تحقق بتظافر عوامل ينبغي أن تكون محط عناية تربوية ، وخصوصا ونحن أمام إنجاز تاريخي كبير والمتمثل في :

– تعاضد قوى كل المغاربة، فاس وأحوازها بقيادة أحمد المنصور، ومراكش ونواحيها بقيادة عبدالملك. مع توزيع الاختصاصات، تكفل الثاني بالتخطيط والتصميم الميداني، فيما خاض الأول غمارها.

– وضع الرجل المناسب في المكان المناسب وإن كان من غير قبيلتنا والذي تجسد في قيادة الجيش التي أسندت للتركي رضوان.

– مساندة الجيش بفريق من التقنيين من مختلف المهن والحرف، وطاقم طبي للقيام بالتدخلات الضرورية في وقتها دون إلهاء الجيش عن مهمته  القتالية.

– استغلال مكونات الهوية في الدعم النفسي والحشد القتالي، حيث كان النداء من طرف عبدالملك « أن اقصدوا وادي المخازن للجهاد في سبيل الله » في مقابل المباركة الكاثوليكية وحمل الصليب من طرف الجيش البرتغالي. بالإضافة إلى التذكير بسقوط الأندلس والتي كانت مقدمة لسقوط باقي جغرافية الإسلام إن لم نكن في مستوى عقبة بن نافع وطارق بن زياد، وهو الوقود الذي زاد من شرارة رد الاعتبار توقدا.

مع كل هذه المعاني وغيرها كثير، تشهد موقعتها هجرانا وتنكرا من طرف المؤسسات التربوية التي تنظم رحلات إلى كل الجهات، ولا تكلف نفسها عناء مسافة عشرين كيلومتر ليقف الأطفال والفتيان في واد الحيمر كما يسميه سكان المنطقة لكثرة الدماء التي سالت فيه، ميدان معركة رفعت رأسنا عاليا بين الأمم لمدة طويلة وكانت عاملا أساسيا في تأخر استعمار البلاد بالمقارنة مع دول أخرى، نكران ينضاف إلى التهميش الذي يطال أولاد بن الصيد الذي وثقته هسبريس مشكورة. وغياب المؤسسات الثقافية وذات الاهتمام التاريخي عن نفض الغبار عن أثر قدم سبستيان والقنطرة التي هدمها عبدالملك ليكون النهر مقبرة للجيش البرتغالي. اللذان يؤرخان لمجد لا يكفي الوقوف عنده بكلمات مرة في السنة، بل نحياه ونجدد الاتصال به بعمل ممنهج ليكون أثره راسخ، ومردوده نافع على مدى الأجيال.

أوسمة : , ,

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع