أخر تحديث : السبت 7 نوفمبر 2015 - 7:10 مساءً

عشاء لن يُنسى

أحمد الدافري | بتاريخ 7 نوفمبر, 2015 | قراءة

eddafri

وأنا في مرحلة مبكّرة من عمري، لم أصل فيها بعد إلى سن البلوغ، كنت جالسا رفقة إخوتي في صالة البيت أشاهد في التلفزيون بالأبيض والأسود سلسلة الرسوم المتحركة التي كان بطلها “كاسپر” الشبح الأبيض الطائر، دخلت والدتي الراحلة علينا تجري من بيت الجيران، وهي في حالة حماس لا مثيل له، وقالت لنا بلهجة أمر صارمة:”لبسوا شي حاجة فرجليكم ويالاهو معايا بالزربة للشانطي”. قمنا من أمام التلفزيون كلنا. أنا ولطيفة وخديجة ومحمد جلال وعبد الله وعبد الرحمان الذي كان أصغرنا على الإطلاق. ولم يكن من الممكن بتاتا مناقشة أمر كان بمثل تلك الصرامة. ارتدينا أحذيتنا بسرعة وتبعنا أمي التي كانت قد أخذت إزارا كنا نتغطى به أثناء النوم، والتفّت به في شكل “حايك”، ونزلنا إلى الطريق الرئيسية الرابطة بين الرباط وطنجة الذي يفضي إليها زقاق سيدي بوحاجة، والذي نطل عليه من بيتنا، فوجدنا عددا كبيرا من الناس مصطلفين فوق الطوار. لم تستطع أمي أن تجد لنا مكاناً فارغا نقف فيه. فطلبت منا أن نتبعها. تبعناها والبعض منا ممسك بيدها أو بإزارها مثل فراخ من البط، إلى أن وصلنا إلى المحكمة الابتدائية القريبة من ملتقى الطرق الذي يؤدي إلى مقر البلدية و إلى شارع مولاي علي بوغالب. وهناك وجدنا مكاناً تحلّقنا فيه حول أمي فوق الرصيف، وسط حشد من الناس الذين كانوا يشرئبون برؤوسهم ناحية اليمين في المنحى الذي يؤدي إلى مدينة الرباط. بعد لحظة بدأت تُسمع أصوات محركات مصحوبة بهتافات وأهازيج، لتظهر بعدها شاحنات فوقها عدد من النساء والرجال كانوا يلوحون للناس بأيديهم ويرمون ناحيتهم علب السردين المصبّر. أطلقت أمي زغرودة قوية وبدأت تهتف “الصحراء مغربية. الصحراء مغربية” وهي تبكي.
رحمك الله أمي. وجازى الله خيرا أولئك العائدين من أقاليمنا الصحراوية الذين شاركوا في المسيرة، على علب السردين تلك التي خففت في تلك الليلة التاريخية عن أمي مشقة التفكير في البحث عما تقدمه لنا في وجبة العشاء.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع