أخر تحديث : الأحد 3 يوليو 2016 - 4:14 صباحًا

قيمة العمل في التربية القرآنية

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 3 يوليو, 2016 | قراءة

zekri

عبد الرؤوف الزكري
إن من أهم أهداف القرآن الكريم تربية الإنسان بأسلوب يعتمد على القراءة وإثارة فضول حب الاطلاع، وتنمية الملاحظة العلمية بتوجيهها للتأمل في خلق الإنسان وما بثه الله في أرجاء هذا الكون الفسيح. وأن قابلية الإنسان للتربية مؤكدة ومقسم عليها من طرفه سبحانه أحد عشر مرة«و الشمس وضحاها…..»

وتبقى العقيدة الركن الأساس الذي يشيد عليها باقي الجوانب الإنسانية فكرية ووجدانية وغيرها، والتي يعرضها القرآن دافعا الإنسان إلى تأمل واقعه المادي، في النفس و البيئة من حوله تأملا يوصل صاحبه إلى الإقرار بوحدانية الله وقدرته. والقصد من ذلك كله، أن يتحول ما استنبطه واعتقده، إلى قوة دافعة لتحقيق مقتضيات كل ذلك على أرض الواقع، وليس مجرد ترف معرفي، ولا مناظرة للثقافات والفلسفات الأخرى فحسب، ولا فقط إثبات التفوق المنطقي والبلاغي وإن كان التحدي به قائم، ولا الحفظ والتكرار أعز ما يطلب منه. بل الغاية من هذا وذاك، هو تحقيق العبودية لله، والاتجاه إلى العمل المثمر في إعمار الكون، وتحقيق المقاصد الإسلامية في دنيا الناس. وهذا كان شأن الرعيل الأول من الصحابة الذين كانوا لا يتجاوزون السورة من القرآن حتى يحفظونها ويعملون بها، ومن ثم تعلموا العلم والعمل معا.

فالعلم أساسي في غرس مكارم الأخلاق، وتوجيه الأطفال توجيها سليما لتبني القيم الإيجابية، وإعدادهم للحياة والمساهمة فيها بشكل فعال. فالعلم فريضة عين على كل مسلم، وهو فضيلة في حد ذاته. وإذا كانت العلوم عند مفكري الإسلام، تختلف مقاماتها، وتتفاضل فيما بينها، لكن تبقى معرفة الله عز وجل ورسله وملائكته أشرفها وغايتها، وكل علم لا ترجى منه منفعة دنيوية أو أخروية، فهو مذموم لما ورد عن الرسول(ص):«نعوذ بالله من علم لا ينفع».
ولترسيخ هذه الغايات، سلك القرٱن الكريم مسالك تربوية، ما فتئت علوم التربية تأخذ بها، وتثبت فعاليتها:

التربية بالعمل والممارسة: يلاحظ القارئ لهذا الكتاب، أنه دين يقوم على علاقة متينة بين الإنسان وربه بتجسيد ما يتلقاه عنه عمليا ، فالخطاب يقرن دوما الإيمان(مجردات) بالأعمال الصالحة(المحسوسات)، مع المطالبة بتوجيه السلوك والغرائز توجيها يحقق الآداب والتشريعات الإلهية تحقيقا فعليا. فللأعمال المكانة الأولى في النجاة من عقاب الله. وشرار الناس العالم الذي لا يعمل بعلمه. والعلم ينسى وينقص إذا ترك العمل به. ويزداد بالعمل به وبتعليمه للناس. وهذه حقيقة من حقائق علم التربية وعلم النفس. فتقويم المنجز والمردودية المحققة خير مقياس للتعلم من عدمه، والعمل ينمي شعور الإنسان بالمسؤولية عن صحة العمل، كما ينمي قيمة التواضع واستبعاد الغرور وترك الكسل والتواكل .

التربية بالقدوة: مهما على شأن التنظير التربوي في صياغة منهج متكامل، ورسم الخطط لنمو الإنسان، وتنظيم مواهبه وجوانب شخصيته، فإن ذلك على أهميته لا يغني عن وجود واقع تربوي يمثله إنسان مربي بحاله قبل مقاله، لذلك بعث الله محمدا(ص) ليكون قدوة للناس يحقق المنهج التربوي الذي ارتضاه الله لعباده، والذي «كان خلقه القرٱن» كما قالت عائشة(ض). فهو بحق ترجمة بشرية عملية لتعاليمه وآدابه و تشريعاته. والتقليد هو غريزة في نفوس الناس جميعا، وهو مؤسس و مولد الحاجة إلى القدوة، والتي تستثمر في تخريج النماذج التي يحتاجها المجتمع، لوجود الرغبة الملحة التي تدفع الطفل لمحاكاة الرجل، والضعيف للقوي، والمرؤوس للرئيس، والمغلوب للغالب…..

التربية بالقصص: إن القدوة بما تمثله من تقديم النماذج الخيرة والمرغوب فيها، فإن خيريتها وصلاحها لا تتضحان بشكل أوفى إلا بإبراز نقيضهما وما ينطويان عليهما من شر وبؤس وخسارة العاجل والآجل وغيرها من معاني الثبور والهلاك. فتحقيقا لهذا وغيره، ساق لنا القرآن العديد من القصص لنماذج بشرية لم تستوعب ا لمغزى من وجودها المتمثل في العبودية لله سبحانه، وكيف حملها عنادها وإصرارها على الباطل، إلى الوقوع في الهلاك، وتغيير ما بها من نعم إلى نقم ، بطريقة توحي للقارئ المتدبر أن يكره هذا المسار الانحداري وكره حجج معتنقيه، بشكل مشوق يدفع الإنسان إلى تغيير سلوكه وتجديد إرادته بحسب مقتضى القصة والعبرة المستوحاة منها. ولهذا الأسلوب التربوي أثر فكري ووجداني عاطفي، لا يحققه أي لون من ألوان الأداء اللغوي. وللقصة القرآنية واقعية منسجمة مع الطبيعة البشرية ما دامت علاج لواقع البشر، وغير محلقة في جو ملائكي محض.

ضرب المثل: «بالمثال يتضح المقال» كما قرر الجاحظ، فالطفل غالبا ما يصعب عليه فهم المجردات والأمور الغيبية، كما الراشد أحيانا. ولتقريب المعنى إلى الأفهام، فقد ألف الناس تشبيه القضايا المجردة بالأشياء الحسية، وقياس الغائب على الشاهد. كما ساق الكثير من أصحاب السلوكيات المتناقضة للمقارنة وتبني المسلك القويم المفضي إلى حسن الخاتمة، فطالما استفاد المرء من تجارب الآخرين وخصوصا إذا سيقت في قالب مثير للعواطف كما قال الشيخ محمد عبده: «اختير لفظ الضرب لأنه يأتي عند إرادة التأثير وهيج الانفعال كأن ضارب المثل يقرع به أذن السامع قرعا ينفذ أثره إلى قلبه وينتهي إلى أعماق نفسه» ليستطيع إدراك المعنى وإجلاء أي غشاوة تجتم عليه. حتى يتوفق في التطبيق بحصول يقين أقرب ما يكون إلى يقين الحواس ورأي العين ومعايشة التجربة، الذي يجعل الإنسان مطمئنا إلى وعد الله ووعيده، منطلقا بعزيمة لا تكل ولا تمل في إعمار الأرض بالخير والعدل، والابتعاد عن الموبقات والمهالك.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع