أخر تحديث : الأربعاء 16 أغسطس 2017 - 11:56 مساءً

عزة النفس

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 16 أغسطس, 2017 | قراءة

إدريس حيدر
في سن مبكرة ، أدركت أن الأطفال الذين عرفتهم ، إما من خلال اللعب في الحي و إما في المدرسة أثناء تتلمذنا في مراحل الصبا ، كانوا يتصرفون و يأتون سلوكات ، بحسب التربية التي تلقوها في منازلهم من طرف آبائهم، من دون نسيان العوامل الوراثية التي تولد مع الإنسان من خلال ” كروموزوماتهم ”
وهكذا تعرفت على صبيان بطبائع مختلفة : الطيب، الأرعن ، اللئيم ، الخسيس، المرح، المتخاذل الذليل، المعتز بكرامته…الخ.
كان الأطفال المعتزون بأنفسهم و بكرامتهم و ذو الكبرياء و الأنفة قليلون جدا.
فالطفل يقلد سلوك أبويه ، و يرضع من ثدي أمه أحيانا طبيعته السلوكية.
و ما كان يثير الانتباه ، أن الطفل الأبي و المعتز بكرامته ، كان مهاب الجانب من طرف محيطه : معلميه و مجايليه.
و أتذكر أن كثيرا من التلاميذ ، كانوا يتملقون للمعلم و المسؤول الإداري من أجل الحصول على مراتب متقدمة في النتائج.
و كان هذا الصنف من الأطفال يتصرف أحيانا بتوجيه من أبويه ، على أساس أن المحاباة و الخنوع هما المفتاح لتحقيق المصالح و ضمان المستقبل و أن التنطع و الاعتزاز بالنفس هو نوع من الرعونة و الفوضى ، يلحق بصاحبه الجزاء و لن يفلح في عمله و لن يذهب في دراسته بعيدا.
إلا أن أغلب الأطفال الرافضين للمهانة ، كانوا من الطبقة المسحوقة .
و كان هؤلاء الصبية لا يعيرون أي اهتمام لأبناء الأغنياء ، بل و أحيانا يستصغرونهم و يحتقرونهم ، نظرا لكونهم يعتمدون في مسار حياتهم على جاه أو مال آبائهم.
و ما كان يلفت النظر هو أن هؤلاء الممانعين من الأطفال، كانوا يرفضون الإهانة من أي كان.
كذلك كان يميزهم ، الإدراك الجيد للمواد الدراسية التي تلقن لهم ، كما أن أغلبهم كان ذكيا و يتمتع بمهارات جيدة . فمنهم : الشاعر، الأديب ، المتفوق علميا و الرياضي…الخ.
و قد طرد الكثير منهم من الأقسام نظرا لجدالهم القوي مع معلميهم ، حيث أن هؤلاء المدرسين لم يكونوا يقبلون بالندية المعرفية بالرغم من احترام هؤلاء التلاميذ لهم.
مع مرور الوقت ، بدأت شخصية الأطفال تبرز و تتميز أكثر و كبرت طبائعهم التي كانت جنينية تقريبا في صباهم.
و تميز أغلبهم بالانتهازية و الخنوع و كأن شعار حياتهم كان قد أصبح : الغاية تبرر الوسيلة.
كبر الجميع ، واختار عزيزو النفس الاصطفاف بجانب الفقراء و البسطاء، و الانتصار للحق و مناهضة الحاكم المستبد.
فيما اختار المتخاذلون موقعهم بجانب السلطة و ناصروا الظلم.
و في إحدى ليالي الصيف الحارة و المقمرة ، حيث يحلو السهر ، قرر أصدقاء أفرج عليهم حديثا ، بعد أن قضوا عقوبات حبسية عقابا على قناعاتهم التي كانت تناهض الحكم و سياساته ، السهر في إحدى المقاهي بالمدينة لتجزية٧ بعض الوقت .
و بينما كانوا يتبادلون أطراف الحديث ، فإذا بأحد رصفائهم ، و كان مسؤولا و نافذا في إحدى الإدارات الأساسية ، يلتحق بنفس المكان و هو في حالة سكر طافح ، و عندما رمقهم ، حاول العودة من حيث أتى ، تردد كثيرا في الدخول إلى ذلك المكان ، و أخيرا ناداه أحد المفرج عنهم لينضم إلى مجلسهم.
وقف يتأملهم جميعاو انخرط في موجة بكاء حادة ، مشيرا إلى أنه يشعر بدونيته و أحيانا قذارته كلما التقى أحدهم ، و انه كان يحترمهم و هم أطفال و ازداد احترامه لهم و هم كبار، لنضاليتهم و استقامتهم و نزاهتهم.
ازداد بكاءه و تعالى صوته و كأنه نحيب.
حاول مجايلوه القدامى التخفيف عنه .إلا أنه انتفض ووقف أمامهم و كأنه سيلقي فيهم خطبة عصماء:
” يا معشر الأصدقاء، أنتم أشجار الوطن التي تموت أحيانا وهي واقفة ، و أنتم شموع البلاد التي تحترق و تذوب من أجل إضاءة المكان للآخرين، فطوبى لكم و الخزي لي و لأمثالي.”
انصرف و هو يتمايل و يسقط بين الفينة و الأخرى ، إلى أن اختفى في الظلام.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع