أخر تحديث : السبت 23 سبتمبر 2017 - 11:24 مساءً

كذب المنجمون…

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 23 سبتمبر, 2017 | قراءة

ادريس حيدر:

كان يزور زقاقنا بين الحين و الآخر شخص غريب الملبس و الكلام.
كان يرتدي جلبابا فضفاضا و واسعا و غالبا ما يكون متسخا.
فوق ذقنه تناثرت شعيرات بيضاء ، مما كان يجعل محياه يوحي و كأنه مريض .
فمه كان أجوفا ، لا أسنان فيه، و عيناه كانتا تتحركان في كل الاتجاهات تحسبا لأي طارىء.
إنه المدعو ” السرغيني الشواف” ، الرجل القادم من أحواز مراكش.
كان هذا الغريب يجد سلواه و مبتغاه لدى النساء.
حيث يخيف المتزوجات مدعيا أنه يرى في أداته ( عظم كتف بقرة) إحدى النساء تتربص بزوجها ، كما أنه يفرح الأمهات مدعيا أن أبنائهن ينتظرهم مستقبل زاهر ، فيما كان يجد ضالته لدى الفتيات العوانس اللائي كان يفرحهن و يطمئنهن زاعما أنه يرى فارس أحلامهن قادم و سيطرق أبواب منازلهن من أجل الزواج.
و هكذا كانت نساء الحي يعطينه بعضا من الأكل و بعض الدريهمات.
في نفس الفترة كانت أمراة تجوب حومتنا ، تحمل كيسا فقد لونه من كثرة وسخه ، تخرج منه أوراقها ( الكرطة) و تدعي قراءتها لحظ النساء من خلالها ، إلا أنها و خلافا ل” السرغيني الشواف” كانت تخوض مع النساء في الحميميات ، و لذلك كانت تسمع قهقهاتهن عاليا من حين لآخر.
كانت تحمل اسما غريبا ” مليكة بوسوالف” أو ” مليكة الشوافة “.
أيضا كانت تتردد على الحي في فترات متباعدة ، سيدة متقدمة في السن ، حافية القدمين ، تحمل في يدها ” حربة” بها قطع من الثوب مختلفة ألوانها.
تدخل المنازل من دون استئذان ، تطلب بعض الأكل و تدمدم و تهلوس.
إلا أنها كانت تحظى بمحبة النساء و ينادينها ب” الشريفة”.
و كن يتبركن بقدومها و يعتبرن هذيانها رؤية تراها ، ويتحتم أخذ ذلك بعين الاعتبار.
في الجهة الأخرى من المدينة ، كانت إحدى النساء تدعي قراءتها للمستقبل من خلال خطوط أكف زبنائها و كذا من خلال فنجان لها.
كانت نخبة نساء المدينة هم روادها و زبنائها ، كما أنها كانت تحصل على إكراميات ذات قيمة.
كنت وأنا طفل ألاحظ هذه الظواهر المقيتة و أعتبرها مجرد تفاهات ، و كنت ألاحظ التناقض الذي يقع فيه كثير من الأشخاص ، حيث يشجبون هذه المسلكيات ولكن يلجؤون في جنح الظلام إلى هاته النساء من أجل البحث عن لحظة سعادة وهمية.
وعندما كبرت و اشتد عودي أثار انتباهي إقبال الناس على قراءة الأبراج في الجرائد و المجلات.بل منهم من كان لا يلتحق بعمله قبل قرائته لبرجه.
و بالرغم من عدم إصابة الكتابات المصاحبة للأبراج في تكهناتها إلا أن كثيرا من الناس كانوا يقبلون عليها.
و بموازاة مع كل ذلك ، كان هناك ، كذلك إقبال كبير على لعب الحظ :
-نتائج الكرة : طوطوفوت ، كينييلا ، تييرسي .
و صاحبت هذه اللعب مآسي أسروية ، حيث تشتت شمل العائلات بفعل إفلاس أب الأسرة.
وبعد تأمل عميق في هذه الأعطاب ، خلصت إلى أن غياب العقل ، و ضعف التمدرس ، و عدم التوعية و التحسيس ، و الفقر ، و الحرمان ، و الرغبة في تحسين الوضعية ، يجعل المرء يرتهن للخزعبلات و التفاهات و الكذب.
و إذن فالمجتمع القوي هو القارىء و العقلاني.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع