أخر تحديث : الأربعاء 19 نوفمبر 2014 - 12:43 صباحًا

مدرسة فاطمة الاندلسية و حلمي الذي لم يتحقق

جميلة البوطي | بتاريخ 8 فبراير, 2014 | قراءة

عادت رواء من المدرسة مساء ، متحمسة ، فخورة ، و جد مبتهجة . فاخبرتني بان معلمة اللغة الفرنسية اقترحت على الاوائل الحاصلين على نتيجة جد مشرفة و هي على راسهم تنظيم حفلة صغيرة بالمدرسة ، و ذلك بجلب الحلوى و المشروبات ليحتفلوا بتفوقهم صباح اليوم التالي مع باقي زملائهم و زميلاتهم في الصف و معلماتهم كذلك . فوجدت نفسي مجبرة “لا بطلة” على تحضير ما وعدت به ابنتي معلمتها دون اذن مني ، و هي كعكة الشوكولا و الكريب .

سهرت على الجزء الاول من رغبتها حتى حدود الواحدة ليلا و استيقضت باكرا في الصباح لاكمال المهمة . حينها سمعت زوجي يقول لابنتي ضاحكا :”اذا اخدنا بعين الاعتبار ما عرضت له امك من سهر و تعب ، فيستحسن ان تكوني من الاواخر في المرة القادمة حتى تجنبيها كل هذا العناء ..”
كنا نضحك و نستفزها و انا لا انفك اقول لها:” اياك ان تعتبري هذا الكلام جديا فالفرح و الكعك بالشوكولا للناجحات ، و لا عزاء للراسبات …”

فوجدتني استحضر حكايات طريفة وقعت لي و انا في احضان مدرستي الابتدائية “مدرسة فاطمة الفهرية للبنات ” بالقصر الكبير. فتذكرت بعض المعلمين الذين تتلمذت على يدهم ، و اكتسبت اولى دروسي في الحياة و المعرفة … كم هو غريب اني نسيت اغلب ملامح دراستي بالمرحلة الاعدادية و الثانوية و لا يحضرني منها الا نزرا !! لكني اتذكر بشكل غريب و ممتع اغلب سمات مرحلتي الابتدائية ..

عجبي و هل استطيع نسيان الاساتذة الاجلاء و الذين بصموا شخصيتي و ذاكرتي ايضا و منهم الاساتذة الفضلاء : ذ حميمي ، ذ الحسناوي ، ذ زعباط ، ذ البقالي ، ذة اسية ، و ذ الحميدي والذي لا زلت اذكر منزله المجاور لمدستنا و الذي كنت ازوره خلال حصص الدروس الخصوصية في مادة اللغة الفرنسية .. فان كانوا يا رب لا يزالون على قيد الحياة ، فاللهم بارك في عمرهم و امنحهم الصحة و الهناء ، و ان توفي احدهم “و كل من عليها فان ” فاللهم ارحمه و اغفر له بعدد الحروف و الدروس التي لقنني اياها ..

و فجاة حضرت صورة عمي عبد الله و هو يشجب و يندد بالمعلم الذي ارسلني في غمرة المطر الشديد بدون مظلة او غطاء راس حتى ، بحيت طلب مني ان احضر طبقا من “الزيتون المشرمل” من عند امي ليضيفوه الى مائدة الفطور المنظم داخل حجرة الدراسة . فقد كنت حينها في نفس عمر رواء … بالمناسبة “زيتوننا و زيتنا البلدية “كانا دوما حاضران على مائدة المدرسة ، لكني انا و باقي التلميذات لم يسمح لنا يوما باقتسام اللقمة معهم للاسف الشديد هههه . كنا فقط نشاهد الحفل من بعيد … لن انسى رائحة الخبز “الكومير” الساخن و الشهي و الذي كلما كان يقع عليه نظري الا و يسيل لعابي …فلم يكن ابي رحمه الله يسمح لنا بشرائه قائلا :” الطْحِينْ و الزِيتْ فالدَّارْ ونْشْرِيوْ الزْرَاوْط منْ الزْنقَة ههههه” و عندما بدا يسمح لنا باقتنائه مع مرور الوقت و تغير العادات الغدائية في المنزل بحكم انفتاحنا على ثقافات اخرى ، كان يطلب منا ان نصحب معنا “القفة” الى حانوت حينا و غطاء لنغطيه و نحجبه عن اعين الجيران مضيفا :”حْشُومَة وْ عَآرْ والدَّارْ عَامْرَة بالبْناَتْ..”

المهم اني لا زلت اذكر كلمات عمي: ” هَادْ الْعَايْلَة خْصْنا نْخَرْجُوهَا مْنْ المَدْرَسة…” بالمناسبة انا كنت من بين اللاتي ان قال احد معلميها “شْكُونْ اللِّي دَارْهُمْ قْرِيبَة مْنْ المْدْرَسة يْجِيبْ شِي حَاجَة..”كنت اول من ترفع اصبعها بدون تردد … و كم عوتبت من طرف والدي بسبب تهوري او كرمي او حبي في التخلص من ساعات الدرس حينها …من يدري !!
المفيد في هذا الحكي البسيط هو ان عمي عبد الله سامحه الله قال تلك الكلمات كردة فعل طبيعية على التصرف الارعن للمعلم و على حالة البلل التي كنت عليها اضافة الى الطقس البارد حينذاك، اما انا و نظرا لبراءة الطفولة بقيت احلم باليوم الذي ساترك فيه الدراسة نهائيا . فقد كنت احسب ان الفرج سياتي على يد عمي و اتخلص من كابوسها و اجلس في المنزل لالعب دون خوف من العقاب و دون تمارين او هواجس الامتحانات … لكن غرر بي ..

و هل سانكر خوفي و رعبي يوم كنا نحضر درس النحو و احصل على ضربة مجانية و موجعة تكاد ان تفقدني الوعي من طرف استاذ اللغة العربية حتى دون ارتكابي لاي خطا يذكر .. الا انه كان يهمس في اذني منتشيا بتلك العبارة : ” قاَللِّي بّاَكْ هُوَ يْدْبَحْ وانا نْسْلَخْ…”
كان يوم “الثلاتاء الاسود ” و الذي كنا ندرس فيه مادة النحو و الصرف مساء .. بحيث كنت احلم بالفردوس و انا اتابع سلسلة “سيف ذو يزن “عبر الاثير ، و النوم يدغدغ عيناي خلال الفترة ما بين الزوال و الثانية قبيل عودتنا الى المدرسة . و ما ان كنت اتذكر اني سارجع حتى يطير النوم من عيني ، فانسلخ من الفردوس قسرا لاعانق جحيم الاتي و المجهول .

و هل سانسى كذالك اليوم الخالد الذي رفعني فيه استاذ اللغة الفرنسية بعد ان هددني بان يرميني من النافذة و ضربني مع السبورة بعنف مطلق لاني لم استوعب بتاتا درسا في الحساب ، حتى تزعزع باب القسم بقوة و الذي كنا تقتسمه مع تلاميذ حصة العربية في الجانب الاخر … و في طريق عودتنا الى المنزل سويا سالتني صديقتي خديجة “ترى ماذا وقع خلال حصتكم فقد سمعنا ضجيجا و صراخا ..” انكرت في البداية لكن سرعان ما انتشر خبري كالنار في الهشيم و اصبحت فجاة بطلة تهكم المتنمرات طيلة ايام و ايام…
لن انسى استاذ اللغة الفرنسية السيد الحميدي و الذي اتمنى لقائه يوما.. كان رجلا انيقا مختلفا ، و لبقا . كم كنت اعشق حصته ، لان اللغة الاجنبية في تلك الفترة من عمري كانت تبهرني …كنت اتوق دوما لحضور ساعات التقوية في منزله ..و اعود فرحة الى المنزل كما لو كنت قد زرت باريس ، دون ان اكون قادرة على التفوه باية كلمة فرنسية داخل المنزل…
فقد سن ابي قانونا مفاده ان اللغة العربية هي لغة المنزل ، و استعمال لغة اخرى مسالة غير مقبولة بتاتا . حتى اني اذكر انه عندما وقعت في غرام لغة شيكسبير كنت اكلم نفسي كالمعتوهة و انا اقوم بكل اعمال المنزل ….

و في احدى الايام خرج ابي عن صمته و شرح لنا سبب سنه لذالك القانون الاحترازي و الذي قام بحذفه من دستور المنزل لاحقا و بمجرد وصولنا الى مقاعد الجامعة … و خلاصته انه ” و بحكم عدم المام ابواي باية لغة اجنبية يستحسن عدم مخاطبة بعضنا البعض بلغة اخرى غير اللغة الام ، تفاديا لاحراجهما او الهمس بالاسرار فيما بيننا نحن الاخوات ، و بالتالي عدم التسبب في اثارة شكوك الوالدين بواسطة الهمز و اللمز باستعمال لغة غير مفهومة ..”

حضرنا انا و زوجي يوما يوما تدارسيا بشان الطرق البيداغوجية في التعليم الاساسي بحضور ثلة من الاساتذة الافاضل و اهل الاختصاص في مدرسة بناتي الابتدائية ، و ما ان انتهت الندوة حتى قال لي رفيقي : “بْنْتْ البُوطِي قْرِينَا حْنَا فْالظْلاَمْ وْ دُزْنَا فْالظلاْمْ هههه” فقلت له و انا ضاحكة و متفقة معه بشكل مطلق: “وَ مَاشِي شِي ظْلُومِيَة غِيرْ شْوِيَة دْيَالْ الكْحُولَة وْ صَافِي هههه” .

كلما مررت بحيطان مدرستي الام الا و تنتابني الرغبة في الدخول اليها و استنشاق عبقها فهي شبيهة بكوة في سقف طفولتي اطل منها على نفسي فاحن اليها …حقا كان الحزم و الشدة عنوان مدرستنا الجميلة لكني احمل لها في اعماقي كل الحب و كل الحنين للقاء معلمين و معلمات حفروا في القلب و في الذاكرة سطورا من ذهب …فاللهم ارحم و اعز و اعن كل من علمني حرفا و جعل مني مجموعة انسان.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع