أخر تحديث : الثلاثاء 28 أكتوبر 2014 - 12:37 صباحًا

صيدلية المداومة

ذ.عوض إبن الفقيه | بتاريخ 14 فبراير, 2014 | قراءة

استيقظت حوالي الساعة الثانية صباحا بعد أن داهمني ألم رهيب في أذني، حاولت الانتظار حتى الصباح لكن بدون جدوى، فالألم يزداد بسرعة لدرجة أنني أصبحت أتصبب عرقا. اتصلت بأحد الأصدقاء قصد مرافقتي لصيدلية المداومة، قدم المسكين بسرعة رغم الوقت المتأخر و برودة الطقس. خرجنا بسرعة من أجل البحث عن سيارة أجرة تنقلنا إلى صيدلة البلدية. الشارع الرئيسي خال إلا من نباح الكلاب الضالة التي تخترق صمت المكان. قضينا حوالي نصف ساعة في انتظار سيارة أجرة، لا أثر..الألم يزداد مع شدة البرد القارس..قلت لمرافقي: رجاء، لنذهب مشيا، و إلا سوف يغمى علي. نمشي قليلا و نلتفت شمالا لعل سيارة أجرة تظهر، لا شيء .. لاشيء. نصل إلى صيدلية البلدية، إنها مقفلة…اللعنة ما هذا الحظ التعيس؟ لماذا تغلق؟ يظهر حارس سيارات، توجهت نحوه بسرعة، و سألته:
–    لماذا صيدلية البلدية مقفلة؟ ما السبب؟ لقد كانت مفتوحة كل ليلة.
–    سيدي لا أعرف، و لكنها مقفلة منذ مدة.
–    و من صاحب هذه الفكرة العبقرية؟ من أقفلها..؟؟
–    لا أعرف بصراحة.
–    ماذا أفعل الآن؟، ساعدني أرجوك، لدي ألم رهيب في أذني و أبحث عن صيدلة مداومة.
–    اسمع، توجد صيدلية قريبة من هنا عند ملتقى الطرق، اذهب إليها ستجد دليل صيدلية المداومة.
توجهت بسرعة نحو هذه الصيدلية، صديقي المسكين يتبعني و هو يشفق على حالتي. تظهر ورقة صغيرة ملصقة على الباب مكتوب عليها “صيدلية….” العنوان……أسأل صديقي بلهفة:
–    هل هذه الصيدلة قريبة؟ أين توجد؟
–    إنها في ضاحية المدينة، طريق كشاشرة. الصيدلية بعيدة و المنطقة تعج بالمجرمين و قطاع الطرق.
–    كشاشرة ! و كيف سنذهب ؟ هل هي صيدلية المداومة الوحيدة في المدينة؟
–    نعم، و علينا أن نبحث عن سيارة نقل إذا أردت شراء الدواء.
استدرت و غيظ و حرقة يملأن قلبي من هذا الخبر الغير السار، تأكدت أن العديد من القصريين كانوا على حق عندما هجروا مدينتهم إلى الأبد..مشينا مرة أخرى لأزيد من نصف ساعة و الألم يزداد بشدة ، حتى وصلنا إلى المحطة الطرقية. فجأة أرى شابا يتأهب لركوب سيارته، توجهت نحوه بسرعة:
–    أرجوك يا أخي، هل تقدم لي معروفا؟
–    ماذا؟
–    إني أبحث منذ نصف ساعة عن سيارة نقل قصد الذهاب إلى صيدلة مداومة اسمها …عنوانها…..، فهل يمكنك أن تحملني مقابل أي مبلغ تطلبه؟
أشار إلي بالركوب، قفزت بسرعة . شوارع المرينة مقفرة إلا زبالة مرمية هنا و هناك. حفر و برك مائية و أكواخ لبائعين على جانب الطرق. فجأة أرى من بعيد شخصا يجري بسرعة.. يحمل شيئا طويلا لامعا ..إنه سيف.. يزيد السائق من سرعة السيارة..نصل إلى الصيدلية . بناية متواضعة..متوسطة الحجم.. صنع بابها من حديد ضخم، تتوسطها نافدة صغيرة تشبه باب مبنى السجن المدني للمدينة، ينبعث منها ضوء صغير. نزلت بسرعة من السيارة. اقتربت من تلك النافدة الصغيرة. تظهر شابة في مقتبل العمر ببزة بيضاء، يبدو أنها متوترة ،أسألها:
–    صباح الخير سيدتي، أرجو أن تمديني بأي مهدئ، فأذني ستنفجر من الألم.
–    هل خرج منها قيح أو دم؟
–    لا..لا..فقط ألم رهيب.
تتوجه السيدة نحو أحد الرفوف، ترجع بعلبتين صغيرتين.
–    إسمع سيدي، سأعطيك أقراص مهدئة و سائل تقطره في أذنك مرتين في اليوم.
–    هل تسمحي لي بسؤال؟
–    تفضل..
–    كيف لمدينة بحجم القصر الكبير و عدد ساكنتها يناهز مائتين ألف نسمة، و في 2014، و تتوفر فقط على صيدلية مداومة فقط . هل هذا منطقي؟
–    و الله يا سيدي ، هاد الشي للي عطا الله.. ليس عندي أي جواب.
رجعت إلى السيارة و إحساس بالإحباط يعتريني من هذا الواقع الأليم، ركبت مرة أخرى…مناظر بئيسة في الشارع ..نسيت الألم.. ظللت أفكر خلال الطريق في كل شخص يعاني تلك اللحظة من ألم مبرح أو من مرض عضال و يحتاج إلى دواء مستعجل يخفف ألمه أو ينقد حياته، و لا توجد سوى…..صيدلة مداومة…



*ملابو، غينيا الاستوائية

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع