أخر تحديث : الثلاثاء 28 أكتوبر 2014 - 12:36 صباحًا

البديل السياسي في التدبير الجماعي لمدينة القصر الكبير بين إنجازات المحلي وإكراهات الوطني

سعيد الحاجي | بتاريخ 15 فبراير, 2014 | قراءة

إثر مقال منشور على بوابة القصر الكبير الإلكترونية تحت عنوان : التسيير الجماعي لمدينة القصر الكبير وسؤال البدائل الممكنة، تفضل الأستاذ المحترم حسن إدريسي بالتفاعل معه مشكورا بمقال متميز سلط فيه الضوء على التحديات التي يواجهها القائمون على الشأن المحلي في مدينة القصر الكبير، ومدى تأثرهم بما يجري وطنيا، مستعرضا في هذا السياق تجارب عربية وأوربية والمخاض الذي تعيشه على مستوى البدائل المطروحة سياسيا، مم أكد على سعة ثقافة الأستاذ حسن السياسية.

لقد فتح الأستاذ المحترم إدريسي شهيتي على النقاش خصوصا وأنه أدرك بحسه السياسي المتميز أن كاتب هذه السطور لا يروم الدعاية لجهة ما بقدر ما هو تحليل محايد لواقع لا يخفى على كل ذي رؤية سياسية سليمة، ولا يمكنني على أية حال إلا أن أحترم وجه نظره كيفما كان الأمر.

إن الحديث عن علاقة المحلي بالوطني في دولة مثل المغرب، حديث متشعب لا ينتهي في نقطة إلا ليبدأ من جديد، خصوصا وأن الديمقراطية في المغرب لازالت تراوح مكانها، ولازال المغاربة ينتظرون انقشاع غيوم السياسة في هذا البلد ليستمتعوا بدفئ ديمقراطية غير منقوصة طال انتظارها، ويبقى التدبير الجماعي في المغرب أحد أهم تجليات الممارسة السياسية التي تبرهن بشكل ملموس على أعطاب الديمقراطية في هذا البلد.

لقد كان التدبير الجماعي المحلي ولا يزال مرتبطا بالظرفية الوطنية كيفا كان الحال، فلا يسلم التدبير المحلي من التأثيرات الوطنية سلبية كانت أم إيجابية، لكن المشترك هنا تبقى له محددات معينة، خصوصا في ظل وعي سياسي شعبي محدود يرتبط بالأشخاص أكثر مما يرتبط بالبرامج والتنظيمات السياسية من جهة، ومن جهة أخرى يرتبط بما يتلقاه المواطن من خدمات ترتبط به شخصيا أكثر مما ترتبط بالصالح العام في أحيان كثيرة، وهو ما يشكل الحد الفاصل بين المحلي والوطني في التدبير الجماعي لجماعة معينة، وهنا سنعرج على تسمية الأشياء بمسمياتها والقصد هنا حزب العدالة والتنمية الذي يترأس الحكومة المغربية وطنيا، فيما يشرف على تسيير الجماعة الحضرية لمدينة القصر الكبير.

إن الغوص في العلاقة الرابطة بين العدالة والتنمية محليا ووطنيا – في نظري المتواضع – تنطلق من الوقوف على تحديد الفرق بين التدبير الجماعي لجماعة معينة حضرية كانت أو قروية، وبين تدبير شؤون الدولة بمختلف قطاعاتها، فالمطلوب من المجلس البلدي لن يرقى في أي حال من الأحوال إلى ما هو مطلوب من الحكومة، فالتدبير الجماعي المحلي يقوم بالدرجة الأولى على التدبير المحدود للقطاعات المحلية المرتبطة بالسير العادي واليومي لمختلف مرافق المدينة أساسا ( النظافة، البنيات التحتية، المرافق الإدارية المحلية، تدبير المداخيل المحلية …) وهو ما يشكل النجاح فيه نجاحا جزئيا في توفير العيش الكريم لساكنة مدينة معينة، أما ما يرتبط بالرفاه الاجتماعي وفرص الشغل والمستوى المعيشي وغير ذلك من شروط العيش الكريم، فدور الجماعة المحلية فيه يبقى محدودا، أخذا بعين الاعتبار أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية بمفهومها العام المتعارف عليه تبقى من شأن الحكومات أكثر من أي جهة أخرى، فلا يمكن مثلا الحديث عن مناخ استثمارات جيد في مدينة معينة بينما محيطها الوطني والدولي يعرف بطئا في الاستثمار وصعوبات اقتصادية، وهنا تبقى قدرة الجماعة المحلية محدودة جدا وتستمد عجزها من عجز الدولة نفسها، ويبقى دورها منحصرا في تدبير ما يمكن تدبيره على مستوى المدينة بالشكل الأمثل.

إن حديثنا السابق عن مسألة البديل السياسي في مدينة القصر الكبير ليس مرده فقط إلى ضعف البدائل المطروحة لما هو موجود حالية، مثلما ليس المقصود منه أن من يسير المدينة يقوم بذلك بشكل مثالي، فلكل تدبير نقائصه التي يعترف بها المسيرون أنفسهم والتي يجدون لها مبررات انطلاقا من واقعهم وممارستهم اليومية، لكن طرح السؤال التالي يضعنا أمام واقع المدينة القصر الكبير بشكل أوضح، هل هناك بين البدائل المطروحة حاليا من يمكنه تقديم الأفضل ؟

ليس بالضرورة أن يكون هناك الجواب قطعيا بالنفي أو بالإيجاب، لكن الكفيل بالحسم هنا فتح النقاش واستعراض المواقف وجر المعارضين للتجربة أنفسهم إلى الانخراط فيه، حتى يعرف المواطن أي حجة للمعارضين ومدى قدرتهم على تقديم الأفضل.
وبالرجوع لمسألة المحلي والوطني في تدبير الشأن العام، فيمكن القون بأن ميكانيزمات قيادة حزب العدالة والتنمية للأغلبية الحكومية ( نقول الأغلبية الحكومية وليس الحكومة لأن بين التوصفين فوارق كبيرة جدا ) تختلف كثيرا عن قيادته لمجلس بلدي لمدينة كالقصر الكبير مثلا.

فطريقة التدبير وقنوات التفاوض وحجم الموارد وطبيعة الإكراهات ونوعية القوانين و و .. في الحكومة، تختلف كليا عن نظيرتها في مجلس بلدي لمدينة معينة، وانتظارات المواطن من البلدية ليست في كل الأحوال انتظاراته من الحكومة، فقد يمنح لك مواطن صوته في الانتخابات البلدية لمجرد أن تمد له قناة الصرف الصحي بجانب منزله رغم معاناته من مع ابن معطل حامل لشهادة جامعية، وقد تمنح لك امرأة مسنة صوتها مقابل كيس من الدقيق رغم أنها لا تتوفر على منزل، وقد يمنح لك تاجر صوته بعد أن تساعده على حل مشكل إداري بسيط رغم معاناته من ارتفاع مبالغ الضرائب، مثلما قد يعاقبك مواطن لأنك لم ترصص له الزقاق الذي يسكن فيه رغم أن ظروفه الاجتماعية مريحة جدا، وغير ذلك من أوجه المكافأة والعقاب السياسي كثيرة في مجتمعنا، لأن شريحة واسعة من المواطنين المغاربة ترتبط بالأشخاص والمصالح الذاتية المباشرة محليا أكثر من ارتباطها بالأحزاب وبرامجها على المستوى الوطني، وإلا كيف نفسر مثلا تراجع حزب معين على الصعيد الوطني، بينما نجده في بعض المدن والقرى مسيطرا بشكل كامل ؟ لأن المحدد هنا هو الشخص الذي يتقدم للانتخابات وما قدمه للناخب من خدمات على مستوى المنطقة التي يقدم فيها نفسه كمترشح، ونحن نتحدث هنا عن الحالة العادية والمشروعة، حيث لا يجب إغفال هيمنة بعض الناخبين انطلاقا من سلوكات سياسية غير مشروعة  ( شراء الذمم، تزوير الانتخابات …).

إن ربط الأستاذ المحترم حسن إدريسي لأداء حزب في قيادة الحكومة بأدائه في تدبير شؤون جماعة حضرية أو قروية، يستمد منطقيته في بيئة تسود فيها ثقافة ديمقراطية سليمة يعطي فيها المواطن الأولوية للبرامج بغض النظر عمن يطبقها، لكن واقعنا السياسي ومستوى التعليم وغير ذلك يضعنا أماما فوارق تجعل زاوية التحليل تختلف عن نظيرتها في دول متقدمة سياسيا مثل فرنسا، مثلما تبعدنا عن دولة تبحث عن استقرار نظامها السياسي في ظل إكراهات محلية ودولية مثل مصر، وهو ما يجعل فتح النقاش حول البدائل المطروحة انطلاقا من خصوصيات واقعنا السياسي المحلي والوطني هو الكفيل بالوصول للخلاصات السليمة.

مع خالص احترامي وتقدير وشكري للأستاذ المحترم حسن إدريسي على التفاعل الرائع.

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع