أخر تحديث : الجمعة 7 نوفمبر 2014 - 3:46 مساءً

دموع في ليلة عيد الاستقلال …

جملية البوطي | بتاريخ 7 نوفمبر, 2014 | قراءة

110714_0957_1.jpg

تهيم نظراتي متنقلة كالفراش بين صورة و اخرى و ارى دموعا حققية و صادقة تحلق بي الى حدود اليوم الذي صعدت فيه امي الى سطح دارنا و وجدتني متعلقة بالسور اراقب عراكا بين المحششين في دربنا و ما ان وقع نظري عليها حتى قلت لها “الله يْعْطِينِي رْفْدَة مْنْ هَادْ الْحَوْمَة وْ هَزَّة مْنْ هَادْ الْمْدِينَة كَامْلَة …”ردت علي و هي في قمة غضبها المتكرر مني في تلك الاونة و مباشرة بعد حصولي على الاجازة “دَابَا آبْنْتِي تْشْتَاقاَ و تْشْتَاقْنَا كَآمْلِينْ ” …
اردفت شارحة لها موقفي باني ما قصدتها قط بكلامي و لكني عنيت المدينة و الحي بذالك القول و لكنها كانت مؤمنة باني اقصد المدينة بناسها و شجرها و حجرها ….واصرت على قولها لي باني يوما ما ساعرف الشوق اليها و تحرقني تلك الاشواق حرقا …
اتذكر كم كان يصعب علي فراق اسرتي كثيرا و لا ازال استحضر كيف كنت اغادر حضن امي و انا متوجهة الى ظهر المهراز و الدموع تملا اعيننا انا و هي مما كان يثير الكثير من العجب لدى صديقة الطفولة مما حذى بها مرة و نحن في طريقنا الى الغرفة بالحي الجامعي و كان الحزن يخيم علي ان قالت لي لتخرجني من كابتي بطريقتها المازحة “”صَافِي بآرَكَة عْلِينَا مْنْ الْحُزْنْ… هَا حْنَا غَادِي نْتْهَنَّاوْ مْنْهُم وَاحَدْ الشْهَرْ بْعْدَا ههههه و تقصد عائلتينا معا …” غرقنا بعد هذه المقولة في نوبة من الضحك و تتابعت قفشاتها …صراحة و ما ان كنت احط الرحال بفاس حتى كنت انسى حزني و اخبئ صورة امي في قلبي خوفا عليها من التلف و انغمس كليا بفضائات تلك المدينة المشرقة حينها و التي عاملتني بسخاء لم استطع التخلص من اعراضه بعد حصولي على الاجازة و العودة الى المنزل بورقة …و حصولي على اقامة اجبارية بين الحيطان محرومة من الاستقلال و الحرية اللذان كنت انعم بهما بين ربوع فاس الكريمة …
كثرث شكواي من الدرب و تبعاته اذ كنت انتقده بشدة …و طوال اليوم تجدني اشجب رائحة الحشيش التي لم تكن تغادر بيتنا الا في حالة اغلاق كل النوافذ و المنافذ و حرمان انفسنا من الضوء و الهواء و كنت اندد بمرابطة المحششين قرب منزلنا و مقارعتهم للخمر و هم منتشون غاية الانتشاء و افواههم كمزبلة التاريخ لا تصدر الا الاصوات المزعجة و الشتائم الداعرة و القصص البذيئة و الساقطة و التي كانت بمثابة الكليب المرافق لكل وجباتنا العائلية و تجمعاتنا وسط منزلنا الصغير …و استحضر كم كان ابي يحس بالحرج امامنا و تلك المصائب تصلنا حتى عقر دارنا بلا حسيب او رقيب …

بدات امي تحس برغبتي في الهروب بعيدا لو استطعت لذالك سبيلا و تستشف رغبتي المستميتة في الحصول على الاستقلال …فكيف يعقل ان اعود من بلاد سعيدة كفاس التي فتحت لي احضانها و انا اتردد كنحلة واعية حرة و طليقة بين النادي السينيمائي الركاب و جمعيات الفنون و الموسيقى في دار الشباب و الحياة البهية المتوهجة داخل الحرم الجامعي ظهر المهراز لاجد نفسي بعدها محرومة من الحرية بين اقفال درب يحيلني الى عصور الظلم حيث لا قانون يسود الا قانون الغاب … الاولوية فيه لرواد و سارقي هدوء الليل و راحة الناس دون الاحساس لا بالامن و لا بالامان مما كان يزيد الطين بلة و يحرضني على الرحيل عند اقرب فرصة فقد كنت عطشى الى التغيير و الى حريتي …
و جاء اليوم المشهود و امتلا المنزل عن اخره بحشود من الناس … و صديقتي الوحيدة …. توشحت بالبياض و بدات اغنية الوداع تلوح في الارجاء معلنة عن ضرورة الرحيل و المغادرة الفورية و النتيجة الحتمية لكل تلك الطقوس الاحتفالية …
تحطم فؤادي ليلتها …سقط الدمع …و انطفئ الشمع… و بكى الكل ممن حضرن مراسيم خروجي من بيت ابواي و كانت امي منهارة … غادرت الحي و بكى ابناء عمومتي …كانوا صغارا … لوحوا لي بايديهم الصغيرة و رسموا لي بها لوحة عنوانها نهاية حياة و بداية اخرى مغايرة و بريشة اخرى …
بكيت بحرقة يوم “عيد الاستقلال ” الذي انتظرته بفارغ الصبر …و طوت السيارة مشهد ابي و هو ينظر الى الحشد الواقف امام باب منزلنا يبتسم اليهم و يرحب بهم في شرود
و توالت الايام كنت اتوهم فيها نداء ابي علي فاقوم مسرعة اجيبه ” نْعَمْ آبَّا..” فالتفت حولي لاجدني وحيدة دون ابي …
كنت احمل بين يدي مجلات و كتبا قمت بجلبها معي يوم استقلالي مع بقية الحوائج الاخرى فالمسها و احضنها كما لو كنت احضن بيتنا و ارى فيها وجه ابي ….كانت الدموع لا تفارق عيناي في كل مرة اقترب من المكان الذي ودعني فيه ابي قائلا لزوجي “…اِيوَا تْهَلاَّ.. “وسط اجهاشي بالبكاء و لكي يجلب زوجي البسمة الغائبة الى محياي كان يصر على ان ابي قصد بنصيحته تلك انه ارتاح مني و من عبئي و يوصيه خيرا بنفسه “آوُلْدِي تْهَلاَّ فْرَاسْكْ الله يْكُونْ فْعْوَانْكْ آنا رَاهْ عْفَى عْلِيَّ الله مْنّْهَا..”
لكني كنت اقارنها بالجملة نفسها تلك التي كان يقولها لي عقب كل سلامي عليه استعدادا لركوب القطار متوجهة الى الجامعة …كان يودعني قائلا نفس العبارة بعد ان يفرغ دراجته من حمولتي الثقيلة “…بْسْلاَمَة آبْنْتِي تْهَلاَّ فْرَاسْكْ ” جملة قصيرة كانت كافية لتشكل عندي رادعا لعدم القيام بالكثير من الاشياء التي حتما لم تكن لتروق ابي و لكنها كانت ضمن مجموعة احلامي …
عرفت معنى الاستقلال لكني لم انسى جذوري و دروبي و لا زال في القلب حنين و اشواق حارة و محتارة و صدقت امي حين قالت “دابا آبْنْتِي تْشْتَاقاَ و تْشْتَاقْنَا كَآمْلِينْ …”
انا مغمورة بالحنين ما يجعلني وفية و غير قادرة على التحليق في سماء اخرى للذاكرة لا لضمور على مستوى الذكريات و لكن اجنحتى تابى تغيير وجهتها ربما لوجود خلل على مستوى الميكانيزمات العصبية للتذكر او يجوز لاني استدعي عبرها الدفئ و الحنان و هذا كل ما في القصة “يا عزيزتي و يا من طلبت مني تغيير ازقة التذكر …”

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع