أخر تحديث : الجمعة 14 نوفمبر 2014 - 9:47 مساءً

حينما تتحدث أطلال مدينة القصر الكبير

جمال البكاي | بتاريخ 14 نوفمبر, 2014 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_jamal_bekkai

ليس من عادتى أن أهدي كتاباتي لأحد ، لكن الضرورة ألحت علي أن أقدم هاته القصة للقائمين على تدبير الشأن العام المحلى بمدينة القصر الكبير ، علها تكون عبرة لمن أراد أن يعتبر ….
كعادتي في كل مساء إرتديت حذائي القديم وبدلتى البنية ورششت قارورة عطر رديئة ثم ذهبت رفقة نفسي لجولتها المسائية في أرجاء مدينة القصر الكبير ، وضعت يدي في جيب سروالي الباهت وأخذت أخطوا الخطوات المتوازنة راسما ابتسامة واهية على محياي مدعيا أنى بخير …
أنظر للأشياء من زجاج نظارتي القديمة التي بللتها قطرات المطر الخفيف ، أمسحها بين الفينة و الأخرى بقميصي الأبيض كي تتضح الرؤية ثم أكمل المشوار ، أوصلني حذائي لباب مؤسسة درست فيها حقبة زمنية معينة لأجد أن ملامحها قد تغيرت قليلا ، فعوض اللوحة القديمة المهترئة و التى كان قد نهش الصدأ جنباتها أصبحت محلها أخرى منمقة مكتوب عليها بخط جميل الإعدادية الثانوية الإمام مسلم عوض الإسم القديم إعدادية الإمام مسلم …طليت هاته اللوحة بمساحيق التجميل لتصبح واجهة تأتت مدخل الإعدادية ، تمنيت لو تتغير المناهج مثلما تتغير الملامح … بدأت أسترجع فيلم الذكريات وكيف كنا نتوسل للحارس ” با المختار ” كي يسمح لنا بالدخول ، وكيف كنا نتسلق الصور وكيف… ، كما يقولون تفنى الحياة و تبقي الذكريات ، وبينما أنا كذلك سمعت صوتا خافتا يناديني قطع علي لحظتي الجميلة ، نظرت إتجاهه فإذا برجل كهل يتكأ على عكازة أوشكت على الإنكسار أمام قساوة الحياة … يلوح لي كي أقترب منه ، عبرت الشارع من ممر الراجلين لاعبا بذلك دور المواطن النموذجي ، إقتربت منه ظنا منى أن الرجل محتاج لمساعدة كي يعبر الشارع ، أمسكت بيده لكنه أزاحها بقوة ما جعلني أعتقد أنه أحد المتسولين لذا أخرجت من جيب سروالي درهمين كنت أريد أن أشتري بهم حبات عباد الشمس … ، وقبل أن أمدهم إليه قال لي : أنا هنا منذ زمن بعيد ثم صمت قليلا قبل أن يضيف و لا أحد يهتم لأمري ، أخفض رأسه للأرض وأكمل أخاف من اليوم الذى ستنقرض فيه الصناعة التقليدية بالمدينة و أعانى الفراغ القاتل مدى الحياة … أرجوا أن تخبر الآخرين عني ، وقبل أن أنصرف سألته عن إسمه فقال لي : أنا هو مجمع الصناعة التقليدية … أرجعت الدرهمين لجيب سروالي ثم ركضت بسرعة في إتجاه ساحة سيدي مظلوم كي لا يحس العجوز بنظرات الإشفاق التى كنت ألمحه بها ، جلست في كرسي حديدي أسترجع أنفاسي ومعها الحوار الذي دار قبل لحظات … غرقت في تفكيري العميق قبل أن انتبه ليد طفلة صغيرة تتجه نحوى لتناولني ورقة كانت قد سقطت منى عندما كنت أركض ، أخذتها منها و سألتها عن إسمها فأجابت ” أمل ” شكرتها ثم تسلحت بالأمل و إبتسمت من جديد ، وقبل أن أنصرف أشارت لي بيدها الصغيرتين في الإتجاه المقابل قائلة هنالك من يريدك ، رفعت عيني فإذا بامرأة عجوز ترتدى أسمالا بالية تنظر بعينين حزينتين و تلوح لي ، إقتربت منها … وقبل أن أنبس بحرف واحد قالت لي أنا هنا وهنا أنا بدون هدف ولا عنوان … لم أفهم شيئا ما دفعني أستفسر ، لتجيبني قائلة هرمت ولازلت أعانى العطالة ، ثم صمتت قليلا قبل أن تكمل ظننت نفسي أني سأكون سببا في محاربة الهدر المدرسي لدى فئة كبيرة من التلاميذ ، إنتظرت ثم إنتظرت حتى مللت الإنتظار ومل الإنتظار مني ، فهل تستطيع أن تخبر الآخرين عنى ؟؟؟؟ أومأت لها بالإيجاب ، وبعدما هممت بالإنصراف قالت بصوت حزين قل لهم بأني دار الطالبة …. ، خطوت الخطوات محاولا أن لا أنظر للوراء كي لا أشاهد العينين الحزينتين اللتين يصعب تبادل النظر معهما ، وبينما أنا أبتعد منها تفاجأت بصوت يدعوني أن أتوقف هنيهة ، إلتفتت إليه فوجدته شخص في ريعان شبابه يرتدى نظارات سوداء وربطة عنق يشبه لونها لون حذائه المرقع ، يحمل سيجارة رديئة بين أصابعه ، ظننت أنه سيطلب مني عود ثقاب أو شيء من هذا القبيل ، لكنه فاجأني بقوله لي أنا أيضا أعاني الأمرين فلا عمل لدي مند ولدت ، حالي كحال شباب المدينة الذين يصرفون أوقاتهم في المقاهي أو واقفين في زوايا الأزقة بينما كان من المفترض أن يتواجدوا معي ، رجاءا بلغ تحياتي للجميع وقل لهم ما سمعت وقبل أن أنصرف عرف بنفسه كونه دار الشباب ثم أردف قائلا هل لك أن تمر عند جاري المقعد إنه هناك في زاوية المكان ، إتجهت نحوه بهدوء حذر فوجدته على كرسيه المتحرك وقبل أن أسأله بدأني بالكلام … منذ إزددت و أنا أعرض الفراغ أمام الأشباح عوض تاريخ المدينة العتيق والذي لا يعرف سكانه شيئا عنه ، أرجوك بلغ رسالتي أيضا قل لهم أنى المتحف .
نظرت إليه مليا ولخيوط العنكبوت التى عششت في جنباته ثم ودعته على أمل اللقاء … دخلت لحي سيدي الكامل و إخترقت الدروب ثم عبرت الشارع في إتجاه حي بنجلون ، طرقت باب منزلنا الحديدي ثم دخلت كي أمسك بالقلم …. وتستمر الحياة .
مشكل نعاني منه في مدينتنا الجميلة ، مرافق عمومية تصرف عليها مليارات الدراهم ، ثم تترك عرضة للإهمال و النسيان ، والدليل على ذلك وجود مجمع للصناعة التقليدية ودارين للشباب و المتحف و دار الطالبة … كلها بنايات بلا عنوان لم تفتح منذ تشييدها بل أهملت كأطلال تركها الرحل و انصرفوا … فإلى متى يستمر الإهمال ؟؟؟؟

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع