أخر تحديث : الأحد 26 أبريل 2015 - 4:08 مساءً

من قتل الشاعر صلاح الوديع ؟!!

محمد المهدي السقال | بتاريخ 26 أبريل, 2015 | قراءة

sakka

نجحت “جمعية ابن رشد للبحث والتواصل” نظيميا، في إنجاز لقائها مع الشاعر المغربي صلاح الوديع بدار الثقافة،بالرغم من الحضور الباهت للضيف، بعدما فاجأ الجمهور بقراءات باردة عن مشاعر الحب في أبسط تعبيراته الشخصية والأسرية، بعيدا عن انتظارات التلقي بحجم وجوده الشعري و النضالي، في ذاكرة و وجدان الإبداع المغربي ذي الصلة بالمواقف و الرؤى التقدمية و الحداثية.
افتتح اللقاء بكلمة ترحيبية للجمعية في شخص رئيسها بالضيف و مرافقته السيدة سلوى مجاهد،
ضمن برنامج أنشطتها الثقافية بالمدينة، تعبيرا عن امتنانها لاستجابة الشاعر، و اعتزازها بقيمته في الساحة الأدبية والسياسية.

في البداية، قدمت الأخت سلوى مجاهد ورقة جميلة حول تجربة الشاعر المستضاف، قاربت من خلالها مساره الشعري و السياسي، في ضوء ما ترسب من انطباعات ذاتية، متأثرة بملامح التوهج الذي شكله حضور المبدع تاريخيا، موازاة مع الرائج من تقييمات أدبية، كان لها بريقها في مرحلة الإشراق من عمر الرجل الأدبي و السياسي.

هل نؤاخذ الأخت سلوى مجاهد على مسايرتها للانفعال الشخصي بأثر تجربة الشاعر في نفسها؟! ربما،
لأنها بقيت دون استيقاف و لو بالإشارة أو التلميح، إلى ما عرفته تجربة الشاعر من تراجع فني شعريا أو تدافع إيديولوجي سياسيا، بعد الركون إلى الاقتناع بما تحقق ماضيا، أو القبول بالانخراط في اللعبة حاضرا.

بعد ذلك، أعطيت الكلمة للشاعر الوديع، ليقدم حديثا مسهبا عن الشعر بين المحلي و الكوني لم يتجاوز أدبيات الموضوع في المتابعات العامة، دون ربط الرؤية بالتجربة الشخصية لملامسة أدنى إضافة نوعية للحضور أدبيا أو سياسيا.
فكان الاستدراج غير الموفق للإشادة بالتطور في الحياة السياسية ضمن تحولات التوجه الديموقراطي الحداثي للخروج من نفق مظلم بعد نجاح تجربة ما يسمى بهيئة الانصاف والمصالحة التي بالغ الشاعر في تمجيد دوره فيها كإنجاز باهر…. قبل الوقوف عند آخر اختيار ضمن مسار تحولاته السياسية، ممثلا في محطة « ضمير»، من موقع اعتزازه الكبير برئاستها، بعدما تحقق لها من إشعاع عالمي، تمثل أساسا في انخراط أسماء كبيرة من خارج الوطن للجنتها الشرفية الدولية، دون ذكر اسم واحد ممن يمكن الاطمئنان الى قوة إشعاعه الفكري أو السياسي من الداخل أو من الخارج.

انطلق الموعد مع قراءات الضيف الشعرية، بتقديم نصوص استغرق الحب ثلاثة أرباعها، بينما وقف الربع الأخير عند ديوانه ” تازمامارت “، في اتجاه دغدغة مشاعر الحضور بما تحتفظ به الذاكرة عن سنوات الرصاص..
إلا أن تعامل الشاعر مع قصيدته، سيفسد على الناس تفاعلهم الممكن مع مقوله،
بسبب تعمد القفز المتواصل على المقاطع، بل أحيانا على صفحات من الديوان، بانتقاء لم يكن موضوعيا ولا حذرا عند ما يريد القفز عليه، فبدا جليا ما أصاب الاسترسال من ابتسار مجحف، ليس فقط في حق النص، ولكن في حق المستمعين الذي شعروا باستبلاد تلقيهم عن طريق ذلك الرقص الانتقائي الباهت للأسف. تذكرت ورقة كتبتها منذ مدة، حول ما انتهى إليه الشاعر صلاح الوديع، تحت عنوان:

من قتل الشاعر الوديع ؟!!

أعيد نشرها هنا، ليس تقييما للقائه ذاك مع جمهور القصر الكبير، و لكن تناسبا لمحتوى الورقة مع ما عايشته ضمن الحضور له في دار الثقافة بالمدينة.
من قتل الشاعر الوديع ؟!!
لم أعرف مبدعا من رعيل المفرج عنهم، ضمن معتقلي مولاي علي الشريف في السبعينات، من شغل المتابعين بالشأن السياسي، كما شغلهم أمر الشاعر الوديع. بسبب مفارقة صارخة بين ابتداء وانتهاء.
ابتداء كان عنوانه المشرف ذلك النضال السياسي من موقع تمثلات إيديولوجية تقدمية كان لها بريقها ضمن سياق الصراع الموضوعي مع السلطة من أجل التحول السياسي، فعرف المحاكمة ثم السجن و ظروف سجنه عشر سنوات، ضمن خلايا سرية راهنت على التغيير في بعده الثوري بعد إيمان بمبادئ الماركسية.
و انتهاء شهِد لتراجع عن قيم مثلى باسم المراجعة، ليتم القبول بالانخراط في لعبة سياسية لم تكن قد قاربت حتى مستوى أولي للنضج، باسم الحداثوية المجتمعية، جنبا إلى جنب خصوم الأمس من القمة إلى القاعدة على المستوى الإيديولجي، قبل الانبراء لمواجهة تداعيات المد الأصولي، باعتباره الخصم الأول في الحلبة السياسية.
هل كانت « حركة ضمير» وحدها بمثابة المسمار الأخير في نعش صلاح الوديع الأسفي السياسي، بعد طلاق لم يكن بائنا بينه وبين «حركة لكل الديموقراطيين» قبل أن تنجب وليد «الأصالة والمعاصرة»؟
( ستكون للتاريخ كلمته بخصوص هذا السياق، و سياقات أخرى مرتبطة بفاعلية حضوره في المجال الحقوقي، و تحديدا عضويته في المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف.)
ليت صاحب ” جراح الصدر العاري ” بقي هو نفسه ” العريس ” الذي يصرخ : ” مازال في القلب شيء يستحق الانتباه “، و هو يدعو ” إلهي أشكوهم إليك ” كي لا تضيع كلمته هباء و ” لئلا تنثرها الريح ” في خضم ” قلق الانتقالات “.
في القديم أخرج أفلاطون الشعراء من جمهوريته لكونهم يظلون متمسكين بالحلم، انطلاقا من قيم كونية إنسانية ترفض المزايدة باسم التحول.؟
و في الحديث، عادت للشعر مكانته المثلى ضدا على حصارات الاحتكار السياسي، رغم الضريبة المرتفعة لدرجة التضحية بالحياة من أجل رؤيا تؤمن بالتغيير نحو مثالية وجودية.
أتصور أن الشاعر الحقيقي، يظل حريصا على رفض تنميطه في خانة يحركها الظرفي ، ولأن السياسة بطبيعتها فن إدارة الصراع المادي في تحولاته، فقد ظلت تشكل قوة شيطانية تخالط الكينونة الشعرية، لإفراغها من أي حضور يشوش على واقعيتها بتلك الأحلام الطوباوية. ..
من هنا أصبحت السياسة خطرا على الشعر، بعد النجاح في الانتقال من الإفراغ إلى الاحتواء.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع