أخر تحديث : الأحد 28 يونيو 2015 - 8:28 مساءً

إنما اختل عقلهم

إدريس حيدر | بتاريخ 28 يونيو, 2015 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_idriss_haydar

كبرت و ترعرعت في مدينة قديمة و عتيقة، بعمرانها المغربي الاندلسي، و بتقاليدها و أعرافها الضاربة في القدم.
مدينة تميزت برجالاتها من علماء و فقهاء و أدباء و موسيقيون.
إلا أن فضاءها تأثث بفئة من الناس أصبحوا بمثابة معالم لها.
إنهم المختلون عقليا.
في مدينتي عاش بعض منهم، كل واحد بلباسه الخاص به ، باهتماماماته
و بأماكن خاصة يتواجد فيها بشكل دائم.
فهناك ذاك الفلاح الذي لا يعرف اسمه أو كنيته، والذي كان يلبس لباسا قديما ، يمشي حافي القدمين، و على كتفه عتلة، لا يكلم أحدا، و عند الاقتراب منه تسمع همهماته، و التي يكون مضمونها متعلق بالفلاحة و زراعة الأرض، و حصد غلتها و سرقة هذه الأخيرة من طرف الأغيار.
في الجانب الاخر من المدينة هناك، ذاك الرجل الطويل و النحيف ، الذي كان يدعى”بادري””Padre” ، يمشي هو الأخر حافي القدمين، يرتدي أسمالا بالية، و بيده دائما محبرة و قلم ، و يرى و هو يتردد على بعض الجدران، يخط عليها خربشات، لا تقرأ و لا تفهم، و هي شبيهة بالحروف الصينية.
و قد يعتقد الزائرللمدينة، أنها رسوم حائطية،أو جداريات زينت بها هذه البلدة.
لم يكن “بادري” يكلم أحدا،لكنه كان يتوقف عن المشي بين الفينة و الأخرى ،يتكلم بعض الشيء بصوت خفيض، ثم يستأنف مسيره.
وبجانب السوق المركزي للخضر و الفواكه ، ينتصب رجل يدعى ” الشياظمي” ،قوي البنية، ذو صوت جهوري، مشيته شبيهة بالمشية العسكرية،يحمل دائما بيده قضيب، يخاطب الجميع بصوت عال . و لا يركز عينيه على أحد،
يؤكد في كل خطبه على الوضع المزري الذي تعيشه البلاد، منذ أن خرج الاستعمار الإسباني منها، مشيدا بالجنرال ” فرانكو” ،بشجاعته و استقامته و جديته.
ثم يدخل في حوار علني و بصوت مرتفع مع الجنرال ، يشتكيه من ظلم ذوي القربى ، و من سوء حالة البلاد ، ومن طغيان المسؤولين بها ، و اعتدائهم على المستضعفين . ويبدو أن الشياظمي كان عسكريا بالجندية الاسبانية.
كان يتاجر في الفواكه و الخضروات ، و عندما تحل به الأزمة يخرج إلى الناس خطيبا، لدرجة أن منظره و هو يصيح أصبح مألوفا لدى الساكنة.
في أطراف المدينة ، يتردد شخص في أواسط الأربعينات من عمره ، ملابسه متسخة، ذو لحية كثيفة ، يبتسم و يضحك طيلة الوقت مع كلابه .
أجل ، كانت تصاحبه كلاب كثيرة، يهتم بها كثيرا ، يؤنسها و تؤنسه، إنه المدعو ” شليظة”.
قرب البناية القديمة للمحكمة الإبتدائية ، تتواجد باستمرار سيدة متقدمة بعض الشيء في السن ،بملابس أهل القرى ، تضرب كفا بكف و تحرك يداها في كل الاتجاهات، تسب وتشتم و كأنها تتخاصم مع أحد الجيران في دوارها.
إنها المدعوة “حمدانة” كانت دائمة التواجد في ذلك المكان .
غير أن أشهر هؤلاء هو المدعو ” لهضلضل” ، رجل قوي البنية ، مبحوح الصوت، يدخن بشراهة، كثير المشي ، حيث يطوف المدينة جيئة و ذهابا.
هو الأخريتكلم عن السلاح ، و عن سجن الأعداء و قتلهم.
كلامه خليط من الدارجة و ما يشبه الإسبانية.
غير أن الرجل كان أليفا و محبوبا لدى الجميع، لنبله حيث إنه كان خدوما و أمينا.
هذه فقط عينات من مختلي المدينة عقليا.
هؤلاء الرجال و النساء ، كانوا يرافقوننا ،يقتربون منا، يساعدوننا أحيانا، يسبوننا أحايين أخرى.
لكن لا نعرف حقيقتهم، و لا نهتم بوضعهم و أين يقضون لياليهم الباردة و الممطرة بعد انصراف الجميع إلى حال سبيلهم، حيث الدفئ و الحرارة الإنسانية.
كما أنه لم يكن يدور بخلدنا و لو لحظة ، كيف يواجهون المرض و ألامه إذا حل بهم ، وهم وحيدون لا مال لهم ولا عائلة .
لم أنتبه كما غيري من ساكنة المدينة إلى اختفائهم منها ، وهل كان نتيجة هجرهم لها، أم أنهم قضووا في ظروف غامضة .
لم نكن نعي عمق مأساة هؤلاء ، من أين جاءوا؟ و ماهي مشكلاتهم ؟
لماذا تركوا من طرف الدولة و المجتمع في تلك الوضعية المشينة ؟
كان الجميع يتفرج عليهم و يتسلى ببعض طرائفهم ، و كأنهم ممثلون يؤدون أدوارهم فوق ركح الحياة .
ونسي الجميع أن هؤلاء المرضى و التائهين أناس مثلهم ، إنما اختل عقلهم.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع