أخر تحديث : الثلاثاء 28 أكتوبر 2014 - 12:02 صباحًا

صرخة أمينة و النخلة …

ياسين الحريضي | بتاريخ 21 سبتمبر, 2014 | قراءة

“واش حنا ماشي مغاربة…حسبنا الله و نعم الوكيل”
هكذا صدح صوت السيدة، أمينة من القصر الكبير، مدويا عبر اثير راديو “إف إم إف” في برنامج سمير الليل والذي يعده منشط البرنامج السيد، “مصطفى الهردة” يوم الجمعة المنصرم ،أمينة زوجة لرب اسرة يعمل كحلاق و أم لأبناء معاقين ذهنياً تعيش مند زمن ليس بالهين في جحيم الخوف و المعاناة ،تتلخص وقائع معاناتها انها مواطنة مغربية و من سكان القصر الكبير المدينة التي تعيش خارج التاريخ و سكانها على هامش التاريخ، أمينة تقطن في بيت صغير امتلكته بعد تضحيات جسام رفقة زوجها في سنوات عجاف من الكد و الجهد ،ربما كان حضها العكر و قدرها المحتوم ان تعيش الرعب و الهلع مع ابنائها المعاقين و زوجها الكهل الذي لا حول له و لا قوة ،كان حضها العكر ان تسكن بالقرب من ضريح و مسجد مولاي يعقوب و قدرها المحتوم ان توجد بساحة المسجد نخلات يابسات كهلات اكل الدهر عليها و شرب تشهد على ماضي المدينة العريق كما تشهد على حاضرها البئيس تأبى الا ان تندثر من الوجود حتى لا تشهد على المستقبل الغامض للمدينة يكفيها مجد الماضي الذي عاشته فهي تشرف على السقوط فوق منزل السيدة امينة و فوق قبة المسجد أو ربما تسقط فوق قبة احد المسؤولين المحلين ربما يكون ذلك افضل، حتى يستفيقوا من سباتهم و غفلتهم على المدينة و اهلها فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب، السيدة امينة و كغيرها من المواطنين القصريين تعتقد ان هناك من هم مسؤولين على حماية حياتها و حياة اسرتها وتوفير اجواء الراحة و الهدوء لهم التجأت الى كل الجهات المسؤولة قصد انقداها من حالة الرعب و الهلع التي تعيشها على مدار اليوم فكتبت اولى شكاياتها الى المصالح المعنية قبل ان تتناسل الشكايات الى كل المصالح المكلفة و الادارات المعنية و تاهت في دواليب الادارة المغربية و البيروقراطية و (طلع و هود و سير حتى تجي ….) قبل ان تسقط احدى النخلات فوق سور منزل السيدة امينة فلولا الالطاف الالهية التي تحميها و تحمي كل سكان المدينة لكانت الكارثة بعدها تحركت كل المصالح المعنية ليس لإنقاذ السيدة امينة واسرتها لكن لانقاد ماء وجه الادارة التي لا وجه لها، امينة بعد هذه الفاجعة تضاعفت حالة الهلع و الخوف على نفسها و على اسرتها المعوزة انتفضت لتدافع عن حقها في الحياة و حقها في الوجود وفي العيش الكريم فالتجأت الى المنابر الاعلامية لتكشف عن معاناتها مع النخلة و مع المسؤولين على النخلة، لكنها زجت بنفسها و بمعاناتها في دواليب اخرى اكتر تعقيدا من دواليب الادارة انها دواليب السياسة و تناقضاتها و صراعاتها و دواليب المجتمع المدني المحلي الذي لا يستقر على رأي في هذه المدينة البئيسة التي كثر فيها مناضلو الصدفة الذين يظهرون و يختفون عند كل خطب جلل، فانقسم الراي مرة ثانية بين مؤيد لإزالة النخلة و ازالة حالة الخوف و الهلع على اسرة أمينة و بين معارض لإزالة النخلة بدعوى انها الذاكرة و الرمز للمدينة و انها معلمة تاريخية وكأن القصر الكبير ليس له من المعالم سوى النخلة متناسين المعالم الحقيقية التي ثم طمسها بالإسمنت و بيعت لسماسرة العقار على مراي و مسمع الجميع ،لعل لسان حال المعارضين المدافعين عن النخلة يقول كما قال محمود درويش في قصديته،
“علقوني على جدائل نخلة و اشنقوني فلن اخون النخلة،”
فهم يدافعون عن وجود النخلة و لا يدافعون عن وجود أمينة و اسرتها المعوزة يقفون عند ويل للمصلين.
عذرا ايها المدافعون عن النخلة اكملوا بقية القصيدة.
“وطني ليس حزمة من حكايا،
ليس ذكرى،
وطني غضبة الغريب على الحزن ،
وطفل يريد عيدا و قبلة،
ورياح ضاقت بحجرة سجن،
و عجوز يبكي بنيه.. و حقله
هذه الأرض جلد عظمي و قلبي،”
.
أمينة لا تريد شيء سوى الحق في الحياة و العيش مع اسرتها، لا تريد سياسة و لا احزاب سياسية لأنها لا تمثلها و لا تدافع عن حقها في الوجود ،صدقوني اني اعدت هذه الحلقة اكثر من عشر مرات و في كل مرة ينهمر الدمع من عيني على حال هذه السيدة و حال هذه المدينة البئيسة و سكانها المهمشون في الارض، هكذا صرخت امينة عبر الاثير:
” طيحوا و لا موتو و لا عيشو ،موتو ولا دبرو راسكم مامنمشيوش حنا في الرجلين….. واش المساكن ما عندومش حقم واش حنا ماشي مغاربة ….واش معدناش حق في الحياة…. ”
ربماهذا هو راي أمينة في الاحزاب السياسية المحلية، امينة لا تريد احزاب مؤيدة او معارضة و لا جمعيات مؤيدة و اخرى معارضة ، امينة لا تريد تاريخ و لا معالم في مدينة لا تعترف بالتاريخ الا في المناسبات والحفلات و صفقات اعادة الترميم القادمة من الخارج ،امينة لا تريد ازالة النخلة لتوسع من مشروعها التجاري المربح ،أمينة تصرخ فقط صرخت اغاثة بعدما ضاقت بها السبل تستنجد جلالة الملك تستنجد الضمائر الحية ،أمينة لا تطلب شيء سوى ازالة الخطر عن بيتها، أمينة لا تريد “رخصة سيارة اجرة و لا رخصة كشك و لا بطاقة الانعاش التي تعطى لباك صاحبي كيصوت عليا…، أمينة تريد انقاد ارواح اسرتها المعوزة أمينة ترغب في الحق في الحياة بهدوء، أمينة تستنجد بأبناء القصر الكبير الشرفاء و بكل الضمائر الحية ،امينة تريد ازالة النخلة لان لا جذور لها وقد تسقط في كل حين ” نخلة بلا جذر” فعلا ربما لا جذور للنخلة و لا جذور لنا نحن ايضا بعد ان اختلط الحابل بالنابل و اختلطت الانساب و اصبح الغريب صاحب الدار و اصبحنا غرباء في وطننا، ربما لو كانت النخلة تعلم بحال أمينة لتمنت ان تبتلعها الارض قبل تزرع فوق هذه البقعة المباركة وسط مسجد يذكر فيه اسم الله صباح مساء، ربما روح النخلة اكتر اهمية من روح أمينة و اسرتها لان امينة و اسرتها لا جذور لها في بيئة و ارض ملوثة بأصحاب البطون المكتنزة و السيارات الفارهة….و المناصب العليا و الامتيازات الضخمة….،ارض يسقيها عرق جبين شرفاء هذا الوطن و دعاء الاتقياء باللطف و المغفرة..
قد تقتلع نخلة و تزرع مكانها اخرى اكتر صلابة و قوة، لكن ان اقتلعت روح امينة و اسرتها فلن يعوضها شيء سوى البكاء و النحيب و التحسر على المصير البئيس و صمت الضمائر…،أمينة صرخت تستغيث بصوت حزين تريد الحق في الحياة، “واش معدناش الحق في الحياة……؟”
ونحن بدورنا نستغيث يا أمينة فصرختك واحدة من بين الاف الصرخات.
واش سكان القصر الكبير ما عندومش الحق في الحياة…….و العيش الكريم ….؟؟؟؟

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع