أخر تحديث : الإثنين 27 أكتوبر 2014 - 9:59 مساءً

تغريدة خارج السرب: نخلات مولاي يعقوب بالقصر الكبير.. بعيدا عن السياسة قريبا من المدينة

ذ. محمد بنقدور الوهراني | بتاريخ 28 سبتمبر, 2014 | قراءة

أنا من أبناء حي المجولين بالشريعة، ولدت هناك وتربيت هناك، لا تفصلنا عن ( القشاشين )، حيث يوجد ضريح مولاي يعقوب، سوى حي المرس من جهة الجامع السعيد أو ( جامع السعيدة ) كما كنا ولا زلنا نسميه.
الذي لا يعرفه الكثيرون هو أن جدي ( ميلود ) ذاك المناضل الذي استقر بمدينة القصر الكبير منذ 1849، بعد نزوحة من الجزائر وهو يجر خيبة انهزام المقاومة الجزائرية بزعامة الأمير عبد القادر، جدي الذي امتهن الفلاحة في ( وهران ) وفي ( القصر الكبير )، مدفون في ضريح مولاي يعقوب، وشاهدة قبره لا زالت موجودة إلى الآن في وسط الضريح.
منذ صغري وأنا أزور قبر جدي رفقة عماتي رحمة الله عليهن جميعا، سنين طويلة في الستينيات والسبعينيات وأنا أدخل الضريح لزيارة قبر جدي، لم يكن يثيرني في المكان غير نصاعة بياضه وشساعته والقبور المتراصة بنظام ملفت للنظر وشاهدة قبر جدي.
النخلات الموجودة هناك لم تكن تثيرني لأن النخلات كانت موجودة في كل مكان من القصر الكبير، خاصة في ( المحلة ) حيث درست في ( مدرسة مولاي علي بوغالب )، هناك كان مكان استراحتنا عبارة فضاء مفتوح تنبت في العشرات من شجر النخيل.
النخيل كان موجودا في كل مكان في القصر الكبير في الستينات والسبعينات، ولم يسأل أي أحد أين ذهب ذاك النخيل.
عشت طيلة حياتي في مدن طبعت شخصيتي بطابعها الخاص، عشت في طنجة أثر في ( حي مرشان ) حيث توجد مدافن الفينيقيين، و( القصبة ) المطلة على البحرين، وحي ( دار البارود) بكل ما يحمله من نفس عالمي معلوم ومعروف ومكتوب، و( سور المعكازين ) الذي تطل منه أحلام عدد كبير من زائري المكان حينما تظهر له الضفة الأخرى من الكرة الأرضية، وغير ذلك من الفضاءات المميزة للمدينة والتي تعطيها ميسمها التاريخي والثقافي والحضاري العام.
عشت في مدينة تطوان، أثر في وجداني ( الفدان ) و( باب العقلة ) و( الملاح ) و( الغرسة الكبيرة )وموقع ( تمودة الروماني ) وغيرها من المآثر الثقافية والحضارية القائمة الحية بتاريخها وحاضرها.
أعيش في مدينة العرائش، أحس بجدوى الحياة عندما أقف أمام البحر من على ( الشرفة الأطلسية ) أناجي المراكب والنوارس، أحس بعبق التاريخ وأنا أتجول بين ( برج اللقلاق ) وساحة دار المخزن ( الكوميدانسيا ) مارا من ( السوق الصغير ) بحمولته التاريخية والفنية الخالصة خاصة عند مدخل ( القبيبات ) حيث يمكنك أن تسمي الجمال المعماري القديم بأحلى مسمياته.
كل مدن العالم لها ميسمها الخاص، معالم معمارية كانت أم مآثر تاريخية أم مجسمات فنية خالدة أو غير ذلك، إلا القصر الكبير، أرادوها أن تكون مدينة مرتبطة بنخلات ثلاثة أصابها الهرم والتسوس وذهب عنها الجمال، في ضريح أدخلت عليه تشوهات حولته إلى مكان لتأدية فريضة الصلاة، بالرغم من وجود مساجد خاصة بالقرب من الضريح.
الكثير من القصريين، وأنا واحد منهم، لم تكن النخلات الثلاثة تمثل أي شيء بالنسبة لهم، هي نخلات وكفى، مثلها مثل نخلات ( المحلة ) و( سكرينيا ) ومدرسة ( الكروبو ) ونخلات مدرسة التوحيد والثانوية المحمدية وغيرها من الأماكن الأخرى. عشرات النخلات إما ماتت أو قطعت، وعشرات أخرى باقية، كما يمكن غرس العشرات من جديد سواء في ضريح مولاي يعقوب أو في غيره من الفضاءات الأخرى، بل أذهب أبعد من هذا وأطالب بغرس أشجار أكثر جمالية من حيث الشكل واللون، لأن شجر النخيل وجد في الواحات الصحراوية، وجماليته لا تستقيم إلا حيث وجد أول الأمر.
الكثير من القصريين، وأنا واحد منهم، لا نعتبر النخلات ميسما ثقافيا وحضاريا للمدينة، ( حي الديوان ) بألقه التاريخي هو الذي يحتاج منا للولولة والنحيب مخافة ضياع الكثير من مآثره ونقوشه ومعالمه، المسجد الأعظم هو الذي يحتاج منا إلى النحيب لأن نفائسه ومآثره هُرّبت بليل ويجب استرجاعها بأي ثمن، ( دار الدباغ ) التي رغم استصلاحها ظلت نسيا منسيا، ( سور الموحدين ) ظل هو الآخر في عداد البحث عن مفقود، ( الباب الكبير ) و (دار الباشا ) بالمحلة عرفتا تشوهات خلفية خطيرة أفقدتهما الكثير من جماليتهما النادرة. المعلمة الفاتنة ( المفتشية ) في المحلة كذلك، تُرى كيف أضحى حالهه لأنها محتلة لا يراها القصريون…
هذه هي المعالم والمآثر التي تعبر عن القصر الكبير، أو بالأحرى يجب أن تكون كذلك، أما النخلات فيمكن أن تأتي في مكانها نخلات أخرى.
آسف، أيها القصريين، الجنازة كبيرة والميت نخلات ثلاثة لا تسمن ولا تغني من جوع تاريخي وحضاري عاشته مدينة نقول عنها نحن القصريين بأنها أقدم حاضرة في المغرب.
هل القصر الكبير أقدم حاضرة في المغرب بنخلات مولاي يعقوب الثلاث؟
هل بالفعل هذه النخلات كانت تعبر عن تاريخ المدينة؟
هل هذه النخلات بشكلها المائل، والذي يحتمل قراءة إستيطيقية مائلة للمدينة كذلك، تعبر بالفعل عن الضمير الجمعي للقصر الكبير؟
هل تدمير نخلات مولاي يعقوب، بغض النظر عن السبب، أضر بتاريخ وتراث المدينة؟
هل يمكن عد 3 نخلات أصابها الهرم نتيجة الزمن، تراثا ثقافيا يجب حمايته والدود عنه؟
هل استعمال هذه االنخلات في بعض ( اللوغوات) الرياضية والثقافية، قديما وحديثا، يعطيها صفة القداسة التراثية التي تدفعنا للاحتجاج من أجل المحافظة عليها؟
هل تحمل هذه النخلات من الزخم التاريخي والثقافي ما يجعل مدينة القصر الكبير ترتبط بهذه النخلات؟
هل هناك في المغرب والعالم من يربط تاريخ القصر الكبير وتراثه بنخلات مولاي يعقوب؟
هل تستحق مدينة مثل القصر الكبير أن يكون ميسمها الثقافي والتراثي والتاريخي ثلاث نخلات في ضريح؟
هل حقا، نفكر بضمير، عندما نتحدث عن نخلات مولاي يعقوب التي أضحت تمثل خطرا على الساكنة، أم تحركنا نوازع وأهواء أخرى؟
ألا يحمل هذا التهويل باجتثات النخلات في طياته ملمحا سياسيا، يغيّب المدينة بشكل تام ويستحضر الحسابات الانتخابية التي نحن على أبوابها الآن؟
هل يستحق منا، نحن القصريين، اجتثات 3 نخلات كل هذا النحيب ؟
بكل صدق وصراحة وشفافية، نحن القصريين فقدنا البوصلة التي يمكن أن توجهنا نحو غد أفضل لمدينة نقول عنها، بشوفينية كبيرة وبافتخار كبير، هي أقدم حاضرة في المغرب.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع